الميلاد الجديد


   تمر على الإنسان مواقف وأحداث تمثل له ميلاداً جديداً ، منها السعيد ومنها المؤلم ، فالحصول على وظيفة جيدة ، والرقي في السلم التعليمي ، أو الوظيفي ، أو الزواج ، وغيرها من المناسبات السعيدة في حياة الإنسان يكون لها الأثر البالغ في حياة غالبية الناس للحد الذي يعتبرونه ميلاداً جديداً لأنه بوابة تحقيق أحلامهم ، وقل مثله في نجاته من حادث سير ، أو سلامته من مرض عضال ، أو خروجه من ضائقة مالية ، أو غيرها من الأحداث الصعبة في الحياة .
 

وميلادنا الجديد الذي سنلقي الضوء عليه في أسطرنا هذه هو ميلاد من نوع خاص ؛ فهو ميلاد روحاني ، ميلاد شعوري عاطفي ، وميلاد فكري عقلي ، ميلاد له أثره في رسم خارطة حياة الإنسان المستقبلية ، وإعادة بناء هرم الأولويات في حياته ، ومحو ما دون في صحائف الأيام والليالي من تقصير في حق الباري عز وجل !



هل عرفتم ميلادنا الجديد ؟

أحسنتم ! إنه الحج .

واسألوا كل من حج لتجدوا عنده الوصف الصادق لهذا الميلاد السعيد .

قال صلى الله عليه وسلم :" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه " رواه البخاري .

ميلاد ..إلى حياة جديدة محيت منها ذنوب عقود من السنين !

حياة الطاعة ، والمسارعة إلى الخيرات ، والاستجابة الكاملة والسريعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، حياة العبادة بمفهومها الواسع ، ليتعدى تلك الشعائر العظيمة كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، و...و... فيشمل كل ما يحبه الله ويرضاه : من إدخال السرور على الناس( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ) ، وإعانة المحتاج الملهوف ، ومساعدة العاجز ، وبذل المال للفقراء والمساكين ، والشفاعة الحسنة ؛ إنها قربات إلى الله تعالى بالإحسان إلى الخلق ، فالمسلم يعيش السعادة الروحية فينعم بها جسده ، وينشر عبقها في محيطه الذي يعيش فيه !

والأقربون من زوجة وأبناء وبنات وأهل لهم نصيب الأسد من الميلاد الجديد !

حتى فاقد المال ، وقليل الحيلة ، ومحدود العطاء ، لميلاده جمال ، فلن يعجز عن كف أذاه عن الناس !

ميلاد ..إلى حياة الأخوة الإيمانية ..فما رآه المسلم في الحج وعاشه من صور الإخاء الحقيقي ، يترك أثره القوي في الحياة الجديدة ، لقد عاش الحب ، فوجد من يحب له الخير مثل ما يحبه لنفسه ، وجد الكلمة الطيبة ، ووجد من يؤثره بالمكان الطيب عند المبيت بمنى مثلا، ووجد الابتسامة التي لا تفارق محيا الناس رغم الزحام الشديد ، ورغم أعمال الحج المتتابعة !

وعاش التسامح والعفو ! فوسط الزحام الشديد ، لا تسلم تلك الملايين المكتظة في بقعة صغيرة من الأرض من الاحتكاك الغير مقصود فيقابل بعضهم البعض بالتسامح والعفو !
ووجد التعاون في أجمل صوره ..فالضعيف يجد من يعينه ليتغلب على ضعفه! يجد ذلك عند ركوبه ونزوله ، وعند صعوده ، والتائه يجد من يعينه للوصول إلى حملته ، والمريض يجد من يحمله للمستشفى !

ووجد في الحج من يبذل المال لإخوانه ، فهذا يطعم ، وهذا يسقي ، وهذا ينقل ، كلهم بدون مقابل ابتغاء مرضاة الله !

إنها صور حقيقية يعيشها كل حاج ، والذي يزيدها روعة ذلك الرباط الإيماني المتين بين الحجيج ؛ فالصور السابقة لم تكن حكراً على جنسيات معينة من الناس دون آخرين ، بل كانت بين الأبيض والأسود ، والغني والفقير ، والعربي وغير العربي !

ولو أنك سألت أحد الحجاج عن مشاهداته ؟ لقال لك :

رأيت الأفريقي يعين الصيني ، والأمريكي يبتسم ويحادث الآسيوي ، والروسي يتفادى في وسط الزحام مضايقة الهندي ، والعربي يهدي للأوروبي ، والفارسي يفسح للتركي !
إنها أخوة إيمانية اعتلت على روابط الجنس ، واللون ، واللغة ، التي ذابت أمام حرارة رابطة الإيمان.

وهذه صحيفة سعودية تنشر خبر مجموعة من حجاج أوروبا تركوا مخيماتهم المجهزة بوسائل الراحة في منى ليجلسوا على رصيف ؟! مبررين ذلك برغبتهم للاختلاط بالناس ، والعيش وسط المسلمين الوافدين من كل دول العالم ، فيتذوقوا بعض صور المشقة التي تزيد الحج نكهة طيبة تميزه عن غيره من العبادات !!

إنك ترى الجميع يقفون في وقت واحد ، وفي صف واحد ، ويؤدون أعمالاً واحدة ، ويتلفظون بعبارات واحدة ، إنهم يعبدون إلهاً واحدا ، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم .
والأعجب منه حال الزحام الشديد أثناء طواف الناس وسعيهم أيام الحج ، وعند سماعهم لإقامة الصلاة تتحول هذه الملايين إلى صفوف منتظمة في غاية الجمال ، وعند تكبير الإمام لبدء الصلاة تسمع صمتاً عجيباً يحيط بالمسجد الحرام والشوارع المحيطة به خشوعا لله العلي الكبير !!

فيا له من مشهد عظيم ، يشهد على تعظيم هذه الأمة لشعائر دين الله ، ويشهد بعظمة هذا الدين في صنع أمة عظيمة منتظمة في عبادتها لربها ؛ لينعكس ذلك النظام قيمة يعيشها الفرد في حياته الجديدة بعد الحج .

إننا نقول لكل إنسان : إن الذي يريد أن يرى الأثر الحقيقي للإسلام في حياة البشر ، ويتعرف عليه ، فما عليه إلا أن يحج . وإذا كان من غير المسلمين فليتابع شاشات التلفزة ، وليسأل أصحاب الميلاد الجديد ممن حج من بلده !

إنه ميلاد .. إلى حياة التقدير... تقدير الذات بمعرفة قدر نعمة الهداية للدين ؛ فيبذل الفرد كل الوسع في التزود من العلم ، ويصون عقله عن مناهج تحيد به عن صراط الله المستقيم .

ويقدر أسرته ...فيقيها من أسباب سخط الله .

ويقدر أخاه المسلم ... وإن اختلف معه في بعض المسائل ما دام أنه منطلق من نفس الأرضية التي تحترم النص الشرعي ( الكتاب والسنة ) وتقر له بالمرجعية ، ويحترم اختياره المبني على رأي أصحاب الاجتهاد الشرعي ، ولا يجعل منها نقاطاً لشق الصف ، واختلاف القلوب ، وحدوث النزاع ، والفشل ، وذهاب الريح ؛ فالحج من أجل العبادات التي تزرع قيمة وحدة الأمة على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .
فكل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فتزول عند ذلك العصبية للأشخاص ، وتسلم الأمة من التحزب والتفرق .

ويقدر الآخر ...الذي غلبه الجهل والهوى فأبعداه عن جادة الحق ، ويدعوه بالتي هي أحسن لعله يتذكر أو يخشى .

ويقدر حق الآخر ...غير المسلم ، في معرفة الإسلام ، فيسمعه كلام الله ، ويبين له الدلائل والبراهين على عظمة الإسلام ، وأنه الطريق الوحيد لمرضاة الله ، وتحقيق الغاية التي من أجلها خلقه الله ، ويبذل من أجل ذلك كل الوسع ، ومختلف الطرق والأساليب .

ويقدر معنى خير أمة ...فهي الوحيدة التي تملك مقومات البقاء ، ومقومات قيادة البشرية من الظلمات إلى النور ، لتخرج الناس من الخضوع للناس والذل لأفكارهم ومناهجهم وأهوائهم وأموالهم إلى عبادة رب الناس .
لذلك لزم أن يرتقي تعاون المسلمين من أجل العمل لدينهم لدرجة تستحق معه هذا الشرف ، ويرتقي تفكيرهم وتخطيطهم في مشاريعهم الدعوية ليناسب ظروف وتحديات العصر الذي تعيشه الأمة.

وتقدير حق هذا الدين العظيم علينا ...في أن نري الناس بحسن امتثالنا له ، واستقامتنا عليه في كل زمان ومكان ما يدعوهم لاحترامه والدخول فيه .

وتقدير أهل الإحسان ..خاصة رجال مؤسسات الدولة - وفقها الله لخدمة الإسلام والمسلمين - الذين تفانوا في خدمة ضيوف الرحمن ، وتشرفوا بخدمتهم .

ميلاد المرأة المسلمة ...إلى حياة الصبر والثبات والسعادة بعد أن عاشت حياة الجهاد وهي الحج ( جهادكن الحج )، بما فيه من عناء وتعب ومشقة لم تعتد المرأة عيشها فصبرت واحتسبت الأجر عند الله ..

فتعيش معنى الصبر ..في ميلادها الجديد : فتصبر الأم على المحافظة على كيان أسرتها بأداء حقوق زوجها ، وحسن تربية أبنائها ، وتصبر الفتاة على حشمتها وعفتها ، وتجعل من تعاليم الإسلام وآدابه الخاصة بها سياجاً آمناً يحميها من السقوط في مستنقع الانحراف العاطفي ،والانحلال الخلقي .

ميلاد المرأة ..إلى حياة الفاعلية والإيجابية والبناء في حياة الأمة المحمدية .

وختاماً :

هنيئاً لك أخي الحاج ميلادك الجديد ، وتذكر أن الصفحة قد ابيضت فاحذر من كل ما يدنسها .