الخشوع في الصلاة


   قال ابن القيم رحمه الله تعالى : قاعدة : للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة ، و موقف بين يديه يوم لقائه ؛ فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف. قال تعالى: (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا).[الفوائد - (ج 1 / ص 200)].

 

أخي الكريم ..

 

إننا في زمن نتلمس فيه خشوع قلوبنا حال صلاتنا ، وبكاء أعيننا حال تلاوتنا لكتاب ربنا أو سماعه ، فقلما نجد من ذلك شيئاً !!
حتى إنه ليمر بالعبد الأشهر تترى لا يذكر أن عيناً له بكت من خشية الله ، وذرفت تستمطر رحمة الله !!
كل ذلك ونحن نشيّع الموتى .. ونرى الحوادث المفجعة , ونسمع ونقرأ المآسي المحزنة المؤلمة لإخواننا المسلمين في كل مكان !!
ولكن صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال:" أول ما يرفع من الناس الخشوع " صححه الألباني. قال أبو الدرداء لجبير بن نفير : لو شئت لحدثتك بأول علم يرفع من الناس الخشوع ؛ يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً !![أخرجه الترمذي (2653) و صححه الألباني في صحيح تخريج اقتضاء العلم العمل ( 89 )].

 

فلا غرو إذاً أخي المؤمن أن يكون الخشوع والخضوع والإخبات هو روح الصلاة بل وركيزتها الأولى , وحجر أساسها إذ هو القائل صلى الله عليه وسلم :"أسرق الناس الذي يسرق صلاته ", قيل يا رسول الله ! كيف يسرق صلاته ؟ قال :" لا يُتم ركوعها ولا سجودها ، وأبخل الناس من بخل بالسلام "صححه الألباني .

بل إن المفرط في خشوعه حال صلاته تكون عقوبته ما به قد أخبر البشير النذير صلوات الله وسلامه عليه بقوله :" لا ينظر الله عز وجل إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها "[ جود إسناده الألباني ، انظر: السلسلة الصحيحة (6/ 82 رقم: 2536)].

فهل تعي قلوبنا هذا الوعيد , وتحذر هذا التنديد ؟ فكيف لو ضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تُقْبلُ له صلاة ، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ، ويتم السجود ولا يتم الركوع "حسنه الألباني.

ولقد أبصر يوماً بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه رجلاً لا يتم الركوع ولا السجود فقال : لو مات هذا لمات على غير ملة محمد .

لذا قال صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته بعد أن أعادها ثلاثاً: " .. ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تستوي قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً .." الحديث .

وهذا خارم من خوارم الخشوع في الصلاة ألا وهو عدم الطمأنينة فيها .

 
أما عن انصراف القلب عن الصلاة خشوعاً وتدبراً .. فذاك شأن آخر !!

فكم للشيطان فيه من صولة وجولة؟!

يذكرك تارة سيارتك التي صُدمت ، وأخرى ولدك المريض وثالثة ذكريات الطفولة ورابعة حساباتك الجارية وبضاعتك القادمة .. وخامسة يرتب لك جدول أعمالك في بقية يومك وسادسة وسابعة ، فإن لم يجد عليك سبيلاً وسوس لك في طهارتك وشكك في تمام وضوئك ...
 
ومن أراد أن يتأكد من ذلك كله فلا عليه إلاّ أن يؤم بالناس مرة ثم ليتأمل حال المصلين في أدائهم لسننهم الرواتب ، والله ثم والله إنك لتعجب عجباً لا يكاد ينقضي من أناس ما أن يدخلوا في صلاتهم حتى تزيغ أبصارهم فهي مرة ترقب من يصلح شماغه على رأسه ، وأخرى تتأمل بديع زخرفة سقف المسجد ، وثالثة تلاحظ إخراج أحدهم لشيء من جيبه وهكذا ....إلى أن تنقضي صلاته ..غير كثرة حركته ومطالعته لساعته ، بل لربما وتنظيفه لأذنه أو أنفه حال صلاته!! .. والله المستعان .

أين كل هذا من أحوال سلف صالح ؟

كانوا إذا تهيئوا للصلاة بالوضوء اصفرّ لونهم وارتعدت فرائصهم حتى إنه ليقال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه :مالك يا أمير المؤمنين ؟!وقد تغيّر لونه ووجل قلبه فيقول : جاء وقت أمانة - يقصد الصلاة - عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها .
وكان زين العابدين علي بن الحسين إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة فقيل له في ذلك فقال : أتدرون بين يدي من أقوم ؟.
لذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} قال :خائفون ساكنون .
وهذا الربيع بن خيثم كان إذا سجد كأنه ثوب مطروح ، فتجيء العصافير فتقع عليه .
أما مسلم بن يسار فقد حكى عنه ميمون بن مهران قائلاً: ما رأيته متلفتاً في صلاةٍ قط , وقد انهدمت ناحية المسجد ففزع أهل السوق لهدتها وإنه في المسجد يصلي فما التفت!!وكان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا!! [ لعلمهم أنه ينقطع فيها بكليته إلى خالقه ومولاه].

 

عليك بما يجـدي مـن التقـى .          فإنك في سهـو عظيـم وغفلـة
تصلي بلا قلـب صـلاة بمثلهـا          يكون الفتى مستوجبـاً للعقوبـة
تخاطبـه إيـاك نعبـد مقـبـلاً              على غيره فيها لغيـر ضـرورة
فويلك تدري من تناجيه معرضـاً    وبين يدي من تنحني غير مخبت .

 

أخي المقبل على ربه خوفاً وخشية ...

أرع هذا الحديث سمعك وافتح له قلبك وليكن نظرك في صلاتك موضع سجودك . يقول صلى الله عليه وسلم :"ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم – فاشتد قوله في ذلك حتى قال - لينْتهُنَّ عن ذلك ، أو لتُخطَفَنَّ أبصارهم " رواه البخاري ، وفي رواية:" أو لا ترجع إليهم أبصارهم ".

أما حال البكاء فلقد كان له من صلاة سلفنا الصالح أوفر الحظ والنصيب !!

فمع هذه النقلة الوجدانية المشاعرية إلى عالم هم إلى الخيال أقرب منه إلى الحقيقة إذا ما قورن بحالنا هذه الأزمان !! ولكنه والله أعلم الحقيقة الذي لا خيال فيه.

فهذا أبو بكر رضي الله عنه خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في صلاته إماماً لا يتبين الناس قراءته من كثرة بكائه ! وكان رضي الله عنه رجلاً بكاءً لا يملك دمعَه حين يقرأ القرآن .
أما عمر وما أدراك من عمر ؟! فاروق هذه الأمة يحدث عنه عبدالله بن شداد فيقول : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف . ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي
إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . فبكى عمر حتى سالت دموعه على ترقوته ! وقل مثل ذلك في حال سائر الأصحاب رضي الله عنهم .
 

أما التابعون :

فعن مقاتل بن حبان رحمه الله قال : صليت خلف عمر بن عبد العزيز – رحمه الله-فقرأ : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) , قال مقاتل فجعل يكررها لا يستطيع أن يجاوزها – يعني من البكاء - .

وهذا ثابت البناني رحمه الله تعالى قد اشتكى عينه – وقد كان كثير البكاء عند تلاوة القرآن – فقال له الطبيب :اضمن لي خصلة تبرأ عينك بإذن الله ،لا تبك . قال ثابت : وما خير في عين لا تبكي ؟! .
ولأبي حنيفة رحمه الله شأن آخر فهو الذي قام ليلة بهذه الآية : { فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم} . وليلة أخرى بآية:{بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } [القمر: 46] ، يرددها ويبكي ويتضرع .

قلوب بتقوى الله والذكر تعمر       وأوجههم بالقرب والبشر تزهر

يناجون مولاهم بفرط تضـرع       وأدمعهم من خشية الله تعطر .
 
هذه ريحانة من رياحين ذلك البستان المثمر ، وتلك نفحة من نفحات الإيمان المعطر نتنسم عبيرها , ونستمتع بسماعها ؛ وليس ذاك بعجيب فأسوة القوم المصطفى من بينهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم . الذي يحدث عنه ثابت البناني عن مطرف عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل! يعني من البكاء .قال المنذري عن إسناده: لاتنزل عن درجة الحسن ، والمرجل [ الإناء الذي يغلي فيه الماء ] .
وكانت قراءته صلى الله عليه وسلم تصدع القلوب ففي الصحيحين عن جبير بن مطعم وكان يومها مشركاً وكان ضمن أسرى بدر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءةً منه فلما سمعته قرأ ‎‎‎{ أم خُلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون } كاد قلبي أن يطير .

 

أخي العزيز :

 

تأمل معي قوله صلى الله عليه وسلم:" اذكر الموت في صلاتك ؛ فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته ، وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة ً غيرها .." حسنه الألباني.

 

ومن أسباب الخشوع ومستجلباته :

 

1- الخروج إلى الصلاة مبكراً : بوضوء تام غير مستعجل ، وأداء السنة قبلها وتلاوة شيء من القرآن .

2- البعد عن الصلاة إلى تصاوير ، أو رسومات وزخارف قد تشغل عن الصلاة وعدم الالتفات إليها ؛ لذا كان من السنة الصلاة في المسجد العتيق أي القديم الخالي من زخارف البنيان .
3- وتذكر دائماً قبل صلاتك بعث الناس من قبورهم ، وتطاير صحفهم ونصب موازينهم ، ووضع الصراط على النار ، والمرور عليه ..كل ذلك مدعاة لخشوعك وحسن صلاتك .
4- سلامة القلب .. وأنى لقلب أن يخشع وقد امتلأ حقداً وكبراً وحسداً وغلاً ؟!
5- قال صلى الله عليه وسلم : "أذكر الموت في صلاتك ،فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته ،وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها ،وإياك وكل أمر يعتذر منه " حسنه الألباني.

 

ثم احذر من اثنتين :

 

الأولى: يقول صلى الله عليه وسلم بعد أن مر على أصحابه فقال لهم: " هل تدرون ما يقول ربكم تبارك وتعالى؟ وعزتي وجلالي لا يصليها أحد [ أي الصلوات المفروضة ] لوقتها إلا أدخلته الجنة ، ومن صلاها بغير وقتها إن شئت رحمته , وإن شئت عذبته " قال الألباني : ضعيف.

لذا أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حكم من يضع توقيت الساعة لموعد الدوام الرسمي ويصلي الفجر في هذا الوقت أي بعد طلوع الشمس غالباً فقال : صلاته هذه غير مقبولة منه ولا تبرأ بها ذمته ، وسوف يحاسب عنها يوم القيامة وعليه أن يتوب إلى الله .

وعليه فمن الأسباب المعينة على ذلك توقيت ساعة للإيقاظ ، أو التعاون مع من يوقظك عبر الهاتف ، والنوم مبكراً وعلى طهارة ، وألا يكون ختام نومك معصية مسموعة أو مشاهدة أو غير ذلك مما شاع بين الناس ، وقراءة الأوراد قبل النوم ، والبعد عن كثرة الأكل والشرب ، ووصاية الأم والأب بإيقاظك { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً}.

وتذكر دائماً قوله صلى الله عليه وسلم": من صلى الصبح [ أي في جماعة ] كان في جوار الله يومه " قال الألباني : صحيح لغيره، وفي رواية: " فهو في ذمة الله وحسابه على الله ". فما أعظم الأجر والمثوبة .

 

الثانية: احذر من ترك الصلاة وتفويتها فقد قال صلى الله عليه وسلم : "من فاتته صلاة فكأنما وُتر أهله وماله ". صححه الألباني ، وفي أخرى: " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ". وفي رواية:" الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله."

 

وإلى كل مسؤول ومدير وأب وجار تُهدى هذه الرواية , التي ذكرها عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة قال جاء عمر رضي الله عنه إلى منزل سعيد بن يربوع فعزاه بذهاب بصره وقال : لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ليس لي قائد ؟ .فأمر له بقائد ، فبعث إليه غلاماً من السبي ، وكان هو أمير المؤمنين يوقظ لصلاة الفجر في طرقات المدينة!! يصيح بالناس !!
ألا فـي الـصـلاة الـخـيـر والـفـضـل أجـمـع .          لأن بــهـــا الآراب لــلـــه تــخــضــع
وأول فــرض مـــن شـريــعــة ديـنــنــا              وآخــر مــا يـبـقــى إذ الــديــن يــرفــع
فـمـن قـام لـلـتـكـبـيــر لاقـتــه رحـمــة             كــان كـعــبــد بـــاب مـــولاه يــقــرع
وصــار لــرب الـعــرش حـيــن صـلاتــه            نـجـيـاً فـيـا طـوبـاه لــو كــان يـخـشــع
 
وختاما :

 

كان من دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مستجيراً وخائفاً :" اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع , ومن دعاء لا يسمع , ومن نفس لا تشبع , ومن علم لا ينفع , أعوذ بك من هؤلاء الأربع " رواه الترمذي وصححه الألباني.