تكريم المرأة في الإسلام


   لا أزعم أني سآتي على كل جوانب تكريم الإسلام للمرأة ولكن حسبي من القلادة ما أحاط بالعنق ؛ ولكي تتضح الصورة وتظهر المعالم وتتبين الحقائق نلقي الضوء على جوانب من حياة المرأة في الجاهلية العربية .

فقبل البعثة المحمدية على صاحبها أزكى صلاة وتسليم كانت تعيش حياة تعيسة ؛ تصورها مقولة عمر رضي الله عنه حين قال: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه فهو أحق بامرأته إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها أو تموت فيذهب بمالها . أ.ه ..

ولا يحق لها أن ترث ، وكانت تمسك ضراراً للاعتداء ، وتلاقي من بعلها نشوزاً و إعراضاً وتترك أحياناً كالمعلقة .

وكان أحدهم إذا أراد نجابة الولد حمل امرأته بعد طهرها إلى الرجل النجيب كالشاعر والفارس يتركها عنده فتستبضع منه حتى يستبين حملها منه ثم يعود بها إلى بيته!!
وكان من احتقار العرب لها وجود أنواع من الزواج الفاسد كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها , ومما كان شائعاً عندهم النكاح البدل والمتعة ، والمراد بالبدل أن يتنازل كل من الرجلين للآخر عن زوجته .

وأما حدادها على زوجها بعد وفاته فسنة كاملة !!

 إذ تلبس شر ثيابها وتسكن في بيت مهجور مظلم بعيداً عن الناس يُسمى الحفش مع تركها للطهارة فلا تقلم أظفاراً ولا تمس ماء ولا تزيل شعراً ، وتنعزل عن الناس فإذا ما انتهى العام خرجت وهي في أقبح صورة ومظهر وأنتن رائحة ثم يؤتى لها بدابة لتفتض بها أي تدلك جسدها فقلما تعيش الدابة بعد ذلك ثم ترمي ببعرة تعظيماً لحق الزوج .

وكانت توأد وهي حية !!
سواءٌ عند ولادتها أو بعد بلوغها ، وكانت مضر وخزاعة يدفنونهن أحياء وأشدهم في ذلك تميم ، وكان بعضهم يفرقها وبعضهم يذبحها .

وكان بعضهم والعياذ بالله إذا قرب نفاس زوجته حفر حفرة لتمخض على شفا بئر فإذا ولدت بنتاً رمت بها وإن ولدت ابناً حبسته {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.

ولذا قال شاعرهم :

لكل أبي بنت يراعي شؤنهـا        ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر
فبعل يراعيها وخـدر يكنهـا        وقبر يواريها وخيرهم القبر .
 

ثم جاء الإسلام ليكرم الإنسان وخاصة المرأة ؛ فقد أسفر لها في دوحته نور ولاح ضياء, ونعمت في بحبوحته بحقوق كانت مهدورة و بمكارم كانت مهملة ذلك ما أجمله الله وضم أطرافه وجمع حواشيه في قوله الكريم : {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } ، درجة الرعاية والحياطة لا يتجاوزها إلى قهر النفس و جحود الحق .

فمن أين أبدأ وأين المنتهى ؟


ولكن دونك قطوف يسيرة من ذلك الإعزاز والتكريم !! ما هو إلا غيض من فيض وقطرة من بحر :

المساواة العادلة :

والمقصود بها هنا المساواة بين المرأة وبين الرجل في أصل الإنسانية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. وقال سبحانه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً }.

المساواة في أغلب التكاليف الشرعية ..
في قضايا الإيمان والشريعة ، والفروض والواجبات , قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.

والمساواة في الأجر على الأعمال الصالحة ..
{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقال سبحانه: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}.


وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً عظم أجر المؤمنة إن هي قامت بحق زوجها :" إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحصنت فرجها ، وأطاعت بعلها ؛ دخلت من أي أبواب الجنة شاءت" . قال الألباني حسن لغيره.

إن أبواب و سبل دخول المرأة المؤمنة الجنة لهي أيسر وأقرب بكثير من الرجل .

وكذلك المساواة في إقامة الحدود عليها كما على الرجل: حال السرقة و الزنى و القذف و شرب الخمر ونحو ذلك ، قال عليه الصلاة والسلام: " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " .

المساواة في الموالاة والتناصر ..
قال سبحانه وتعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة}.

 

  • ومن مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة:


 عتق الجارية منهن إذا هي لطمت كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما كانت له جارية ترعى غنماً له فأكل الذئب منها واحدة فأسف – أي غضب – فلطمها ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فدعاها فسألها:" أين الله ؟" قالت في السماء .قال :" من أنا ؟" قالت :أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"أعتقها فإنها مؤمنة ". صححه الألباني.

ومن مظاهر الرحمة تحريم قتلهن في الحروب كما الأطفال و الشيوخ إلا أن يثبت قتلها ..

ومن الرحمة مؤاكلتها ومعاشرتها حال حيضها و نفاسها ،لا كما عليه الشأن عند أقوام في الجاهلية وعند اليهود وغيرهم .
قالت عائشة رضي الله عنها : كنت أشرب من الإناء وأنا حائض ، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيًّ !! .
وكان يتكئ في حجرها وهي حائض رضي الله عنها و يقرأ القرآن .

ومن مظاهر الرحمة:
الحقوق التي منحها إياها ..من قبل و الديها حال صغرها ، و قبل زواجها .. فهي في كنف أبيها فإن لم يكن فعم أو خال أو جد وهكذا.

وأيضا من مظاهر رحمتها :

حقوقها عند زوجها ، فلقد قال صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها :
قوله صلى الله عليه وسلم:" استوصوا بالنساء خيراً " رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:" اللهم إني أُحرج حق الضعيفين : اليتيم ، و المرأة " رواه ابن ماجه وحسنه الألباني .
وقال صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن حق المرأة على الزوج ؟ قال : "أن يطعمها إذا طعم ، و يكسوها إذا اكتسى ، ولا يضرب الوجه ، ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ". رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم:" خياركم خياركم لنسائهم " رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم :" لقد طاف بآل محمد نساء كثير كلهن تشكو زوجها من الضرب !! وايم الله لا تجدون أولئك خياركم " صحيح الجامع.
وقال صلى الله عليه وسلم:" من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة و شقه مائل ".رواه أبو داود وصححه الألباني .

 

  • أما حقوقها المالية :...


فلها حق التصرف في مالها ؛ فهي مثل الرجل في الأهلية في التملك و التصرف ، ولها مباشرة عقود البيع و الشراء و الرهن و الإجازة و الوقف ...الخ
وكذلك لها الحق في الميراث بما قسم الله. { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } ..وقال تعالى :{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ }.

ذلك لأن الرجل مطلوب منه النفقة و تحمل الأعباء و القيام بالتكاليف وهذا سر قوامته .

ولها حق في نصف مهرها إذا طلقت بعد العقد وقبل الدخول ، ولها حق المهر كاملاً حال الزواج . {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً}.

أما حقها في الجهاد والهجرة والإجارة ..

فلقد هاجرت الصحابيات كما هاجر الصحابة رضي الله عنهم جميعاً . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا }.

أما الجهاد :
فلهن صور يعز على بعض من الرجال الإتيان ببعضها ؛ فها هي أم عطية الأنصارية رضي الله عنها غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات تخلفهم في رحالهم و تصنع طعامهم و تداوي جرحاهم .

وكذا أم سليم بنت ملحان كانت حاملاً يوم حنين ومعها خنجر بيدها ؛ فيقول لها النبي صلى الله عليه وسلم :"أم سليم ؟ "وتجيب : بنعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله اقتل الذين ينهزمون عنك !! فإنهم لذلك أهل .
ويسألها زوجها أبو طلحة عن الخنجر الذي معها فتقول : اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه .

وقل مثل ذلك في حق صفية بنت عبد المطلب يوم الأحزاب و أم عمارة و كعيبة الأسلمية و خولة بنت الأزور !!

ولقد أجارت نسوة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقبل إجارتها و أمانها .

ومن تكريم الإسلام للمرأة :

أن أنزل سورة في القرآن باسمها ، و جعل الجنة تحت قدميها إن كانت أماً ، و أوصى بها إحساناً ثلاثاً ، و الأب مرة واحدة ، وبين أن موتها في نفاسها شهادة ، ولها الحق في طرح الرأي و المشورة ، فقد استشار الحبيب صلى الله عليه وسلم خديجة فأشارت عليه :" والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق".

وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة أم سلمة في صلح الحديبية ؛ فكان رأيها البركة والنور .

ولها الحق في اختيار شريك حياتها دون إكراه .

ولقد أوجد الإسلام تدابير شرعية لصيانتها فمن ذلك :
1- قرارها في بيتها هو الأصل.
2- لها أن تخرج للصلاة بالشروط المعتبرة.
3- الحجاب الشرعي .
4- تحريم سفرها بلا محرم.
5- حرمة اختلاطها بالرجال.
6- لا تنكح إلا بولي .
7- منعها من الخضوع بالقول والتبرج .
8- منعها من زيارة القبور .
9- سقوط الجمعة والجماعة عنها .
10- تحريم مصافحتها من غير المحارم .

وغير ذلك مما هو حفظ وصون لعفتها وطهرها وكرامتها .

والأم كما قيل مدرسة إذا أعددتها... أعددت شعباً طيب الأعراق .

فلا تكاد تقف على عظيم وذي شأن إلا وغالباً ما تجد وراءه امرأة :
فالزبير ابن العوام قامت به أمه صفية بنت عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب تنقل بين صدرين من أملأ صدور العالمين ، فكان يغدو على أمه فاطمة بنت أسد ومراحه على خديجة بنت خويلد ، ومعاوية رضي الله عنه تخرج من مدرسة أمه هند بنت عتبة ، قيل لها ومعاوية وليد : إن عاش معاوية ساد قومه . فقالت :ثكلته إن لم يسد قومه .
ومن وراء سفيان الثوري الذي قالت له أمه : يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي !!
وكذا أبو عمرو الأوزاعي و ربيعة الرأي ..

هذا قدر ومكان ومنزلة المرأة في ديننا وشرع خالقها ، فأي ظلم إذن وقع عليها ليرفعه دعاة التحرير ؟!

ألقى أحدهم مرة محاضرة في أحد دول الغرب عن الإسلام وتكريم المرأة في رحابه ، فلما انتهى قامت امرأة من الحضور وقالت : إن كان شأن المرأة عندكم هكذا فخذني معك ستة أشهر لأنعم بهذه الحقوق ، ثم اقتلني بعد ذلك !!


إضاءة :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عال ابنتين ، أو ثلاث بنات ، أو أختين ، أو ثلاث أخوات ، حتى يمتن " و في رواية : " يبن " ، وفي أخرى : " يبلغن " أو يموت عنهن ، كنت أنا وهو كهاتين " وأشار بإصبعيه السبابة و الوسطى. قال الألباني : صحيح على شرط الشيخين.