الأخوة الإسلامية ..الأنصار نموذجاً


من أراد أن يعيش الأخوة الصادقة في معناها ومقتضاها وثمرتها ؛ فعليه أن ينهل من معين أخوة الأنصار -رضي الله عنهم- العذب ، والتي أثنى الله تعالى عليها في كتابه الكريم فقال : {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ([1]) .

فقد قاموا بحقوق  الأخوة منذ بيعتهم الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال ابن إسحاق : فلما انصرف عنه القوم ( أي بعد البيعة ) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم   معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ؛فكان يسمى المقرئ ، وكان منزله على أسعد بن زرارة أبي أمامة رضي الله عنه ، وأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ([2]). وقد قام أسعد رضي الله عنه باستضافته وإكرامه ، وإعانته في دعوته .
 

وقام الأنصار رضي الله عنهم باستقبال إخوانهم المهاجرين رضي الله عنهم أحسن استقبال..
 


 فبعدما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية ، أحسنوا استقبالهم، وقدروا لهم قدرهم ، فهم قد خرجوا من مكة وهي أحب البقاع إليهم ، وفارقوا الأهل والأقارب والعشيرة نصرة لدينهم ، وهاجروا إلى الله تعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فرارا بدينهم ، فلا مال ولا متاع ؛ فكان أول ألوان إكرامهم وأداءِ حقوق الأخوة  أن أحسنوا استقبالهم ، وأنزلوهم منازلهم حين قدموا عليهم المدينة !
 

وكان الأنصار رضي الله عنهم يقترعون في سكنى المهاجرين !!
 


فقد بلغت أخوتهم إلى حد التنافس على سكنى المهاجرين رضي الله عنهم في دورهم ، فكانت القرعة هي الفيصل في ذلك !!
فعن أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها  : إن عثمان بن مظعون رضي الله عنه طار([9]) لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين ([10]) .

 

  • من مظاهر أخوة الأنصار رضي الله عنهم الصادقة :
 

   لما قدم المهاجرون  رضي الله عنهم من مكة إلى المدينة لم يكن بأيدي معظمهم شيء ؛ لأنهم تركوا أموالهم خلفهم ، ولأنهم لم يكونوا أهل زراعة ، والأنصار رضي الله عنهم  أهل زراعة ، فقد أعطتهم الأنصار رضي الله عنهم  كل ما يستطيعونه من فضل ، وأعطتهم النخل والأرض ، وقالت الأنصار رضي الله عنهم  للرسول صلى الله عليه وسلم :
اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : (( لا )) .أي لا أفعل ذلك : يعني القسمة.
فقالوا - أي الأنصار- : (( تكفونا المؤونة ونُشْرِكُكُم في الثمرة ))
قالوا- أي الأنصار والمهاجرون كلهم -:سمعنا وأطعنا ([11]).
أي امتثلنا امر النبي صلى الله عليه وسلم فيما أشار إليه .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لما قدم المهاجرون - رضي الله عنهم - المدينة من مكة وليس بأيديهم يعني شيئا ، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار ؛ فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤونة([12]) . أي العمل في البساتين من سقيها والقيام عليها ،قال المهلب :إنما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لا ، لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم ؛فكره أن يخرج شيء من عقار الأنصار عنهم ؛ فلما فهم الأنصار رضي الله عنهم ذلك جمعوا بين المصلحتين ، امتثال ما أمرهم به ، وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين ؛ فسألوهم أن يساعدوهم في العمل ويشركوهم في الثمر([13]).

وآثر الأنصار رضي الله عنهم  إخوانهم المهاجرين رضي الله عنهم بمنائح([14]) من أشجارهم ، فمنهم من قبلها   منيحة  محضة ، ومنهم من قبلها بشرط أن يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار ولم تطب نفسه أن يقبلها   منيحة  محضة ؛ هذا لشرف نفوسهم وكراهتهم أن يكونوا كلا ، وكان هذا مساقاة([15]) وفي معنى المساقاة ، فلما فتحت عليهم خيبر ، استغنى المهاجرون بأنصبائهم فيها عن تلك المنائح ، فردوها إلى الأنصار ([16]).

ومن مواقفهم العجيبة ، المبرهنة على صدق أخوتهم ،ما رواه أنس رضي الله عنه قال : (( دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين ، فقالوا : لا ، إلا أن تقطع إخواننا من المهاجرين مثلها!!
. قال : (( إما لا ؛ فاصبروا حتى تلقوني ؛ فإنه سيصيبكم بعدي أثرة ))([17]).

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخص الأنصار رضي الله عنهم بما يحصل من البحرين ، أما الناجز يوم عرض ذلك عليهم فهو الجزية لأنهم كانوا صالحوا عليها ، وأما بعد ذلك إذا وقعت الفتوح فخراج الأرض أيضا([18]) فأبوا إلا أن يجعل لإخوانهم المهاجرين رضي الله عنهم  مثل ما جعل لهم .وكان ذلك  الفعل من الأنصار رضي الله عنهم  دليلاً على مدى حبهم وإيثارهم المهاجرين   ، وقد شهد الله تعالى لهم بذلك في قوله : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (([19]) .

 

عقد المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم :
 


وفي السنة الأولى من الهجرة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم في دار أنس بن مالك رضي الله عنه ، فعن أنس قال :حالف النبي  صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري([20]) .

قال النووي رحمه الله في معنى التحالف الذي عقد : المحالفة على طاعة الله تعالى ، والتناصر في الدين ،والتعاون على البر والتقوى ،وإقامة الحق([21]) .
 

وكانوا يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام ،. فقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزبير وكعب بن مالك ، فارتث كعب يوم أحد ، فجاء به الزبير يقوده ولو مات يومئذ لورثه الزبير فأنزل الله : ] وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ [ ([22]) ، فرد التوارث دون عقد الأخوة([23]).

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى :
 وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ابن أبي قحافة وخارجة بن زيدرضي الله عنهما  أخوين ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وعِتبان بن مالك رضي الله عنه أخوين ، وأبو عبيدة بن عبدالله بن الجراح واسمه عامر بن عبدالله رضي الله عنه وسعد بن معاذ رضي الله عنه أخوين ، وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وسعد بن الربيع رضي الله عنه أخوين ، والزبير بن العوام رضي الله عنه وسلمة بن سلامة رضي الله عنه بن وقش([24])أخوين ، وعثمان بن عفان رضي الله عنه وأوس بن ثابت رضي الله عنه أخوين ، وطلحة ابن عبيد الله رضي الله عنه وكعب بن مالك رضي الله عنه أخوين ، وسعد بن زيد رضي الله عنه بن عمرو بن نفيل وأبي بن كعب رضي الله عنه أخوين ، ومصعب بن عمير رضي الله عنه بن هاشم وأبو أيوب رضي الله عنه أخوين ، وأبو حذيفة رضي الله عنه بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر رضي الله عنه أخوين ، وعمار بن ياسر رضي الله عنه حليف بني مخزوم وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه أخوين ، ويقال ثابت بن قيس رضي الله عنه بن الشماس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه والمنذر بن عمرو رضي الله عنه أخوين ، وحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حليف بني أسد ابن عبدالعزى وعويم بن ساعدة رضي الله عنه أخوين ([25]).

 

نموذج فريد من الأخوة
 


وهو ماقام به سعد بن الربيع مع أخيه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ، حيث قال سعد بن الربيع لعبدالرحمن : إني أكثر الأنصار مالاً ، فأقسم مالي نصفين !! ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها !! قال : بارك الله لك في أهلك ومالك !! أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع ، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ، ثم تابع الغدو ، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم :   (( مهيم )) قال تزوجت امرأة([26])من الأنصار ، قال : (( كم سقت إليها ؟ )) قال نواة من ذهب ([27]).

إن الإيمان بالله تعالى يعقد رباطاً من تلقاء نفسه ، رباط الحب والتناصر بين أشتات المؤمنين في المشارق والمغارب ، ولقد سطر الأنصار رضي الله عنهم أروع الأمثلة وأندرها في الإخاء .. فالتاريخ لم يشهد أخوة كما حدث بين الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم.. فإن وقفت مع كرمهم مع إخوانهم ، فإنك تزداد عجباً وإعجابا بمواساتهم لإخوانهم تأمل اقتراعهم على سُكنى المهاجرين منازلهم !! ، بل قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم : إن شئت فخذ منازلنا !! ، وقاسموهم الثمر .. وبلغ من صدق الإخاء أن قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يقطع لهم البحرين قالوا : لا ، إلا أن تقطع لإخواننا المهاجرين مثلنا !! ، وماذا نقول عن قصة سعد بن الربيع مع عبدالرحمن بن عوف فلئن وقفنا مع كرم   وسخاء سعد فإنه لابد أن نقف مع نبل عبدالرحمن وتقديره صدق أخوة سعد ودعائه له بالبركة في ماله وأهله ..


لقد بلغ الأمر أن جاء المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفين أن يكون مذهباً لأجرهم ؛فعن أنس رضي الله عنه قال : قال المهاجرون : يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله. قال : (( لا ، ما أثنيتم  عليهم ودعوتم الله عز وجل لهم )) ([28])

وبهذه الأخوة الصادقة استحقوا ثناء الله عليهم حيث قال تعالى : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
إنها الأخوة الإيمانية .. قال الله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ([29])

 

وبمثل هذا النموذج الفريد ينبغي أن يحتذي المسلمون ؛ ليكفلوا لأنفسهم سعادة الدارين ، وليقوموا بواجب خيرالأمم ؛ فينصروا دين الله.
 

 

حال الأنصار بعد مقدم إخوانهم المهاجرين..
 


يصور لنا أبي بن كعب رضي الله عنه تلك الحال بقوله :لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة ، وآواهم الأنصار   رمتهم العرب عن قوس واحدة ، وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ، ولا يصبحون إلا فيه .فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت مطمئنين ، لا نخاف إلا الله عز وجل . فنزلت { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } إلى آخر الآية ([30]).
 

حبهم رضي الله عنهم الخير لإخوانهم ..
 


فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قالت الأنصار : يا رسول الله لكل نبي أتباع وإنا قد اتبعناك ، فادع الله أن يجعل أتباعنا منا.(( فدعا به)) ([31]) ، أضف إليه طلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لإخوانهم المهاجرين مثلهم من البحرين .
 

توقيرهم رضي الله عنهم وتقديرهم لبعضهم البعض ..
 


سار جابر بن عبد الله رضي الله عنهما شهراً إلى الشام ، ليسأل عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلما وصل إليه قال للبواب : قل له جابر على الباب ، فقال : ابن عبد الله ؟! قال : نعم ، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقه واعتنقه جابر، فقال : حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله  eفي القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ([32]).وشاهدنا هو وطء عبد الله ثوبه فرحا بمقدم أخيه جابر ، ومسارعته بالحفاوة بأخيه واعتناقه !!

وها هو حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي أخاه زيد بن ثابت رضي الله عنه تقديرا له فيقول:

 

فمن للقوافـي بعـد حسـان وابنـه        ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت([33])
 

 

أدبهم رضي الله عنهم مع إخوانهم ..
 


فعن أبي المنهال قال : سألت البراء بن عازب رضي الله عنهما وزيد بن أرقم رضي الله عنه عن الصرف، وكل واحد منهما يقول : هذا خير مني ، فكلاهما يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً ([34]) . فانظر إلى أدبهم الجم ، وتقديرهم لبعض ومعرفة حق الآخر ،وعدم التسابق للفتوى .قال ابن حجر: وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع  ، وإنصاف بعضهم بعضا ، ومعرفة أحدهم حق الآخر  ،واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم([35]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ([36])

وهذا من أعظم أنواع الأدب وهو أدب الخلاف ، ومنه يتضح خطر الخلاف ، الذي يبدأ بالجدال بغير التي هي أحسن؛ ليصل إلى حد الخصام ، والفرقة والشقاق ؛ولربما القتال ! وذلك كله نتيجة فقد التحلي بأدب الخلاف الذي كان جلياً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم !!
خاصة إذا كان هذا الخلاف مبنيا على فهم له وجهه الشرعي لدلالة النصوص الشرعية . 

 

دعاؤهم رضي الله عنهم لبعضهم ..


دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب ، دليل على المحبة الخالصة ، فهذا عبد الرحمن بن كعب([37]) بن مالك ،وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره ، يسمع أباه كعب بن مالك رضي الله عنه إذا سمع النداء يوم الجمعة يترحم لأسعد بن زرارة رضي الله عنه !
فقال له :  إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة !
قال : لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات . قلت :كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون([38]).

وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم ، قال : دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه فقال لي : من أنت ؟
قلت : أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ .
قال : إنك بسعد أشبه ، ثم بكى وأكثر البكاء !
فقال : رحمة الله على سعد ؛ كان من أعظم الناس، وأطولهم([39]).

 

نصحهم رضي الله عنهم لبعض ..

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه : سمع النبي  صلى الله عليه وسلم  يخطب على المنبر يقول : (( اقتلوا  الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يطمسان البصر ويستسقطان الحبل ([40]))). قال عبد الله رضي الله عنه : فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة : لا تقتلها ، فقلت :إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحيات ، قال : إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت([41]). وهي العوامر([42]).فمن موقف أبي لبابة أن أداء النصيحة كان مما يميز أخوة الأنصار ، ومعه حسن الاستجابة من ابن عمر .

وهذا معاذ رضي الله عنه يتناصح هو وأبو موسى حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فعن أبي بردة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم جده أبا موسى ومعاذا إلى اليمن ، فقال : (( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا )) ، فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر وشراب من العسل البتع ، فقال : (( كل مسكرحرام )). فانطلقا ، فقال معاذ لأبي موسى :كيف تقرأ القرآن ؟ قال : قائماً وقاعداً وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقا ، قال : أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ، وضرب فسطاطا فجعلا يتزاوران([43]).
وكانت النصيحة ديدنهم ، فعن يوسف بن عبدالله بن سلام قال : أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قبض فيه ، فقال لي : يا ابن أخي ما أعملك إلى هذا البلد ، وما جاء بك ؟
قال قلت : لا ، إلا صلة بينك وبين عبدالله بن سلام !
فقال أبو الدرداء : بئس ساعة الكذب هذه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام يصلي ركعتين أو أربعا - شك سهل - يحسن فيها الركوع والخشوع ثم استغفر الله غفر له ))([44]).

 
ويتقبلون رضي الله عنهم النصح من إخوانهم..

 فبعدما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما ، زار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء رضي الله عنها متبذلة ،  فقال : لها ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا . فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما ، فقال :كل ، قال : فإني صائم ، قال : ما أنا بآكل حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم ، قال : نم فنام ثم ذهب يقوم ، فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل ، قال سلمان : قم الآن ، فصلّيَا ، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( صدق سلمان))([45]).


لقد جمع أبو الدرداء مع حسن الإكرام لأخيه سلمان ، حسن التعامل مع التوجيهات التي كانت من سلمان ،فاستجاب لما قاله ، ثم أصغى لتلك النصيحة منه ،وفي هذه القصة درس مهم في فن التعامل بين الإخوة في الله ، وهو تقبل النقد البناء ، واتساع الصدر لذلك وسلامته ، وحسن الظن بالناصح ، والحكمة في النصيحة ، فلا جدال ولا إساءة ظن ، ولا رد للنصح ، مع ما في القصة من الدلالة على التزاور فيما بينهم رضي الله عنهم .

وعن سالم بن عبد الله عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان ))([46]).

 

وكانوا رضي الله عنهم يتعاونون على الحياة الجادة ..
 


فعن عطاء بن أبي رباح قال :  رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير ([47])الأنصاريين رضي الله عنهما يرميان ، فملَّ أحدهما فقال : الآخر كسلت ؟  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال : مشي بين الغرضين ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، وتعليم السباحة  ))([48]).
 

التنفيس عن بعضهم ، وحملهم رضي الله عنهم الدين عن إخوانهم ..
 

طلب أبو قتادة رضي الله عنه غريماً له فتوارى عنه ثم وجده ، فقال : إني معسر ، فقال :آلله ؟ قال : آلله ؟ قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة ، فلينفس عن معسر أو يضع عنه ))([49]).
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه :أن النبي  صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها فقال : ((هل عليه من دين ؟))قالوا : لا ،فصلى عليه ، ثم أتي بجنازة أخرى فقال : ((هل عليه من دين ؟ )) قالوا : نعم ،قال : ((صلوا   على صاحبكم)) قال أبو قتادة :علي دينه يا رسول الله ،فصلى عليه([50])  .

 

الذب عن أعراض إخوانهم ..

فهاهو معاذ رضي الله عنه يذب عن عرض أخيه كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك ، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت . فذب عن عرض أخيه رغم أن المتكلم لم يقل ما قال إلا حمية في الدين .
 
مواساتهم وتصبيرهم رضي الله عنهم لإخوانهم ..
 

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : حزنت على من أصيب بالحرة ؛فكتب إليَّ زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: (( اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار. وشك ابن الفضل في: أبناء أبناء الأنصار ))([51]).
 

وكانوا يتعاونون رضي الله عنهم في طلبهم للعلم ، ومتابعة كل الأحداث في المدينة ..
 

فكان عمر رضي الله عنه مؤاخيا أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث الأنصاري رضي الله عنه ، فكانا يتناوبان النزول على النبي صلى الله عليه وسلم ؛فكان أوس لايسمع شيئا إلا حدث عمر ، ولا يسمع عمر شيئا إلا حدث أوس ([52]).
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]-  سورة الحشر آية : 9 .
[2]- السيرة النبوية لابن هشام   (2/58) .
[3]- رفاعة بن عبد المنذر بن رفاعة الأنصاري الأوسي ،أخو أبي لبابة  ، ذكر في أهل العقبة و البدريين ،قتل بخيبر . الإصابة (2/492).
[4]- خبيب بن إساف بن عمرو بن خديج الأنصاري الأوسي ، شهد بدرا وما بعدها ، ومات في خلافة عمر . الإصابة (2/261)
[5]- عبد الله بن سلمة بن مالك بن الحارث العجلاني البلوي الأنصاري حليف لبني عمرو بن عوف ،أبومحمد ،شهد بدرا ، وقتل يوم أحد . الإصابة (4/120)، الاستيعاب (3/923)،الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي ص301
[6]- منذر ( المنذر ) بن محمد بن عقبة : شهد بدرا وأحدا ، وقتل يوم بئر معونة . يكنى أبا عبدة . الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي ص315
[7]-  أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري من بني النجار  ، والد شداد بن أوس  الصحابي المشهور ، وأخو حسان ، شهد العقبة وبدرا ، وقتل يوم أحد شهيدا، وعند الواقدي : شهد المشاهد كلها ، ومات في خلافة عثمان . الإصابة (1/144)، الاستيعاب (1/117)، الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي ص54
 
[8]- السيرة النبوية لابن هشام  (2/87-89) .
[9]- قال ابن حجر: أي خرج لهم في القرعة  . فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 7/265)
[10]- البخاري ، كتاب الجنائز ، باب  الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه ( ح/1186) .
[11]-البخاري كتاب الشروط ، باب الشروط في المعاملة ( ح /2570 ) ،وانظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام محمود العيني (10/162).
[12]- البخاري ، كتاب الهبة ، باب فضل المنيحة  ( ح /2487 ) ،و مسلم ، كتاب الهبة ، باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح (ح/1771).
[13]-ابن حجر .فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 5/8-9 ).
[14]- جمع منيحة ، و المنحة بكسر الميم والمنيحة بفتحها مع زيادة الياء : هي العطية ، وتكون في الحيوان ، وفي الثمار وغيرهما ، وقد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها وهي الهبة ، وقد تكون عطية اللبن أو الثمرة مدة وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها ويردها إليه إذا انقضى اللبن .  شرح النووي على صحيح مسلم ( 7/106).
[15]-  المُسَاقاةُ  : أن يستعمل رجل رجلا في نخيل أو غيره ليقوم بإصلاحها ، على أن يكون له سهم معلوم مما تُغله . مختارالصحاح 1/128.
[16]- شرح النووي على صحيح مسلم ( 12/99).
[17]- البخاري ، كتاب المناقب ، باب قول النبي  صلى الله عليه وسلم  للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض ( ح /3583 ) .
[18]- ابن حجر في فتح الباري( 5/48) .
[19]- سورة الحشر آية : 9.
[20]- البخاري ، كتاب الأدب ، باب الإخاء والحلف ( ح/5733 ) .
[21]- شرح النووي على صحيح مسلم ( 16/82).
[22]- سير أعلام النبلاء للذهبي ( 2/524 ) قال شعيب الأرنؤوط : رجاله ثقات ، والآية من سورة الأنفال : 75.
[23]- زاد المعاد  .
[24]- سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري الأشهلي ، ذكر فيمن شهد العقبة وبدرا ، مات بالمدينة سنة أربع وثلاثين وعمره أربع وسبعون سنة . الإصابة ( 3/148)
[25]- السيرة النبوية لابن هشام ( 2/109) .
[26]- هي أم إياس بنت أبي الحيسر الأنصارية . الإصابة (8/169 ) .
[27]-  البخاري ، كتاب المناقب ، باب إخاء النبي  صلى الله عليه وسلم  بين المهاجرين والأنصار ( ح /3569 ) .
[28]- أحمد (ح/13079) صحيح ، انظر الموسوعة الحديثية مسند الإمام أحمد بإشراف الأرنؤوط (ح/13075) .
[29]- سورة الحجرات آية  : 10.
[30]- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ( 6/71 ) ، والآية من سورة المائدة : 9.
[31]- قوله أن يجعل أتباعنا منا :أي يقال لهم الأنصار حتى تتناولهم الوصية بهم بالإحسان إليهم ونحو ذلك ، وقوله فدعا به أي: بما سألوا ، وبين ذلك في الرواية التي تليها بلفظ فقال : اللهم اجعل أتباعهم منهم . فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 7/115).
[32]- أحمد ( ح/ 16084 ) حسن ، انظر الموسوعة الحديثية مسند الإمام أحمد بإشراف الأرنؤوط (ح/16042) ، الحاكم وصححه ووافقه الذهبي . المستدرك( ح /3638 ).
[33]- سير أعلام النبلاء للذهبي ( 2/440 ).
[34]- البخاري  ، كتاب البيوع ، باب بيع الورق بالذهب نسيئة ( ح/2070). وأورد ابن حجر رواية البخاري عن أبي المنهال بلفظ : (( إن كان ( البيع ) يدا بيد فلا بأس ، وإن كان نسيئا فلا يصلح )) . فتح الباري بشرح صحيح البخاري (4/383 ).
[35]- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (4/383 ).
[36]- البخاري ، كتاب الصوم ، باب لم يعب أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  بعضهم بعضا في الصوم والإفطار ( ح/1845) .
[37]- عبد الرحمن بن كعب  بن مالك الأنصاري السلمي ،يكنى أبا الخطاب ،ولد في عهد النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وذكره البغوي في الصحابة ،  مات في خلافة سليمان بن عبد الملك . الإصابة (5/47).
[38]- أبو داود ، كتاب الصلاة ، باب الجمعة في القرى ( ح / 1069 ) وحسنه الألباني.
[39]- أحمد ( ح/12231 ).
[40]- ذا الطفيتين : هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء ، هما الخطان الأبيضان على ظهر الحية ، وأما الأبتر : فهو قصير الذنب ، وقيل هو صنف من   الحيات  أزرق مقطوع الذنب . ومعنى يستسقطان الحبل : أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت الحمل غالبا.  وأما يلتمسان البصر ففيه تأويلان ذكرهما الخطابى وآخرون : أحدهما معناه : يخطفان البصر ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه لخاصة جعلها الله تعالى فى بصريهما إذا وقع على بصر الانسان ، والثانى: أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش والأول أصح وأشهر. شرح النووي على صحيح مسلم ( 14/230).
25- الأمر بقتل   الحيات  مطلقا مخصوص بالنهى عن جنان البيوت ، إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنه يقتل على كل حال ، سواء كانا فى البيوت أم غيرها وإلا ماظهر منها بعد الإنذار . شرح النووي على صحيح مسلم ( 14/230).
[42]- البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب قول الله تعالى وبث فيها من كل دابة ( ح/3123 ) .
[43]- البخاري ، كتاب المغازي ، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع ( ح /4088 ).
[44]- رواه أحمد(ح/27614  )، مجمع الزوائد للهيثمي ( 10/207) ،وصححه الألباني في صحيح الترغيب ( 1/ 228 ).
[45]- البخاري ، كتاب الصوم ، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له ( ح/1867) .
[46]- البخاري ، كتاب الإيمان  ،  باب الحياء  من الإيمان ( ح/24) .
[47]-  جابر بن عمير الأنصاري ، روى عنه عطاء ابن أبي رباح . الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار لابن قدامة المقدسي ص345
[48]- السنن الكبرى للنسائي (ح / 8940 ) ، قال ابن حجر:إسناده صحيح . الإصابة ( 1/439 ) ، وصححه الألباني في آداب الزفاف ص205.
[49]- مسلم ، كتاب المساقاة ، باب فضل إنظار المعسر  ( ح / 1563) .
[50]- البخاري ، كتاب الحوالة ، باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع (ح/2173)
[51]- البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب قوله : {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( ح/4623 ) .
[52]- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 9/281 ).