حتى . . لا نصبح بلا وطن


 

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى العقلاء . .

حتى . . لا نصبح بلا وطن

 

قال الله تعالى : {..حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)}سورة يونس.

 

عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ( نعم إذا كثر الخبث )متفق عليه .

وحب الوطن من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها ، فليس غريباً أن يُحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه ، وشبَّ على ثراه ، وترعرع بين جنباته ، وخاصة وطننا ، مهبط الوحي ، وقبلة المسلمين ، ومهوى أفئدة المؤمنين ، وأرض الحرمين الشريفين ، فإذا كان الناس يُحبون أوطانهم ، فنحن أشد حباً لوطننا ، وهذا الحب لا مُزايدة عليه ولا مُساومة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في سياق هذا الحب العميق الذي يمتد عبر التاريخ

( اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد وانقل حماها إلى الجحفة اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا ) رواه البخاري.

 

وسيبقى هذا الحب ويدوم ما دامت السموات والأرض حياً في قلوب المؤمنين ، ويتصل هذا الحب والولاء والطاعة لقادة هذه البلاد المباركة ، والذين أعطيناهم صفقة أيماننا وثمرة قلوبنا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يمينه وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) رواه ابن ماجه و أحمد .

 

وهذا الحب لوطننا وولاة أمرنا ، معناه عند كل عاقل فضلاً عن مؤمن : الولاء والبناء والعطاء والإيجابية والنصح والتعاون في كل ما فيه مصلحة الوطن وأهله ومن يعيش فيه وعلى رُباه . وأقل درجات ومعاني هذا الحب : أن يكف الإنسان شره وعبثه عن الوطن وسلامته وأمنه أو الإضرار بمصالحه وأهله .

 

وتوحيد وطننا المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس رحمه الله نعمة عظيمة  حقها الشكر لله القائل: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } وبشكرنا لربنا تزداد النعم علينا ، وبكفر وجحود هذه النعم ومسديها ، يكون العذاب الشديد ، نعوذ برضا الله من سخطه وبعفوه من عقوبته .

 

وما عشناه في الأيام القريبة الماضية من مناسبة اليوم الوطني 82 ، وما رافقه من تصرفات لا أخلاقية وغير مسؤولة وسلوكيات مشينة وممارسات خاطئة من البعض ، هي في الحقيقة صورة من صور الجحود والذنوب والمعاصي ، ومنها ما وصل لكبائر الذنوب ، والذنوب هي من أعظم أسباب زوال الأمم والدول والمجتمعات ، بل قد تكون سبباً في اجتثاثها وذهابها بالكلية ، وقد نصبح بلا وطن ، بما تجنيه أيدي السفهاء ، وسكوت العقلاء . قال الله :{ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)}سورة العنكبوت.

 

والكل قد رأى وسمع ما حصل من تجاوزات مؤسفة باسم الوطنية والمواطنة ، وهذه التجاوزات وصور العبث آخذة في الزيادة كماً وكيفاً عاماً بعد عام  ، ووصلت إلى أحداث لا تُحمد عقباها ، ومما أججها وطبعها بطابع الرسمية وأنه مأذون لها مسموح بها ، ما تزامن معها من أيام الإجازة والسهر حتى الصباح . فحصل من صور القتل شبه العمد من بعض المتهورين بسياراتهم ، وكذلك التعدي على الحرمات وانتهاك الأعراض ، والسرقة وسلب الأموال ، والتعدي على المال العام ، وقطع الطريق ، وإزعاج السلطات والناس ، والإخلال بالأمن والآداب العامة ، مما يتطلب من العقلاء والغيورين على دينهم ووطنهم أن يتصدوا لكل عابث وأن يتواصوا مع ولاة أمرهم بالحق ويتواصوا بالصبر ، والله يقول : {  وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} قال ابن عباس رضي الله عنهما : (أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب ) .

 

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  : ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغِّيِروه ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ ) رجاله رجال الصحيح  ، وذلك هو الحب الحقيقي للوطن وأهله ، بحب استقراره واستدامة أمنه ورخائه ، ونجاة أهله وسلامتهم وصلاح أحوالهم ورغد عيشهم وبحبوحة أرزاقهم ، ووجب على الناصحين أن يصبروا ويصبروا وينصحوا ويخلصوا متجملين بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، كما يقتضيه الحال ، قال صلى الله عليه وسلم :(مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ) رواه البخاري ، وذلك هو الفلاح الذي قال الله عنه : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، ولنتذكر ذلك جيداً ولا ننساه ، أن الله أنجى الذين ينهون  عن السوء ، فالله يقول : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ..(165) }سورة الأعراف.

 

فإلى أدعياء الوطنية ( زوراً وبهتاناً ) وهم يعبثون بالوطن وأمنه ومقدراته ، نقول لهم : كفوا وقفوا عن ممارساتكم الخاطئة وتجاوزاتكم الآثمة ، حتى نحفظ قيمنا ووطننا .

 

اللهم احفظ علينا أمننا وعقيدتنا وقيادتنا ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاءاً رخاءاً ، يارب العالمين  .