مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم


إنها المنزلة السامية .. والمرتبة العالية والمكانة الرفيعة .. فيا قرة عين من حازها ويا فوز من حظي بها ...إنها أمنية المشمرين وطلبة المسابقين ! إنها سعادة القلب إذ لا يشقى بعدها . وراحة الفؤاد فلا يبأس معها ..

أتدري يا أخي المبارك ما هي ؟!

 

إنها مرافقة الحبيب في الجنة صلى الله عليه وسلم .


فهلم أخي يا رعاك الله نتلمس أسبابها ونبحث سوياً عن أبوابها :

ها هو ربيعة بن كعب الأسلمي يحدث فيقول :كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي :" سل ؟. فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة . قال : "أو غير ذلك ؟!". قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود "[صحيح مسلم (3/ 40) برقم (754)]..

جاء في روايات أنه لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فبات ليلته تلك . لم تغمض له عين يتأمل.. ينظر.. يفكر كيف يغتنم هذا العرض السخي وهذه المكرمة فإذا بربه الودود يهديه  إلى المرافقة في الجنة؛ فهي أسمى الأمنيات . وأجزل العطايا وأجل المنن!!

يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيه – أي الحديث – [ الحث على كثرة السجود والترغيب فيه والمراد به السجود في الصلاة ] .وفيه دليل لمن يقول تكثير السجود أفضل من إطالة القيام . وسبب الحث عليه لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وهو موافق لقوله تعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)(العلق: من الآية19) . ولأنه غاية التواضع والعبودية لله تعالى وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه في التراب الذي يداس ويمتهن .

 

أي أخي الذليل بين يدي خالقك ...كثرة السجود .. في صلاة الفريضة والنوافل بتعدادها الوتر والسنن الرواتب والضحى وأربعٌ قبل العصر وقيام الليل وتحية المسجد وركعتا العائد من السفر وركعتا الاستخارة وركعتا التوبة وركعتا الإشراق لمن جلس في مصلاه بعد الفجر . إلى غير ذلك من النوافل وما وراء ذلك من صلاة التطوع المطلق في غير أوقات النهي إنه السجود المتجلية فيه معاني الخضوع والخشوع والدموع . (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران:43) .

 

ولذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر وكربه شأن فزع إلى الصلاة . وكان يقول لبلال :" أرحنا بالصلاة يا بلال "[صححها الألباني : انظر حديث رقم : 7892 في صحيح الجامع].

إنها راحته وأنسه وسلوته وطمأنينته ويزداد ذلك ويتعاظم حال السجود . فهل لنا من السجود أوفر الحظ والنصيب.. اسأل أخي الكريم عن نعمة السجود والأنس فيه من حرمه من معاقين – شفاهم الله – أو كبار سن مقعدين .

لقد كان للسلف رحمهم الله في هذا الباب تنافس عجيب فمنهم من له في يومه مائة ركعة وقد روي ذلك عن الإمام أحمد ورُوي عن غيره أكثر من ذلك .فلنحرص أخي رعاك الله ..
فإن أحدنا لا يسجد لله سجدة إلا رفع الله بها للعبد درجة وحط عنه بها خطيئة . وقد قال صلى الله عليه وسلم :" الصلاة خير موضوع , فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر "[حسنه الألباني : انظر حديث رقم : 3870 في صحيح الجامع].

وتأمل أخي في الله :
أنك بالسجود وكثرته تتوافق مع الكون كله الخاضع لله بالعبودية قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج:18) .

ولنتواصى بكثرة الدعاء والإلحاح به على الله حال سجودنا فهو مظان الإجابة ولنحذر كل الحذر من نقر صلاتنا وسرقتها ..

أخي المسلم ..

أما الباب الثاني من أبواب المرافقة فلعلك حدست معي ما هو ؟!

إنه كفالة اليتيم . قال تعالى . (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان:8) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والوسطى ". والضمير في له أو لغيره عائد على أنه لا فرق بين من يكون من ذوي رحمه كولد ولده أو كان لغيره من غير قرابته .قال ابن بطال رحمه الله :[ حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك ].

وقد قال عليه الصلاة والسلام :" أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أنه تأتي امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك ومن أنت ؟؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي ".[قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح رواته لا بأس بهم،وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (11/ 624) برقم (5374)].

وها هو رجل يأتي الحبيب عليه الصلاة والسلام يشكو قسوة قلبه – مرض العصر إلا من رحم الله – فقال له صلى الله عليه وسلم مجيباً شكاته واصفاً دواءه : " أتحب أن يلين قلبك , وتدرك حاجتك , ارحم اليتيم , وامسح رأسه ,وأطعمه من طعامك , يلين قلبك وتدرك حاجتك "[صححه الألباني انظر حديث رقم : 80 في صحيح الجامع].

فإذا ما عسرت على المرء حاجة وتأبى عليه بلوغها فمرد تيسيرها بعد الدعاء الإحسان على الأيتام " يلين قلبك وتدرك حاجتك ". فالحبيب يقول عليه الصلاة والسلام :" لا تنزع الرحمة إلا من شقي ". [حسنه الألباني : انظر حديث رقم : 7467 في صحيح الجامع]، وفي حديث آخر: " لا يرحم الله من لا يرحم الناس "[متفق عليه: البخاري (6828) و مسلم (2319)].

وهل أحد أولى بالرحمة من يتيم انكسر قلبه وغلبه حزنه قد سهر ليله على فقد والده ظهيره ونصيره والقائم على صلاح شأنه صغيره وكبيره فقد أباه أعطف الناس به وأحناهم عليه أين يا ترى بعد وفاته وفراقه يلقى حنواً كعطفه , ورحمة كشفقته وحرصاً كتربيته , وملاعبة كأنسه , وحجراً ومخدعاً كجواره .

إنه اليتيم الذي تراه يوم تراه غلاماً صغيراً قد بدت عليه براءة الطفولة تبصره .. فلا تراه إلا مهيض الجناح , كليل الظفر , مخضود الشوكة مستكين النفس , لين القناة , يتلمس فيمن حوله في كل مناسبة وعند كل موقف , يداً حانية تحسن إليه , وصدراً رحباً يتسع له , وفؤاداً رؤوفاً يعطف عليه ..

ومن العجب أن ترى يتم أبناء وهم بين ظهراني والديهم!!

فالأب مشغول والأم لا يند عنها مجلس نساء ولا زيارة إفطار ولا حفلة زواج , وقد أسلما فلذات أكبادهم إلى خادمات الله أعلم بأخلاقهن وحالهن حتى صدق فيهم قول الشاعر :.
 

ليس اليتيم من انتهى أبواه   من        هم الحيـاة وخلفـاه    ذليـلاً.
فأصاب بالدنيا الحكيمة منهما .        .وبحسن تربية الزمان   بديـلاً.
إن اليتيم هو الذي تلقى لـه   .        .أما تخلت أو أبـاً مشغـولا   ً

ومن اليتم من قدر لحياتها الزوجية ألا تستمر فطلقت وبقيت عانساً حتى تطاول بها العمر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

أخي في الله :

ألا إن أعظم اليتم وأبلغه أسى ولوعة حرقة وألماً ما يعيشه آلاف بل قل ملايين من أبناء المسلمين ممن شردتهم الحروب وأنهكتهم المجاعات وتسلط عليهم الأعداء لا مأوى لهم إلا العراء .. وليتهم يوم أن فقد الأمهات والآباء نجوا من جمعيات الطفولة النصرانية الكنيسه والتي أخذت تحملهم إلى هناك حيث ديار الكفار لتمسخ أخلاقهم الإسلامية وتذوب هويتهم الإيمانية ، ناهيك عما قد ينزل بساحتهم من متاجرة بهم وبيع لهم على عصابات الإجرام وتوظيفهم سخرة في الأعمال البنائية والصناعية الشاقة .


وشاهد ذلك قد مثل للعيان في المشردين واليتامى من أطفال المسلمين في سراييفو وكوسوفا والشيشان وأفغانستان والصومال والقارة السوداء عموماً , وأيضاً لمن حلت بديارهم كوارث الزلازل والبراكين والفيضانات .
 
فهنيئاً لمن كفل يتيماً بل أيتاماً أو دل على ذلك وأرشد فالدال على الخير كفاعله أو اشترك مع غيره في ذلك إن ضاقت به وأعسرت ذات اليد . ثم هنيئاً لمن قدر على ذلك فكان سراً بينه وبين الله .. فلعلها خبيئة العمل التي بها ينال رضوان الله سبحانه عز في علاه .
 
والحمد لله قد هيأ الله لنا من جمعيات الخير والصلاح والنهوض بشيء من هذا الواجب في أقطار وبقاع شتى من العالم كمؤسسة الوقف الإسلامي ودار الأيتام والندوة العالمية للشباب الإسلامي وغيرها من المؤسسات الخيريةالمنتشرة في بلاد العالم ...

فإلى هاتيكم النفحات فلنغتنمها لنحظى هناك برفقة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

ومن المراتب السامية العالية الرفيعة مما هو قريب من ذلك :

حسن الخلق ولعلي وأخي المبارك لا يغيب عنا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه :" أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً "[حسنه الألباني : انظر حديث رقم : 1176 في صحيح الجامع] .
 
وحسن الخلق يكفيه شرفاً ومنزلة أنه أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة ..