عظمة الله تعالى


عظمة الخالق سبحانه لا يقدُرُها قدر ، ولا يأتي عليها حد ، إذا اضطربَ البحر ، وهاج الموج ، وهبت الرياح والعواصف ، نادى أصحاب السفينة يا رحمن ..

إذا ضل الحادي في الصحراء ، وحارت القافلة في السير ، نادى الركب يا ودود يا رحيم ..

 إذا وقع المصاب وحلت الكارثة ، وجثمت اللأواء نادى المكروب يا حليم يا حميد ..

 إذا أُوصدت الأبواب ، وأُسدلت الستور ، وانغلقت الدروب ، فزع الملهوف يا عفو يا معين ..

إذا ادلهم الخطب ، وعم الجدب لجأ المحاويج في دعائهم يا ربنا المستعان ..

 إذا جاعت البطون ، وأخطأت الظنون ، وحلت المنون كان التضرع يا غني يا كريم ..

 

فما هو بعد ذلك عز جاهه .. إلاّ وخزائنه تفيض ، وخيراته تعم وأفضاله تتنزل ، لا يُعجزه بذل ، ولا يتعاظمه عطاء .

 

أخي في الله ..

 

هو الله .. الذي لو البشرية منذ أن كُتِب لها تاريخ وإلى أن تهمد لهم على وجه الأرض حركة ، نسوا الله وكفروا به ما خدش ذلك شيئاً من جلاله ، ولا أنقص ذرة من سلطانه ، ولا طامن نزراً من كبريائه فهو سبحانه أغنى بحوله وطوله ، وأعظم بذاته وصفاته ، وأوسع في ملكوته وجبروته من أن يناله وهم واهم ، أو سفاهة جاهل .

 

تأمل يا رعاك الله ..

 

من رَفعَ بغير عمدٍ السماء ؟! ، ونصب الجبال في البيداء ؟! ، وأجرى في الجداول الماء ؟! ، وحمل الطير في الهواء ؟! ، وشق بعد الظلمة الضياء ؟! ، أإله مع الله قليلا ما تذكرون ؟!

 كم زهرة فيحاء ، ونبتة خضراء ، وحديقة غناء ، من أنبت شجرها ، وشكل مطاعمها ، وأزهى بالحسن ألوانها ، أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون .

 

ترى الكواكب السيارة فتذهلك كثرتها ، وتعجب من بديع صنعها ، قد لزم كل منها مساره فلا يتجاوزه ، بل ولا يحيد عنه ، ومع ذلك فلا تصادم بينها ولا ارتطام ، معلقة في أجواء السماء ، إن أَمْسكها من أحد سواه ، تعاظمت قدرته ، وجل ثناؤه .

( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، وفي المقابل ترى راكبي الحافلات والقاطرات ، والطائرات والسيارات ، وهم أقوام مبصرة ، لهم عيون ناظرة ، يصطدمون وتقع لهم الحوادث فيموتون..

 يفصل الآيات ، يقيم الحجج ، يدمغ بالبراهين ، ليعلم الخلق أن لا إله إلاّ الله ، إليه عاقبة الأمر ، لقاؤه فصل ، وحكمه عدل عطاؤه جزل ..

 لو كانت الأشجار أقلاما والبحار مداداً ، والسماوات ألواحاً ، والخلائق يكتبون ثناءً ، لكانوا فيما يستحقه مقصرين ، وفيما يُحبُ له منقطعين ، وبالعجز عن القيام بشكره معترفين ..

 

أخي الخاشع القانع ..

 

مد بصرك وجلْ بطرفك في نفس بين جنبيك وأعضاء بين دفتيك .. كم بديع صنع الله فيها ، وحكمة الله من ورائها ؟!

هل تعلم أخي أن في رأس الإنسان ما يقرب من ثلاثمائة ألف شعرة ، ولكل شعرة بصلة ووريد وشريان وعضلة وعصب وغدّة صبغية ، آية من آيات الله المعجزة .

 

أما شبكة العين فمكونة من عشرة طبقات في آخرها مائة وأربعون مليون مستقبل ضوئي ما بين مخروط وعصَيَّة ، أما الأذن ففيها ثلاثون ألف خلية سمعية ، وأما اللسان فعلى سطحه تسعة آلاف نتوء ذوقي ، لمعرفة حلو الطعام وحامضه ومره ومالحه ، أما المضخة العجيبة والتي تعمل دون كلل ولا ملل فتضخ يومياً ثمانية أمتار مكعبة من الدم وفي عمر الإنسان المتوسط تضخ ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم ، ذلكم القلب وهاتيكم هي العظمة .

 

من الخالق العظيم ؟! من اللطيف الخبير ؟! .

 

هل تصدق أخي أن في الدماغ ما يقرب من أربعة عشر مليار خلية قشرية ، ومائة مليار خلية استنادية ، وفي الكبد يوجد ثلاثمائة مليار خلية يمكن أن تتجدد كلياً كل أربعة أشهر ، وعلى سطح الجلد يوجد حوالي ستة عشر مليون مكيف لحرارة البدن ، وفي الكليتين مليونا وحدة تصفية طولها مجتمعة مائة كيلو متر يمر فيها ألف وثمانمائة لتر كل أربع وعشرين ساعة .

فمن أتقن هذا وأبدعه ، وأحكم خلقته وركبه ، إنه الله ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) .

 

أمّا ما قد لا تصدقه أخي المؤمن بربه ..

 

فهو أن تثبت لك الدراسات في علم النبات أن شأنه كشأن الإنسان والحيوان يحس ويشعر وينام ويصحو وتقربه الأمراض وترتفع درجة حرارته وأن له لغة خاصة يعبر بها عن احتياجاته إلى الغذاء والماء !! وعن إحساسه بالخوف والذعر من المعتدين ، ثبت أن النبات ينام مدة تتراوح ما بين ساعتين إلى خمس ساعات !!

والأعجب أن بعض الأزهار تقوم بالتهام الحشرات التي تلمسها إذ تطوي عليها أوراقها ثم تفرز عليها سائلاً يذيبها فيساعدها على امتصاص الحشرة وهضمها .

 

هذا خلق الله سبحانه جل في علاه .

 

إنك تدخل بستاناً مثمراً فترى قطعة من أرضه الزراعية ، ماؤها واحد وشمسها وهواؤها واحد وسماؤها وحرثها واحد ، ومع ذلك تنبت من كل زوج بهيج مختلف لونه وطعمه ..شجرته وزهره ..ارتفاعه وقصره.. كبره وصغره..(ٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) .

 

أخي المعتبر المتدبر .

 

أما أبصرت يوماً الأرض وقد ظمأ ترابها ؟ وأجدبت بطحاؤها , ويبست عروق أشجارها , وتحاتت أوراقها , فما لبثت أن أصابتها دلمة السماء بسقيا رحمة ونماء , وخير من الكريم وعطاء فإذا الفيافي تبهرك خضرتها وتشنفك بطيب عبير أزهارها . ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)

 

اقرأ القدرة في الشمس ساطعة , وفي النجوم زاهية , عظمة تلمحها في خمائل النبات , وجداول الماء بل في حقول الزرع وسنابل الحَب والبذر , في الساقية والغدير وفي الورقة واليرقة و في الحشرة والشجرة .. كسا العظام لحماً واللحم جلداً وألبس البهائم صوفاً ووبراً , والثمرة غطاءً وقشراً .. سبحانه من عظمته وبالغ معجزته , أن خلق الماء حياة وأهلك به قوم نوح - عليه الصلاة والسلام - , وأوجد النار منفعةً وأحرق بها أعداءَه , وكوّن البحر رزقاً وأغرق فيه فرعون وجنده , وأرسل الرياح لواقح ودمر بها عاداً .

 

أخي المؤمن ..

 

إن عيون المعرفة , ورحلات العلماء , وتجارب الباحثين , لتطالُعنا كل يوم بسرٍ من أسرار هذا الكون , الكتاب المفتوح , من قلب صفحاته وعاش في رياضه زاد إيماناً إلى إيمانه وصلةً بخالقه وطمعاً في رضوانه. (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) .

 

فمن دلائل عظمة الخالق سبحانه ,ما أودعه في عالم الحيوان فمن ذلك :

 

إنشاؤه الهندسي البديع لبيوته ومساكنه وسدوده وجسوره كما عن العنكبوت وكلب الماء . وادخاره وتأمين قوت مستقبله كما عن النملة والنحلة والسنجاب , وعطفه على أبنائه عند كلّهم خصوصاً الدب والفيل والقندس , ومهارته في التمثيل والحيلة كما عند الضفدع والأقرن , ودقة تخفيه وتمويهه كما عند السرطان الناسك وبعض الأسماك , وقد سميت بعض سور القرآن ببعضها كسورة البقرة والأنعام ,والنحل والنمل , والعنكبوت والفيل , غير آيات كثيرة تطرقت لشيء من ذلك .

 

 هل تعلم أخي المؤمن أن بعض الحشرات يحوي جسمها أربعة آلاف عضلة بينما الإنسان من أربعمائة إلى خمسمائة عضلة فقط , وإذا كان في عيني الإنسان عدستان فللحشرة المعروفة باسم أبي دقيق في كل عين سبع عشرة ألف عدسة , ولئن قويت على أن تعيش من ثلاثة إلى أربعة أيام دون ماء أو أربعين إلى ستين يوماً دون طعام فهناك السنجاب والدب القطبي وبعض الثعابين تمر به أشهر الشتاء الكاملة دون طعام وشراب .

 

لا إله إلاّ الله .. هذا خلقه .. وتلك حكمته " سبحانه " ( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)

 

فالحمد لله الذي أودع في مخلوقاته ما يشهد بربوبيته ، ويدل على وحدانيته .. لا يعلم ما يستحق إلاّ هو ، ولا يحسن الثناء عليه غيره ، ولا يحيط بعلمه سواه ، بالجمال تفرّد .. وبالكمال اتصف ، له نعوت العز ، وغلبة القهر وجبروت العظمة .. لا إله إلاّ هو أتته السماء والأرض طائعة وتطامنت لكبريائه الجبال خاشعة .. شدا الطير بذكره وهدل الحمام بشكره وتعلقت الخلائق بعفوه ولطفه .

 

أخي المؤمن..

 

هل تصدق أن طائراً يسمى اللقلق يطير كل شتاء من ألمانيا وهولندا والنمسا مسافة قدرها خمسة آلاف ميل حتى يصل إلى أواسط أفريقيا ثم جنوبها يفتش هناك عن طعامه المفضل الجراد ، ثم يعود بعد ذلك إلى موطنه مرة أخرى .. يا ترى أي أجهزة ملاحية كان يحملها .. أو استكشافية كان يستعملها حتى لا يضل الطريق ذهاباً وجيئة .

 

أما بديع صنيع الله وخلقه لما عيشه في البحار والمحيطات فعجب فوق العجب ..

 

فهاهي بعض حيتان الماء التي تعيش في أغوار المحيطات من له صف من المصابيح المضيئة ممتد على طول جسمه ونوع آخر من السمك الأسود له صفان من المصابيح الحمراء على جنبات جسده وبعض الأسماك وهبها الله القدرة على إطفاء أنوارها إذا اقترب منها عدوها ، فلا إله إلاّ الله .. (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ..

 

أما سمكة قنديل البحر فقد جعل الله لها قدرة إخراج معدتها من فمها فتملؤها بالطعام ثم تعيدها داخل جسمها ثانية .

 

والعجائب والغرائب في هذا الشأن لا يأتي على حصرها العدّ والوصف . ألا إن ما ذكر من بديع صنع الله في أجرام السماء وما على سطح الأرض وما في أعماق البحار ناهيك عن خلق الإنسان والحيوان .. إلخ .

 

ما ذاك كله لا شيء في ملكوت ما عنده سبحانه من جنته وناره وعرشه وكرسيّه قال عليه الصلاة والسلام:( أذن لي أن أحدّث عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام وفي رواية خفقان الطير سبعمائة عام)[رواه أبو داود (4727) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/150) برقم (151)] .

 

أما النار جهنم فقد قال عليه الصلاة والسلام :( لو أن حجراً مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها )[ صححه الألباني في صحيح الجامع (5248)].

 

وأما الجنة فما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

 

أخي المؤمن ..

 

إن الإيمان بالله وتقديره حق قدره ، والذل والخضوع له والعودة والإنابة إليه واتباع شرعه وأمره سر طمأنينة العبد ، وهناءة عيشه ، وسبيل فلاحه ، ومنشأ ثقته .

 

احفظ الله يحفظك ، تعرف عليه في الرخاء يعرفك في الشدة ، اشكره ولا تكفره ، لذ بجنابه ، واستمطره رزقك ، وارض بقضائه ، واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور.