الرضا


   الحديث عن الرضا حديث يبعث على الفرح والسرور , حديث يبدد الهموم والغموم , حديث يبعث في النفس سكينتها , من فقده فإنه لا يذوق للحياة طعماً , حياته سواد ممتد وظلام متصل , وليل حالك لا يعقبه نهار . 
 
أن تعيش في هذه الحياة حلوها ومرها . راضياً عن الله وراضياً عن نفسك , راضياً بما قسم الله لك من أرزاق , راضياً بما قدر الله عليك من أقدار . تقدم رضا الله على رضا كل من سواه . 
 
دعونا نسائل أنفسنا : هل امتلأت قلوبنا رضا بالله ؟ ما موقع الرضا من حياتنا و واقعنا  ؟؟ 
 
   إن الرضا منةٌ من الله يمنُّ بها على من يشاء من عباده . إنها نعمة لا تنال بمال ولا جاه ولا عتاد . ولكن طريقها هو الإيمان بالله والعمل الصالح وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً , كلما كان أكثر رضا بالله واطمئناناً . وفي ذلك يقول تعالى . (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طـه:130) . فلا طريق إلى الرضا إلا بالتسبيح والعبادة لله سبحانه . 
 
ومما يبين لنا منزلة الرضا . أن الله تبارك وتعالى امتن على نبيه و وعده أن يعطيه حتى يبلغ منزلة الرضا . قال تعالى . (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (الضحى:5) . 
وكم نوه سبحانه وتعالى عن رضا عباده به في آيات كثيرة كما في قوله تعالى . (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(البينة: من الآية8). 
 
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد لنا طعم الإيمان :" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً , وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولاً ".رواه مسلم . 
 
قال بعض السلف : من وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات .
وقال بعضهم : إن أنت رضيت مهما أعطيت خف الحساب عليك فيما أوتيت . 
وقال ابن مسعود رضي الله عنه :" إن الله تبارك وتعالى بقسطه وحلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا . وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ". 
 
إن الذي يفقد الرضا إنسان دائم الحزن , دائم الكآبة , ضيق الصدر , ضيق الحياة , ضيق بالناس , ضيق بنفسه , ولهذا فهو في مأتم مستمر يبكي دائماً حظه , وينعى نفسه , و ينوح على دنياه .
 
إن شعور الإنسان بالرضا من أول أسباب السكينة النفسية التي هي سر السعادة . وفي الحديث :" من سعادة المرء استخارته ربه , ورضاه بما قضى , ومن شقاء المرء تركه الاستخارة , وعدم رضاه بعد القضاء "[ضعفه الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة برقم (1906)]. 
 

إن المؤمن وحده يعيش سعادة عامرة ؛ لأنه راض عن نفسه عن وجوده ومكانه في الكون لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة , ولا شيئاً تافهاً . بل هو نفخة من روح الله وهو كذلك راض عن الله . لأنه آمن به وأيقن بعدله ورحمته . واطمأن إلى علمه وحكمته ؛ إذ هو تعالى أحاط بكل شيء علماً . وأحصى كل شيء عدداً , ووسع كل شيء رحمة . لم يخلق شيئاً لهوا . ولم يترك شيئا سدى . نعمه عليه لا تعد . وفضله عليه لا يحد . فما به من نعمة فمن الله . وما أصابه من سيئة فمن نفسه . 

 
إن المؤمن وحده . موقن تمام اليقين . أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه . ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه به . فالخير بيديه , والشر ليس إليه .
 

إن مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم . ويحرمهم لذة الرضا أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من نعم غامرة , ربما فقد قيمتها بإلفها , أو بسهولة الحصول عليها . وهم يقولون دائماً : ينقصنا كذا . ونريد كذا و كذا . 

ولكن المؤمن يستشعر نعمة الله عليه في كل شيء حوله . يستشعر نعمة الله عليه منذ أن كان في بطن أمه جنينا . فجعل له قراراً مكيناً وهيأ له فيه أسباب الغذاء والدفء والتنفس . قال تعالى . (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ *فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ) . 
وصدق الله إذ يقول . (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا )(إبراهيم: من الآية34).
 
ألا وإن من أجل النعم وأزكاها . نعمة الإيمان , نعمة الهداية ، (... وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ، فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحجرات:7-8) .
 

والمؤمن كما يغمره الشعور بنعمة الله عليه في كل حين لا يفقد هذا الشعور وإن أصابته البأساء والضراء . فإنه كذلك راضٍ بما حكم الله ورسوله . راضٍ بشريعة الله وما جاء فيها من أوامر ونواهي . ديدنه أن يقول : " سمعنا وأطعنا " يستجيب لأمر الله ، وإن خالف الحق هواه ، يستجيب لأمر الله وإن غضب من غضب ، ورضي من رضي .

 

فإذا ما علم أن الربا حرام فرّ منه فراره من الأسد . وإذا نظر إلى الفتن التي تأتي بها الفضائيات كان على أشد الحذر منها وحمى منها بيته وأسرته ، وقل مثله في الإنتر نت. فحكم الله فوق كل شيء ، { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65) ، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )(الأحزاب: من الآية36) .هذا هو المؤمن حقاً ، الذي رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً .

فهل تحقق فينا هذا الرضا ؟ !!! .
 
والمؤمن كذلك راضٍ بما قدر الله عليه ، من خير وشر . إيماناً بأن الله تعالى لا يفعل شيئاً عبثاً وأنه سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها . 
 
إنه يعلم يقيناً أن ما أصابه من مصيبة فبإذن الله . وأنه ما يقضي الله بعبده قضاءً إلا كان خيراً له , وأن من صفاته عز وجل . أنه يقدر ويلطف , ويبتلي ويخفف . ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره , فذلك لقصور نظره . (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)(يوسف: من الآية100) . وعرف من لطف الله . أن هذه الشدائد دروس قيمة لأصحابها . وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم . تنضج نفوسهم وتصقل إيمانهم . (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية216)؛ ولذا كان السلف الصالح رحمة الله عليهم تنزل بهم المصيبة . وتفاجئهم الفاجعة فلا يزيدهم ذلك إلا ثباتاً واطمئناناً . ورضىاً بالله واستسلاما.
 
والمؤمن كذلك .. 
 
راض بما قسم الله له من رزق : وما قدر له من مواهب فهو يعلم عدل الله فيما قسم . وحكمته فيما قضى . فيعيش راضياً مطمئناً . قال الحسن رحمه الله :" من رضي بما قسم الله له وسعه وبارك الله له فيه , ومن لم يرض لم يسعه ولم يبارك له ". 
 
 
إن الرضا بما قسم الله يورث عند الإنسان القناعة فلا يعيش متمنياً مالا يتيسر له . ولا متطلعاً إلى ما وهب لغيره ولم يوهب له . وقديماً قالوا : القناعة كنز لا يفنى . وقال أحد السلف : من قنع بما هو فيه قرت عينه .
 

 

بيد أن كثيراً من الناس : ظلموا كلمة القناعة فحسبوها الرضا بالدون . والحياة الهون . وضعف الهمة عند طلب معالي الأمور وإماتة رغبة الطموح إلى المعالي . وهذا كله خطأ واضح وفهم بليد . بل إن القناعة مصدر قوة لأصحابها .

 

إن صاحب القناعة إذا تمكنت من نفسه . نظر إلى هذه الدنيا بزينتها وزخارفها نظرة محتقر لها . إنه يخوض المعارك . صلب العود , ثابت القدم , لأنه يعلم من نفسه أن القليل من الطعام يكفيه , فلم يعد يبالي أو يخاف .

 

 
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً .        .وإذا مت لست أعـدم  قبـراً
همتي همة الملوك ونفسـي  .        .نفس حر ترى الشهادة   مغنم
وإذا ما قنعت بالقوت عمري .        .فلماذا أخاف زيداً وعمـرا  .

 

 
وقبل أن نختم حديثنا عن الرضا نؤكد : أن رضا الإنسان عن الله . ورضاه بأقدار الله . لا يعني أبداً الرضا بكل ما يقع في المجتمعات من فساد وانحراف . 
 
إن رضا الإنسان عن السيارات وركوبها . ليس معناه الرضا عما تسببه من حوادث . 
 
فالمؤمن كذلك راض عن نظام الكون . ساخط على انحراف الإنسان . وهذا السخط على الشذوذ والانحراف البشري سخط يرضاه الله بل ويأمر به . ويتوعد المهونين والساكتين عنه بالعذاب الشديد . 
 
إن الإنسان في الحياة يعيش بين هموم كثيرة . وهو في حيرة دائمة . فإذا قدم رضا الله انقشعت عنه تلك الهموم والغموم . فلديه غاية واحدة أن يرضي الله أولا . رضي من رضي وسخط من سخط . ذلك أن رضا الناس غاية لا تدرك . 
 

 

 إذا رضيت عني كرام عشيرتي         فلا زال غضبانا علي لئامهـا

 

 
لكن المؤمن الرضي الذي يسعى لرضوان الله . يأنس برضا الناس ولا يتأثر إن سخطوا ؛ لأن غايته رضا الله . شعاره كما قال الشاعر :

 

فليتك تحلـو والحيـاة  مريـرة        وليتك ترضى والأنام  غضـاب
وليت الذي بيني وبينك   عامـر        وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل   هين       وكل الذي فوق التراب  تـراب

 

 
وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة لا تتغير ولا تتبدل إذ يقول :" من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس , ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس "[صحيح ابن حبان (1/ 510 رقم: 276) بإسناد حسن].  
 
فعلينا أن نتحلى بهذا الخلق العظيم , وأن نكون راضين عن الله , راضين بحكم الله , راضين بما قسم الله . راضين بما قدر الله , نسعى إلى رضوان الله .
 

ولنعلم أن طريق الرضا الإيمان والعمل الصالح . (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طـه:130)