إسلام شموائيل ..والده يهوذا كان أعلم يهود زمانه بالتوراة


بسم الله الرحمن الرحيم

  

رب يسر وأعن يا الله 

 

قال السَّموأل بن يحي المغربي ( المتوفى 570هـ ) والذي كان يسمى " الحبر شموائيل بن يهوذا بن آبوان "  :  

 

بعد حمد الله والصلاة على نبيه محمد المصطفى وعلى آله ...

 

 إن العناية الإلهية لتسوق من تَسبق في علم الله هدايته حتى يوجد منه الاهتداء، في الوقت الذي سبق في علم الله تعالى وجوده منه فيه.

 

وأنا أذكر سبب ما وفقني الله له من الهداية، وكيف انساقت بي الحال منذ نشأت إلى انتقالي عن مذهب اليهود؛ ليكون عبرة وموعظة لمن يقع إليه ،

  

وليعلم متأمله أن اللطف الإلهي أخفى من أن يحاط بكنهه؛ فإن الله يخص بفضله من يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء ويهديه صراطاً مستقيما.

 

وذلك أن أبي كان يقال له" الرآب يهوذا بن آبون" من مدينة فاس التي بأقصى المغرب .

 

والرآب : لقب، وليس باسم ، وتفسيره: الحبر ، وكان أعلم أهل زمانه بعلوم التوراة، وأقدرهم على التوسع في الإنشاء والإعجاز والارتجال لمنظوم العبراني ومنثوره.

  

وكان اسمه المدعو به بين أهل العربية" أبا البقاء يحيى بن عباس المغربي" وذلك أن أكثر متخصصيهم، يكون له اسم عربي، غير اسمه العبري، أو مشتق منه، كما جعلت العرب الاسم غير الكنية . وكان اتصاله بأمي ببغداد، وأصلها من البصرة وهي إحدى الأخوات الثلاث المنجبات في علوم التوراة والكتابة بالقلم العبري، وهن بنات إسحاق بن إبراهيم البصري الليوى، أعني من سبط ليوي : وهو سبط مضبوط النسب؛ لأن منه كان موسى عليه السلام . 
  
وكان إسحاق هذا ذا علوم يدرسها ببغداد، وكانت أمهن نفيسة بنت أبي نصر الداوودي، وهذا من رؤسائهم المشاهير وذريته إلى الآن بمصر. 
  
 وكان اسم أمي باسم أم شموائيل النبي عليه السلام، وكان هذا النبي قد ولد بعد أن مكثت أمه عاقراً لا ترزق ولدا ولا تحمل عدة سنين؛ حتى دعت ربها في طلب ولد يكون ناسكا لله، ودعا لها رجل صالح من الأئمة يقال له عيلى. 
  
 فرزقت شموائيل النبي، وذلك كله مشروح في أوائل سفر شموائيل النبي؛ فمكثت أمي عند أبي مدة لا ترزق ولدا حتى استشعرت العقم؛ فرأت في منامها أنها تتلو مناجاة حنة أم شموائيل لربها؛ فنذرت أنها إن رزقت ولدا ذكرا تسميه شموائيل؛ لأن اسمها كان باسم أم شموائيل . 
  
فاتفق أنها بعد ذلك اشتملت علي، وحين رزقتني دعتني شموائيل، وهو إذا عرب: السموأل، وكناني أبي: أبا نصر، وهي كنية جدي، وشغلنى أبي بالكتابة بالقلم العبري، ثم بعلوم التوراة وتفاسيرها حتى أحكمت علم ذلك عند كمال السنة الثالثة عشرة من مولدي 
. 

فشغلني حينئذ بتعلم الحساب الهندي، وحل الزيجات عند الشيخ الأستاذ أبي الحسن بن الدسكري، وقراءة علم الطب على الفيلسوف أبي البركات هبة الله بن على، والتأمل في علاج الأمراض، ومشاهدة ما يتفق من الأعمال الصناعية في الطب والمعالجات التي يعالجها خالي أبو الفتح بن البصري.

 

فأما الحساب الهندي والزيج؛ فإني أحكمت علمهما في أقل من سنة، وذلك حين كمل لي أربع عشرة سنة، وأنا في خلال ذلك لا أقطع القراءة في الطب ومشاهدة علاج الأمراض. 
  
 ثم قرأت الحساب الديواني، وعلم المساحة على الشيخ أبي المظفر الشهرزوري، وقرأت الجبر والمقابلة أيضا عليه . 
  
وترددت إلى الأستاذ أبي الحسن بن الدسكري وأبي الحسن بن   النقاش لقراءة الهندسة حتى حللت المقالات التي كانا يحلانها من إقليدس، وأنا في خلال ذلك متشاغل بالطب حتى استوعبت ما عند من ذكرته من الأستاذين من هذه العلوم . 
  
 وبقى بعض كتاب إقليدس وكتاب الواسطي في الحساب وكتاب البديع في الجبر والمقابلة للكرخي لا أجد من يعرف منه شيئا، وغير ذلك من العلوم الرياضية مثل كتاب شجاع بن أسلم في الجبر والمقابلة وغيره . 
  
وكان بي من الشغف بهذه العلوم والعشق لها ما يلهيني عن المطعم والمشرب إذا فكرت في بعضها. 
  
 فخلوت بنفسي في بيت مدة، وحللت جميع تلك الكتب وشرحتها، ورددت على من أخطأ من واضعيها، وأظهرت أغلاط مصنفيها، وعزمت على ماعجزوا عن تصحيحه وتحقيقه، وأزريت على إقليدس في ترتيب أشكال كتابه بحيث أمكنني إذا غيرت نظام أشكاله أن استغنى عن عدة منها لا يبقى إليها حاجة. 
  
 بعد أن كان كتاب إقليدس معجزا لسائر المهندسين؛ إذ لم يحدثوا أنفسهم بتغيير نظام أشكاله ولا بالاستغناء عن بعضها، كل ذلك في هذه السنة، أعنى الثامنة عشرة من مولدي.

واتصلت تصانيفي في هذه العلوم منذ تلك السنة وإلى الآن، وفتح الله علي كثيرا مما ارتج على من سبقني من الحكماء المبرزين؛ فدونت ذلك لينتفع به من يقع إليه .

 

 وفي خلال ذلك ليس لي مكسب إلا بصناعة الطب، وكان لي منها أوفر حظ؛ إذ أعطاني الله من التأييد فيها ما عرفت به كل مرض يقبل العلاج من الأمراض التي لا علاج لها؛ فما عالجت مريضا إلا وعوفي، وما كرهت علاج مريض إلا وعجز عن علاجه سائر الأطباء وكفوا عن تدبيره؛ فالحمد لله على جزيل نعمته وعظيم فضله.

 

واتضح لي بعد مطالعة ما طالعته من الكتب التي بالعراق والشام وآذربيجان وكوهستان الطريق إلى استخراج علوم كثيرة، واختراع أدوية لم أعرف أني سبقت إليها، مثل الدرقاق الذي وسمته بالمخلص ذي القوة النافذة، وهو يبرئ من عدة أمراض عسيرة في بعض يوم، وغيره من الأدوية التي ركبتها مما فيه منافع وشفاء للناس بإذن الله تعالى.

 

وقد كنت قبل اشتغالي بهذه العلوم وذلك في السنة الثانية عشرة والثالثة عشرة، مشغوفا بالأخبار والحكايات، شديد الحرص على الاطلاع على ما كان في الزمان القديم، والمعرفة بما جرى في القرون الخالية؛ فاطلعت على التصانيف المؤلفة في الحكايات والنوادر على اختلاف فنونها، ثم انتقلت من ذلك إلى محبة الأسمار والخرافات الطوال، ثم إلى الدواوين الكبار، مثل ديوان أخبار عنتر وديوان ذي الهمة والبطال، وأخبار الإسكندر ذي القرنين، وأخبارالعنقاء، وأخبار الطرف بن لوذان، وغير ذلك .

 

ثم إني لما طالعت ذلك، اتضح لي أن أكثره من تأليف المؤرخين؛ فطلبت الأخبار الصحيحة؛ فمالت همتي إلى التواريخ؛ فقرأت كتاب أبي علي بن مسكويه، الذي سماه تجارب الأمم، وطالعت تاريخ الطبري وغيرهما من التواريخ؛ فكانت تمر بي في هذه التواريخ أخبار النبي وغزواته، وما أظهر الله له من المعجزات، وما خصه به من الكرامات وحباه به من النصر والتأييد في غزوة بدر، وغزوة خيبر وغيرهما، وقصة منشئه في اليتم والضعف، ومعاداة أهله له، وإقامته فيما بين أعدائه يجاهدهم بإنكار دينهم عليهم والدعوة إلى دينه مدة طويلة، وسنين كثيرة، إلى أن أذن الله له في الهجرة إلى دار غيرها، وما جرى للأعداء الذين جاهدوه من النكبات ومصرعهم بين يديه بسيوف أوليائه ببدر وغيرها، وظهور الآية العجيبة في هزيمة الفرس ورستم الجبار معهم في ألوف كثيرة على غاية من الحشد والقوة بين يدى سعد بن أبي وقاص، وهم في فئة يسيرة على حال من الضعف، ومدائن كسرى أنو شروان، وانكسار الروم وهلاك عساكرهم على يدي أبي عبيدة بن الجراح رحمة الله عليه، ثم سياسة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعدلهما وزهدهما .

 

ومع ذلك، فإني كنت لكثرة شغفي بأخبار الوزراء والكتاب، قد اكتسبت بكثرة مطالعتي لحكاياتهم وأخبارهم وكلامهم قوة في البلاغة ومعرفة بالفصاحة، وكان لي في ذلك ما حمده الفصحاء وتعجب به البلغاء، وقد يعلم ذلك مني من تأمل كلامي في بعض الكتب التي ألفتها في أحد الفنون العلمية .

 

 فشاهدت المعجزة التي لاتباريها الفصاحة الآدمية في القرآن؛ فعلمت صحة إعجازه ، ثم إني لما هذبت خاطري بالعلوم الرياضية ولاسيما الهندسية وبراهينها راجعت نفسي في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب، وكان أكبر المحركات لي في البحث عن ذلك مطالعتي كتاب برذويه الطيب من كتاب كليلة ودمنة وما وجدت فيه.

 

فعلمت أن العقل حاكم يجب تحكيمه على كليات أمور عالمنا هذا؛ إذ لولا أن العقل أرشدنا إلى اتباع الأنبياء والرسل وتصديق المشايخ والسلف؛ لما صدقناهم في سائر ما تلقيناه عنهم. وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذاهب الموروثة عن السلف، وأصل اتباع الأنبياء مما أدى إليه العقل؛ فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك واجب .

 

 وإذا نحن حكمنا العقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد علمنا أن النقل عن السلف ليس يوجب العقل قبوله من غير امتحان لصحته، بل بمجرد كونه مأخوذا عن السلف، لكن من أجل أنه يكون أمرا ذا حقيقة في ذاته، والحجة موجودة بصحته .

 

فأما الأبوة والسلفية وحدهما فليستا بحجة؛ إذ لو كانتا حجة لكانتا أيضا حجة لسائر الخصوم الكفار كالنصارى؛ فإنهم نقلوا عن أسلافهم: أن عيسى ابن الله، وأنه الرازق المانع الضار النافع؛ فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما نقل عنهم؛ فإن ذلك يلزم منه الإقرار بصحة مقالة النصارى ومقالة المجوس.

وإن كان هذا التقليد لأسلاف اليهود خاصة دون غيرهم من الأمم، فلا يقبل منه ذلك إلا أن يأتوا بدليل على أن آباءهم كانوا أعقل من آباء الأمم وأسلافهم؛ فإن اليهود ادعت ذلك في حق آبائها وأسلافها؛ فجميع أخبار أسلافهم ناطقة بتكذيبهم في ذلك.

 

 وإذا تركنا التعصب لهم فنحن نجعل لآبائهم أسوة بسائر آباء غيرهم من الأمم؛ فإذا كانت آباء النصارى وغيرهم قد نقلو عن آبائهم الكفر والضلال الذي تهرب العقول منه، وتنفر الطباع السليمة عنه؛ فليس بممتنع أن يكون ما نقله اليهود عن آبائهم أيضا بهذه الصفة، فلما علمت أن اليهود لهم أسوة بغيرهم فيما نقلوه عن الآباء والأسلاف علمت أنه ليس بأيديهم حجة صحيحة بنبوة موسى إلا شهادة التواتر.

  

 وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد كوجوده لموسى عليهم السلام أجمعين؛ فإن كان التواتر يفيد تصديقا؛ فالثلاثة صادقون ونبوتهم معاً صحيحة .

 

وعلمت أيضا أني لم أر موسى بعيني، ولم أشاهد معجزاته ولا معجزات غيره من الأنبياء عليهم السلام، ولولا النقل وتقليد الناقلين لما عرفنا شيئا من ذلك؛ فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق بواحد ويكذب بواحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام؛ لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل، وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم؛ فليس من العقل ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقون، بل الواجب عقلاً إما تصديق الكل وإما تكذيب الكل.

 

فأما تكذيب الكل فإن العقل لا يوجبه أيضاً؛ لأنا إنما نجدهم قد أتوا بمكارم الأخلاق، وندبوا إلى الفضائل، ونهوا عن الرذائل، ولأنا نجدهم ساسوا العالم بسياسة بها صلاح حال أهله.

 

 فصح عندي بالدليل القاطع نبوة المسيح والمصطفى وآمنت بهما .

 

فمكثت برهة أعتقد ذلك من غير أن التزم الفرائض الإسلامية، مراقبة لأبي؛ وذلك أنه كان شديد الحب لي، قليل الصبر عني، كثير البر بي، وكان قد أحسن تربيتي؛ إذ شغلني منذ أول حداثتي بالعلوم البرهانية، وربى ذهني وخاطري في الحساب والهندسة، العلمين اللذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه في النظر فيهما؛ فمكثت مدة طويلة لا يفتح على وجه الهداية، ولا تنحل عني هذه الشبهة، وهي مراقبة أبي، إلى أن حالت الأسفار بيني وبينه، وبعدت داري عن داره، وأنا مقيم على مراقبته، والتذمم من أن أفجعه بنفسي.

وحان وقت الهداية، وجاءتني الموعظة الإلهية برؤيتي للنبي في المنام، ليلة الجمعة تاسع ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وخمسائة، وكان ذلك بمراغة من آذربيجان، وهذا شرح ما رأيت :

  

المنام الأول :

رأيت كأني في صحراء فيحاء مخضرة الأرجاء، يلوح من شرقيها شجرة عظيمة، والناس يهرعون إلى تلك الشجرة؛  فسألت بعضهم عن حال الناس؛ فقال: 
إن تحت الشجرة شموائيل النبي جالس، والناس يسلمون عليه؛ فسررت بما سمعته وقصدت الشجرة؛ فوجدت في ظلها شيخا جسيما بهيا وقورا، شديد بياض الشعر عظيم الهيبة، بيده كتاب ينظر فيه؛ فسلمت عليه، وقلت بلسان عربي: 
السلام عليك يانبي الله؛ فالتفت إلي مبتسماً، وهش إلي وقال: 
وعليك السلام يا شريكنا في الاسم، اجلس لنعرض عليك أمرا؛ فجلست بين يديه؛ فدفع إلي الكتاب الذي بيده، وقال: 
اقرأ ما تجده بين يديك. 
فوجدت بين يدي هذه الآية من التوراة: 
 " نابي أقيم لاهيم مقارب أحيهم كاموخا إيلاويشماعون " 
تفسيره: نبياً أقيم لهم من وسط أخوتهم مثلك به فليؤمنوا . 
وهذه مناجاة من الله عز و جل لموسى، وكنت أعرف أن اليهود يقولون إن هذه الآية نزلت في حق شموائيل النبي؛ لأنه كان مثل موسى. يعنون أنه كان من سبط ليوى، وهو السبط الذي كان منه موسى. 
  
فلما وجدت بين يدي هذه الآية من التوراة قرأتها، وظننت أنه يذهب إلى الافتخار بأن الله تعالى ذكره في التوراة وبشر به موسى عليه السلام ؛ فقلت: 
 هنيئا لك يا نبي الله ما خصك الله به من هذه المنزلة .
فنظر إلي مغضبا! وقال: أو إياي أراد الله بهذا يا ذكيا، ما أفادتك إذا البراهين الهندسية ؟!
فقلت: يا نبي الله؛ فمن أراد الله بهذا ؟ 
قال: الذي أراد به في قوله" هو فيع ميهار فاران " . 
 وتفسيره: إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران؛ فلما قال لي ذلك عرفت أنه يعني المصطفى؛ لأنه المبعوث من جبال فاران. وهي جبال مكة؛ لأن التوراة ناطقة نصاً بأن فاران مسكن آل إسماعيل . وذلك قول التوراة: " ويشب بمد نار فاران " 
تفسيره: وأقام في برية فاران. يعني إسماعيل ولد إبراهيم الخليل عليهما السلام .
ثم إنه عاد والتفت إلي وقال: وأما علمت أن الله لم يبعثنى بنسخ شيء من التوراة، وإنما بعثني لأذكرهم بها، وأحيي شرائعها وأخلصهم من أهل فلسطين.
فقلت: بلى يا نبي الله .
قال: فأي حاجة لهم إلى أن يوصيهم ربهم باتباع من لم ينسخ دينهم، ولم يغير شريعتهم، أرأيتهم احتاجوا إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال، أو أرميا، أو حزقيل ؟

فقلت: لا، لعمري، لم يحتج إلى ذلك .

ثم أخذ المصحف من يدي وانصرف مغضباً؛ فارتعت لغضبه، وازدجرت لموعظته، واستيقظت مذعورا؛ فجلست وكان وقت السحر والمصباح يقد في غاية استنارته؛ فتذكرت المنام جميعه؛ فإذا أنا قد تخيلته لا يذهب علي منه شيء!! 
 فعلمت أن ذلك لطف من الله سبحانه وتعالى، وموعظة لإزالة الشبهة التي كانت تمنعني من إعلان كلمة الحق والتظاهر بالإسلام . 
  
 فتبت إلى الله من ذلك واستغفرته، وأكثرت من الصلاة على رسول الله المصطفى . 
وأسبغت الوضوء وصليت عدة ركعات لله عز و جل، وأنا شديد الفرح والسرور بما قد انكشف لي من الهداية .
ثم جلست مفكرا .
فغلب على النوم عند تفكري ونمت .  

 

المنام الثاني :

فرأيت كأني جالس في سكة عامرة لا أعرفها، إذ أتاني آت عليه ثياب المتصوفة وزي الفقراء؛ فلم يسلم علي، لكنه قال: أجب رسول الله. 
  
 فهبته وقمت معه مسرورا مسرعا مستبشرا بلقاء النبي؛ فسار بين يدي وأنا من ورائه حتى انتهى إلى باب دار فدخله واستدخلني فدخلت وراءه، وسرت خلفه في دهليز طويل، قليل الظلمة، إلا أنه مظلم. 
  
 فلما انتهيت إلى طرف الدهليز، وعلمت أنه قد حان إشراف النبي هبت لقاءه هيبة شديدة؛ فأخذت في الاستعداد للقائه وسلامه. 
  
 وذكرت أني كنت قد قرأت في أخباره أنه كان إذا لقي في جماعة قيل" سلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، وإذا لقي وحده قيل " السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته" ؛ فعزمت على أني أسلم عليه سلاما عاما لتدخل الجماعة في السلام ؛ لأني رأيت ذلك كأنه الأولى والأليق.

ثم أشرفت على صحن الدار، وكان مقابل الدهليز مجلس طويل وعن يسرة الداخل مجلس آخر، وليس في الدار غير هذين المجلسين، وفي كل واحد من المجلسين رجلان، لا أحقق الآن صور أولئك الرجل، إلا أني أظن أكثرهم كانوا شباناً، لكنهم كانوا كالمتهيئين للسفر؛ فمنهم من يلبس ثيابا للسفر وأسلحتهم قريبة منهم، ورأيت رسول الله قائما فيما بين المجلسين، أعني في الزاوية التي في ذلك الركن من أركان الصحن، وكأنه قد كان في شغل وقد فرغ منه وانقلب عنه ليشرع في غيره؛ ففجأته بالدخول عليه قبل شروعه في غيره، وكان لابساً ثياباً بيضاً وعمامته معتدلة اللطافة، وعلى عنقه رداء أبيض حول عنقه، وهو معتدل القامة، نبيل جسيم، معتدل اللون بين البياض والحمرة، واليسير من السمرة، أسود الحاجبين والعينين، وشعر محاسنه نصف كأنه شعره، وشعره ومحاسنه أيضا معتدلة بين الطول والقصر.

ولما دخلت عليه ورأيته التفت إلى ورآني؛ فأقبل علي مبتسماً وهش إليَّ جدا؛ فذهلت لهيبته عما كنت قد عزمت عليه من السلام، فسلمت سلاما خاصا فقلت" السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته .وألغيت الجماعة..

 فلم ألتفت ببصري وقلبي إلا إليه .

 فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .

 ولم يكن بين تسليمي عليه وبين سعيي إليه توقف ولا زمان، بل جريت إليه مسرعا، وأهويت بيدي إلي يده، ومد يده الكريمة إلي فأمسكتها بيدي وقلت:

 أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .

وذلك أنه خطر بقلبي أن النحاة منهم من زعم أن الأسماء الأعلام هي أعرف المعارف، ومنهم من يقول إن الأسماء المضمرة هي أعرف المعارف وهو الصحيح؛ لأن الكاف من قولي أنك لا يشارك المخاطب فيه أحد؛ لأنها لا تقع إلا عليه وحده .

فرأيته قد ملئ ابتهاجاً ، ثم جلس في الزاوية التي بين المجلسين، وجلست بين يديه وقال: تأهب للمسير معنا إلى غمدان للغزاة . 
فلما قال ذلك وقع في نفسي أنه يعني المدينة العظمى التي هي كرسي ملك، وأن الإسلام لم يستول عليها بعد . 
 وكنت قد قرأت قبل ذلك أن الطريق الأقرب المسلوك إلى الصين في البحر الأخضر وهو أشد البحار أهوالاً وأعظمها أخطارا . 

فلما سمعت ذلك القول من النبي؛ خفت من ركوب البحر، وقلت في نفسي إن الحكماء لا يركبون البحار؛ فكيف أركب البحر ؟ ثم قلت في نفسي أيضا من غير توقف يا سبحان الله أنا قد آمنت بهذا النبي وبايعته، أفيأمرني بأمر ولا أتابعه؛ فإذا أي مبايعة تكون مبايعتي له؟! وعزمت على السمع والطاعة .

ثم وقع لي خاطر آخر، وقلت إذا كان معنا رسول الله وأصحابه؛ فإن البر والبحر يكونان مسخرين لنا، ولا خوف علينا من سائر الأخطار، وطاب قلبي بذلك وحسن يقيني وقبولي ، وأنا أذكر أن هذه الأفكار والخواطر ظهرت لي وأنا بين يدي النبي في غير زمان، أعنى من غير توقف يستبطئني به عن إجابته؛ فما كان بأسرع من أن قلت له سمعا وطاعة يا رسول الله . 
فقال: على خيرة الله تعالى .

فقمت بين يديه وخرجت، فما وجدت في الدهليز الظلمة التي كانت فيه عند الدخول!!

فلما خرجت من الدار ومشيت قليلا وجدت كأني في سوق مراغة؛ فيما بين الصيارف وبين المدرسة القضوية، وكأني أرى ثلاثة نفرعليهم زي المتصوفة وثياب الزهاد ، ومنهم من على بدنه صدرة صوف خشن أسود، وعلى رأسه مئزر من جنسها، وبيده قوس ملفوفة في لباد خلق، وبيده الأخرى حربة نصابها من سعف النخل، والآخر متقلد سيفا غمده من خوص النخل؛ لأنه كان قد انطبع في خيالي منذ كنت صغيرا حين قرأت أخبار ظهور دولة الإسلام كيف كان أصحاب النبي ضعفاء فقراء، وليس لهم من الآلات إلا شبيها بما ذكرنا، وأنهم كانوا مع ذلك ينصرون على الجيوش الكثيفة، والخيول العديدة ذوى الشوكة القوية. 

فلما رأيت النفر الثلاثة قلت: هؤلاء هم المجاهدون والغزاة، هؤلاء أصحاب النبي، مع هؤلاء أسافر وأغزو. 
وكانت الدمعة تبدر من عيني في النوم؛ لفرط سروري بهم وغبطتي إياهم!! 
 ثم استيقظت والصبح لم يسفر بعد؛ فأسبغت الوضوء وصليت الفجر وأنا شديد الحرص على إشهار كلمة الحق، وإعلان الانتقال إلى دين الإسلام .

وكنت حينئذ بمراغة من آذربيجان في ضيافة الصاحب الأمجد فخر الدين عبد العزيز بن محمود بن سعد بن علي بن حميد المضري رحمة الله عليه . 

وكان قد ابتلى بمرض قد عافاه الله منه، ولي به أنس متقدم.

 فدخلت إليه في أوائل نهار الجمعة المذكور يومئذ، وعرفته أن الله قد رفع الحجاب عني وهداني؛ فما أعظم استبشاره يومئذ بذلك !!

وقال : الله إن هذا الأمر مازلت أتمناه وأترجاه، وطالما قد حاورت قاضي القضاة صدر الدين في ذلك!

 وكنا جميعا نتأسف على علومك وفضائلك أن لا تكون إسلامية ؛ فالحمد لله على ما ألهمك به من صلاح وهداية، وعلى استجابته دعاءنا في ذلك .
فقل لي : كيف فتح الله ذلك عليك وسهله بعد إرتاجه وامتناعه؟ 
فقلت: ذلك أمر أوقعه الله في نفسي بالإلهام والفكر، ودليله العقلي وبرهانه، قد كنت قديما أعرفه ودليله في التوراة إلا أني كنت أراقب أبي وأكره أن أفجعه بنفسي تذمما من الله تعالى، والآن قد زالت عني هذه الشبهة مد يدك؛ فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله .

 

فقام الصاحب لفرط سروره قائما، واهتز فرحا، وكان قبل ذلك لا يقوم إلا بالتكلف، وغاب عني واستجلسني إلى عودته، وأفاض علي من الملابس أجلها، وحملني من المراكب على أنبلها، وأمر خواصه بالسعي إلى الجامع بين يدي .

 

وكان الصاحب قد تقدم إلى الخطيب، وأمره بالتأخير والتوقف إلى وقت حضوري في المسجد؛ لأن الوقت ضاق إلى أن فرغ الخياطون من خياطة الجبة التي أمر الصاحب بتفصيلها؛ فسرت إلى الجامع والجماعة في انتظاري، وارتفع التكبير من جماعة أهل المسجد حين أشرفت عليهم، وارتج المسجد الجامع من صلاتهم على رسول الله، ثم رقى الخطيب المنبر ووعظ الناس، القاضي صدر الدين ملك الوعاظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ، وأطنب في مدحي وإحماد ما أيدني الله به من التيقظ والهداية، وبالغ في ذلك مبالغة تجاوز حد الوصف، وكان أكثر المجلس متعلقا بي، وفي عشية ذلك اليوم، أعني عيد النحر، ابتدأت بتحرير الحجج المفحمة لليهود، وألفتها في كتاب، وسميته" بإفحام اليهود " .

 

واشتهر ذلك الكتاب، وطار خبره وانتسخ مني في عدة بقاع، نسخ كثيرة بالموصل وأعمالها، وديار بكر والعراق، وبلد العجم، ثم أضفت إليه بعد وقت فصولا كثيرة من الاحتجاج على اليهود من التوراة، حتى صار كتابا بديعا لم يعمل في الإسلام مثله في مناظرة اليهود البتة .

 

وأما المنام الأول والمنام الثاني؛ فإني لم أذكرهما للصاحب ولا لغيره من أهل مراغة إلى انقضاء أربع سنين من أوان رؤيتهما ، وكان ذلك لشيئين:


أحدهما :
أني كرهت أن أذكر أمرا لا يقوم عليه البرهان؛ فربما يسرع خاطر من يسمعه إلى تكذيبه؛ لأنه أمر نادر قليلا ما يتفق، إذا كان العاقل يكره أن يعرض كلامه للتكذيب سرا أو علانية .


والثاني :
أني كرهت أن يصل خبر المنامين إلى من يحسدني في البلاد على ما فضلني الله به من العلم والحرمة؛ فيجعل ذلك طريقا إلى التشنيع علي والإزراء على مذهبي؛ فيقول: إن فلانا ترك دينه لمنام رآه، وانخدع لأضغاث أحلام؛ فأخفيت ذلك إلى أن اشتهر كتاب" إفحام اليهود" وكثرت نسخه، وقرأه علي جماعة كثيرة من الناس .

 

فلما تحقق الناس، أعني أن انتقالي من مذهب اليهود إنما كان بدليل وبرهان وحجج قطعية عرفتها، وأني كنت أخفي ذلك ولا أبوح به مدة مراقبة لأبي، وبراً به؛ فحينئذ أظهرت قصة المنامين، وأوضحت أنهما كانا موعظة من الله تعالى وتنبيها على ما يجب تقديمه ولا يحل لي تأخيره بسبب والد أو غيره.

وكتبت كتاباً إلى أبي إلى حلب وأنا يومئذ بحصن كيفا، وأوضحت له في ذلك الكتاب عدة حجج وبراهين مما أعلم أنه لا ينكره، ولا يقدر على إبطاله، وأخبرته أيضا بخبر المنامين ؛ فانحدر إلى الموصل ليلقاني، وفاجأه مرض جاءه بالموصل فهلك فيه .

فليعلم الآن من يقرأ هذه الأوراق أن المنام لم يكن باعثاً على ترك المذهب الأول؛ فإن العاقل لا يجوز أن ينخدع عن أحواله بالمنامات والأحلام من غير برهان ولا دليل، لكنني كنت قد عرفت قبل ذلك بزمان طويل الحجج والبراهين والأدلة على نبوة سيدنا محمد؛ فتلك الحجج والبراهين هي سبب الانتقال والهداية، وأما المنام فإنما كانت فائدته الانتباه والازدجار من التمادي في الغفلة والتربص بإعلان كلمة الحق بعد هذا ارتقابا لموت أبي.

 

 فالحمد لله على الإسلام وكلمة الحق ونور الإيمان ونور الهداية ، وأسأله الإرشاد لما يرضيه، وسلم تسليما كثيرا .

 

  • المرجع : كتاب إفحام اليهود .

  • تأليف : السموأل بن يحيى بن عباس المغربي.

  • تحقيق : د.محمد عبد الله الشرقاوي .

  • مصدر الكتاب .. الموسوعة الشاملة .