المحبة بين المؤمنين


الحمد لله الذي جعل المؤمنين بنعمته إخواناً ، وعلى الخير والتقوى أنصاراً وأعواناً ، بالإسلام تجمعوا وعلى هديه تآلفوا ، يرجونَ من اللهِ المثوبةَ والرَّحْمَةَ ويحاذرونَ المقْتَ والنقمة  ، فلهم البشرى بالذكرِ الجميلِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ .

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ، جعل المتحابين في جلاله من أهل الرحمات وَبَشَّرَهُمْ بأعطرِ البشريات ، ومنحهم جزيلَ المثُوبَةِ وأعْلَى الدَّرَجَات .

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه ، قد جمع الله به القلوب بعد شتاتها ، وألف بدعوته أقواماً كانوا يَلُجُّونَ في غَيَاهِبِ الفُرْقَةِ والأحقاد ، فصاروا من أطيب الخلق وأكرم العباد .

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين .

 

                                                                                                                                                         أما بعد:

 

    فإن المحبة هي رأس مال المجتمع المسلم، وأجمل صوره تلك التي تُنْبِئ عن الوئام والتلاقي بين أفراده المؤمنين، وهي أغلى من لقمة الخبز وجرعة الماء ، إنها طبيعة العلاقةِ المنشودةِ في ظلال هذا الدين الذي يأمرنا بها ويحذرنا من التباغض والتنافر، ويرصد الحوافز من عطاءِ الثَّوَابِ للمتحابين في جلال الله رب العالمين في الدنيا والآخرة ، وفي الحديث القدسي قال الله تبارك وتعالى:{ وجبت محبتي للمتحابين فيَّ وللمتجالسين فيَّ وللمتزاورين فيَّ وللمتباذلين فيَّ } [ أخرجه أحمد (22083)].

 

  إن طبيعة الحب المقسوم بين قلوب المؤمنين ما هو إلا رزقٌ موهوبٌ من الله الوهَّابِ القَائِلِ في كِتابِهِ الكريم : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لأنفال:63)، وقال تعالى :{ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } (آل عمران: من الآية103) .    والإيمان هو رابط القلوب بالمحبة ، قال الله تعالى :{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71) .

 

بَقَاءُ المحَبَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنينَ

 

    إن كل ما يبذله الناس من علامات الحب بينهم زائلة إذا لم تكن مؤسسةً على الحب في الله تعالى ، فقد تنصرم عرى المودة بين الشركاء بمجرد فضِّ الشراكةِ التجارية، وتنتهي العلاقة بين الجيران بالتحولِ إلى مسكنٍ بعيدٍ ولو بُعداً يسيراً ، والزمالةُ في العمل تنقطع أواصرها بانقطاع أحدهم عن دَوَامِهِ ، فالناس في لجَّةِ سَفَرٍ لا تستقر بهم مراكِبُهُمْ في أمر المشاعر على شواطئ السلامة والاطمئنان .

 

 وعلى ذلك فالمحبة بين الناس مقطوعةٌ إلا ما كان منها لله تعالى ؛ فهذا هو الحبُّ الباقي بين قلوب المحبِّينَ ؛ ذلك لأن أسباب هذا الحب لا تزول لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهذا هو المذاق الأثير الذي لا يعرفه إلا أهل الإيمان ، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  : ( ... وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ... ) [ صحيح البخاري 6941 عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ]، ومن المعلوم والمنقول على الألسنة : [ ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل ] ، وقد قعَّد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذه القاعدةَ الأصيلةَ من سنن الله رب العالمين حين قال: ( أتاني جبريل ، فقال : يا محمد ! عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به ، و اعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل ، و عزه استغناؤه عن الناس ) [ أخرجه الطيالسي (1862) والبيهقي في الشعب (10057) من حديث جابر، و حسنه الألباني في صحيح الجامع (73)].

 

 وأسمى العلاقات الإنسانية ما كان منها مجرداً بعيداً عن المصالحِ والمآربِ والرغائبِ، وهو تعبيرٌ صادقٌ عن عمق المودة وبقائها، وعن كونها مثالاً من الوصلِ الجميلِ الذي يعد في الآفاق قدوةً لأهل الإيمان.

 

  والمعضلة التي يصورها الواقع في الإطار السلبي أن كثيراً من الناس قد تعوَّدوا أن يصلوا غيرهم لأسبابٍ قد لا تدوم ، بل وينصرم هذا الوصل مع غياب أسبابه في السفر أو الحضر ، إلا أن الإيمان له في حياة القلب منطقٌ آخر ؛ فقد أسفر الحب عن وجهه الأغر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير القرون، بعد هذه المؤاخاة الإيمانية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً إلا في عالم الخيال ، لقد كان الحب في الله رائد هذه العلاقات التي سَمَتْ في ذُرَاهَا حتى تشابهت في بعض صُوَرِهَا بنعوتِ الملائكِ الأطْهَارِ.

 

حَاجَتُنَا الماسَّةُ إِلى المحبَّةِ

 

    إن المؤمنين في هذا الزمان في أمسِّ الحاجة إلى المحبة أكثر من أي وقتٍ مضى ، ففي ظل هذا الجوِّ الذي جفتْ فيه الكثير من المشاعرُ وتعالتْ فيه الكثير من أصواتِ الشهواتِ والشبهاتِ ، ومع شدة احتكاك النفس البشريَّةِ بعواملِ ضجرٍ وضيقٍ نفسيٍّ قد باشر القلوب بجيوشٍ مسلحةٍ بالهمِّ والاختناق ، ورغم ذلك فأصوات الْمُدَّعِينَ زوراً احتواء المحبة بين قلوبهم قد عجت بهم الآفاق، وضجرت منهم النفوسُ من أصواتٍ زاحفةٍ نابحةٍ إلى الأسماع من القيناتِ ؛ فما أكثر ما نُغَنِّي للحب ويكررُ الكثير من شبابنا وفتياتِنَا كلماتِ هؤلاء الفتَّانين دون أن يمسَّ شغافَ القلوبِ منه رِيٌّ يشفي عطش الأرواح إلى نسماتِ الحبِ الصَّادِقِ .

 في ظل هذا الجو المفعم بالكثير من الكلمات دون المعاني تشتاق الروحُ فيه إلى سلامتها وهُداهَا بتذوق المحبة الرائقة بين القلوب المؤمنة فيتجدد بذلك شبابُهَا وتستقيمَ بهِ حَيَاتُهَا .

 

 ونحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى المحبة بيننا حتى نُطَبِّقَ الصورةَ الجميلةَ التي رسمها لنا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم  في بيانه الواصف لكل المؤمنين حين يقول : (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس ) [ أخرجه الطبراني في الأوسط (5787) و حسنه الألباني في صحيح الجامع (6662)]؛ لأن المجتمع بدون هذا الحب سيتحولُ إلى مجتمع غابةٍ يأكل القوي فيه الضعيف، وتذوب فيه أجمل الأواصر الحافظة لأسباب تماسكه بل أسباب بقائه ، ذلك حينما تعصف أهواء الكراهية بمجامع القلوب فترديها إلى مواطن تهلكتها، كما قال نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم  : ( دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء؛ هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم : أفشوا السلام بينكم ) [ أخرجه أحمد (1412) و (1430) والترمذي (2510) و حسنه الألباني] ، وتخيل طعم العلاقات بين الناس بلا مشاعر طيبة من الإحساس الراقي الصادق بفيض المحبة ، إنه بلا شكٍ سيكون في غاية المرارة ، وهناك من الناس من تنطبق عليهم هذه الصورة السلبية التي لم يرضها لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم  .

 

ونحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى المحبة بيننا كمجتمعٍ مسلمٍ؛ لأننا نطمع في دخول الجنة ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  يقول : ( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا؛ أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ) [صحيح مسلم برقم (203)] ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم  قيل له : يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال :( كل مخموم القلب صدوق اللسان ). قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال : ( هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ، ولا غل ، ولا حسد ) [أخرجه ابن ماجه (4216) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (948)].

 

 ونحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى المحبة لينهض كلٌ منا بالآخر، وليكون سبباً في ترقيته الإيمانية والاجتماعية ، فإن الرُّقيَّ والتحضرَ لن يدركنا قطاره ونحن متباغضون ، والحب أعظم شعارات المؤمنين .

 

ومن أصدق الصور الناطقة بالمحبة بين الناس تلك التي ترى فيها تنفيذ هذا المبدأ الإسلامي الرائع والذي يفيض عدلاً وحُسْنَ تعاملٍ ، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [ صحيح البخاري 13 ،عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ] .

فإذا أحب الإنسان لأخيه مثل ما يحب لنفسه فقد أنصفَ في مشاعره، وابتعد عن الأنانية والأَثَرَةِ التي تكتوى بها جنوبُ أهلها .

 

 ومن هذه الصور أيضاً: التعاطفُ والتساندُ والائتلاف بين أهل الإيمانِ، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم  : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) [ صحيح مسلم (2586)] ، فلا تكاد ترى إلا مجتمعاً حانياً على بعضه من فرط المحبة وقت الأزمات والغِيَرِ والمُلِمَّاتِ؛ فيأْرِزُ بعضهم إلى بعضٍ في صورٍ أخَّاذَةٍ تَسْتَدِر المدامعَ من  المساندة، والبذل، والإيثار، والعطاء، وسد الفاقات، ودفع الأخطار؛ كأنهم من شدة الحب بينهم جسد واحد.

 

 وقد أشرق وجه التاريخِ العام للبشرية بعدما منحَهُ الأنصارُ – رضي الله عنهم - أجْلى الصورِ؛ ليُحَدِّثَ فيها عن أطْهَرِ ثُلَّةٍ عرفها العالم في هذا الجانب الذي يفيض حباً ؛ فقد تنازل الأنصار طائعين عن بعض ما يمتلكون من ضِياعٍ وعقارٍ وأنعامٍ ، وهذه دلالة الحب الصادق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم  وللمؤمنين .

 

تدريبُ القُلُوبِ عَلَى المَحَبَّةِ

 

    ومن المعلوم أن كل شيء في هذه الحياة يحتاج إلى دُرْبةٍ خَاصَّةٍ ومتابعةٍ حتى ينتج ثماراً مباركةً ونافعةً ، ومع أن هناك من الحب نوع فطري لا يباع ولا يشترى ولا يوهب، وهو مركوزٌ في القلب بأمر من سوَّاه ؛ ومع ذلك ففي استطاعة الإنسان أن ينمي المعنى الصغير أو الدقيق من المحبة، أو يستجلب صيداً جديداً من هذا الحب بأشياء بسيطةٍ، والتي منها على الاختيار والاختصار :

 

  - الإخبار ، فقد ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  : ( إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله عز وجل ) [أخرجه أحمد (21332) و(21553) و صححه الألباني في صحيح الجامع (281)] ، وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم  ذلك مع صحابته فهو الذي كان يقول لسيدنا معاذ : ( يا معاذ, والله إني لأحبك . فقال : أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) [ أخرجه أحمد (22172) و أبو داود (1524) و النسائي في الكبرى (9937) و غيرهم عن معاذ بن جبل بإسناد صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع (7969)] .

 

- ومنها إفشاء السلام ، وقد ورد فيما سبق قوله صلى الله عليه وسلم  : ( أفشوا السلام بينكم ) .

 

 - ومنها الهدية ، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم  : ( تهادوا تحابوا ) [ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (594) و أبو يعلى في مسنده (6148) و البيهقي في سننه (1709) من طريق موسى بن وردان عن أبي هريرة. حسنه ابن حجر في بلوغ المرام (277) و الألباني في صحيح الجامع (3004)] .

 

 - ومنها الزهد والترفع عما في أيدي الناس ؛ فإن الناس بفطرتهم لا يستريحون لمن يتطلع إلى ما في أيديهم، ولا يميلون بالحب إلا لمن تنقطع آماله عن ما يمتلكونه ، وقد جاء رجل إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  فقال له : يا رسول الله! دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك ) [ أخرجه ابن ماجه (4102) وصححه الألباني في صحيح الجامع (992)].

 

-  وحتى بعد الشقاق، لا يجوز للإنسان أن يستمرئ معاني البغضاء حتى تكون جزءًا من تكوينه الذي يتعامل به   بين الناس ، فقد قال الله تعالى : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }  (الممتحنة:7) .

 

- ومنها عدم الإصغاء إلى الذين يفسدون علاقات الناس بنقل الكلام بينهم؛ لأن هذه الفتنة تطيح بأصول المحبة في القلوب ، وقد كره النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  مجرد الاستماع إلى ناقلي الكلام الشانئ بين الناس فضلاً عن الاقتناع به ، فقد قال صلى الله عليه وسلم  : ( لا يبلغني أحدٌ شيئاً عن أصحابي ؛ فأنا أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر )  [ الترمذي  في سننه  3869 عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه ضعفه الألباني وابن عثيمين وحسنه أحمد شاكر] .

 

الحبُّ السَّلْبِي

 

 وحينما تستبد العاطفة بالناس تراهم يبتعدون عن مواطن الصواب في المحبة، ويجنحون إلى الحب السلبي، الذي يضر أكثر مما ينفع، مع أنه على الحقيقة لن يدوم ، ومن صور الحب السلبي :

 

   - التماس العذر للمحبوب في جميع الأحوال؛ كأنه معصومٌ أبد الدهر لا يخطئ على الإطلاق ، وبهذه الطريقة تجد المحب مدافعا أبداً عمن يحب ، ويدير الحوار عنه وعن شمائله وطيب أصله وكريم مَحْتِدِه ؛ لأنه وقع في الخلة التي تجعله لا يميز بين الصواب والخطأ أحياناً من فرط المحبة ، وهذا لونٌ من الأسر الذي وقع فيه المحبون لبعضهم ، وقد رفضه النبي صلى الله عليه وسلم  حين قال : ( لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ولكنه أخي وصاحبي . وقد اتخذ الله ، عز وجل ، صاحبكم خليلاً ) [ صحيح مسلم 2383 ]، وذلك لأن الخليل لا يرى لخليله عيباً، كما قال القائل :

 

وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ                  ولكن عين السخط تبدي المساويا

 

وأما بين الله وبين عباده فهو أعلم بمن خلق؛ ولذلك اتخذ منهم أخلاء كإبراهيم عليه السلام ، قال الله تعالى : {  وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا } (النساء: من الآية125) ؛ لأن هذه الخلة ليس من ورائها إلا كل خير ،  بل هي مناط التكريم كله ، أما الخلة بين الناس فبعض نتائجها قد تكون مُرَّةً؛ كما قال الله تعالى : { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }  (الزخرف:67) ، ومن الطبيعي أن يتأثر الخليل بخليله؛ كما قال النبي العظيم صلى الله عليه وسلم  : ( المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل ) [ أخرجه أحمد (8015) و(8398) و أبو داود (4835) و الترمذي (2378) و قال: حسن غريب. و الحاكم في مستدركه (7320) و قال: صحيح إن شاء الله تعالى و لم يخرجاه. و وافقه الذهبي، و حسنه الألباني في صحيح الجامع (3545)] .

 

 -  ومن صور الحب السلبي: فقد التربية للصغار باسم المحبة ؛ فترى كثيراً من الآباء والأمهات قد أهملوا أولادهم في طور التربية الأول، ودللوهم غاية التدليل المفضي إلى الخواء الروحي، وفقد منظومة القيم والأخلاق، والخلو من أي موهبةٍ حقيقيةٍ بسبب هذا الحب.

وهذه بلوى ابتلي بها بعض الآباء والأمهات ؛ فوقع الأولاد في بلايا المعاصي والمخدرات وغير ذلك ، والمفروض أن يستشعر الوالد والوالدة حجم المسئولية الكبرى الملقاة على العاتق، ومن ثم يحاول أن يقوم بحمله فيها ، وقد يُضطر – أحياناً – لإظهار بعض القسوة التي يظنها البعض من أسباب الأذى ولكنها على الحقيقة من أسباب العافية ؛ فالطبيب الذي يبضع جسم المريض، ويكسر له بعض العظام؛ ما دفعه إلى ذلك إلا مصلحة المريض والحرص عليه ؛ وكذلك الوالد أو الوالدة عليهما إظهار بعض القسوة، والأخذ بمبدأ الثواب والعقاب في التربية؛ على حد قول من قال :

 

فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً                      فليقس أحياناً على من يرحمُ

 

 -  ومن الحب السلبي: ذياك الحب الذي يدفع إلى المعاصي بين المدَّعِين هذا المعنى بينهم؛ فلا تراهم مجتمعين متآلفين إلا على مجلسِ خمرٍ، أو زنا، أو شهادة زورٍ، أو التخطيط الماكرِ لخرابِ البيوتِ ، بينما لا يجمعهم في الخير رائدٌ من تقوى أو عمل صالحٍ ؛ فهؤلاء أعدى الناس لبعضهم يوم القيامة وتأمل قول الله عز وجل : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) (فصلت:29) ، ولعل هذا البيان هو المنطقُ الموعودُ لأهل المعاصي من مدعي المحبة في كل زمانٍ ومكانٍ .

 

وأخيراً:

 

 إن القلوب المليئة بالحبِّ لهي قلوبٌ قد احتوت الطهر من منابعه ، وإن القلوب التي تحن إلى البغضاء والكراهية لهي قلوبُ ذئابٍ لا يتأتى من صوْبِهَا إلا الخراب ، والمؤمنُ متآلفٌ مع الكوْنِ كلِّهِ متفاعلٌ بمشاعره مع كل حبة رملٍ أو قطرة مطرٍ ، يرى فيها مشاعر من الوصل الطهور معها؛ لأنها تسبح بحمد رب الأكوان ، و هكذا كان صلى الله عليه وسلم  ،انظر إليه وهو يتحدث عن جبلٍ مكونٍ من صخرٍ قد نظنه ميت الإحساس، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول عن جبل أحد : ( إنًَّ أُحُد جبلٌ يحبنا ونحبه ) [ صحيح مسلم 1393 ] .

ونسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا حباً ورحمةً لكل المؤمنين .

 والحمد لله في بدءٍ وفي ختــمٍ .