الإنسانية


اهتم بها البشر منذ القدم حتى ألفوا فيها مؤلفات وقوانين وقصائد وفلسفات ، واستمر اهتمامهم بها حتى أنشأوا لذلك كليات الآداب والعلوم الإنسانية، وتخصصات علم النفس، بل وحقوق الإنسان.

 

وتكاثر كلام الذكور والإناث حول الإنسانية بين حق وباطل، فعرف من عرف، وجهل من جهل، واحتار من احتار  ولأننا مؤمنون سنأخذ المفاهيم الإنسانية من المصدر الأساس وهو القرآن وهو كلام ربِ الإنسان ، فالرحمن خلق الإنسان ، وهو الذي برأ روحه ؛ فمهما تفرعت دروب أعماق الإنسان فالله عليم بذات الصدور ، قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]

 

فتعالوا بنا نقرأ القرآن، ونستعرض بعض الآيات التي تحدثت عن حقيقة الإنسان لنرى كيف يبينها الله لنا، وكيف يرشدنا الله للتعامل معها.

الإنسان الأول مخلوق من الأرض..من ترابها وطينها..{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12]

 

فكل نظرية مخالفة لهذه الحقيقة القرآنية خاطئة ووسوسة شياطين؛ لأن الذي أخبر بهذه الحقيقة هو خالق الإنسان وباريه، ولأن الأراضي تختلف فكذلك اختلف البشر،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَصْفَرُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ (لأنها أساس الألوان وإذا خلطت أعطت ألوانا جديدة) وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ ، وَالْخَبِيثُ وَالطِّيبُ ).والحديث أخرجه الترمذي (2955) وابن حبان: ( 6160 ) ، وصحّحه الألباني في" الصحيحة " (1630).

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  أن الإنسان بخيل يقتر على نفسه...{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا } [الإسراء: 100].

 

وصفات كالتقتير والبخل ونحوها هي صفات ذمها الله ، وكذلك في الطرف الآخر ذم الله أيضا التبذير والإسراف ، فلا يصح التطرف ، وإنما حثنا الله على التوسط بين الطرفين، فلا نقتر ولا نبذر، وإنما نتصدق على المحتاجين، ونكرم الضيوف، ونعطي كل ذي حق حقه ونحو ذلك، قال الله سبحانه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26]

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان ظلوم جهول...{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]

 

فصفة الظلم والجهل أصل في بني الإنسان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (14/ 38) :" ... وَالْإِنْسَانُ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا؛ فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَمَيْلُهُ إلَى مَا يَهْوَاهُ مِنْ الشَّرِّ؛ فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إلَى عِلْمٍ مُفَصَّلٍ يَزُولُ بِهِ جَهْلُهُ، وَعَدْلٍ فِي مَحَبَّتِهِ وَبُغْضِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَإِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ..." انتهى كلامه رحمه الله، والذي يدل على أن الإنسانية ستجهل على نفسها فتظلمها مالم تكن مسلمة تتلقى كلمات من ربها لتُهدى للتي هي أقوم.

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان عجول...قال الله سبحانه: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11].

فالعجلة صفة في بني الإنسانية ، وفي صحيح مسلم أن الإنسان  (خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ) فهو يستعجل في طلب الشيء بلا تفكر في صلاحه من فساده، بل يسعى إليه بمجرد ذكره .

 

والعجلة صفة ذمها الدين ، بل حتى على مستوى الدنيا، فلكم أن تتخيلوا حجم الكوارث عندما تسرع الأشياء بغير طبيعتها، مثلُ ساعةِ يدٍ ،أو انفراطِ تروسِ سيارةٍ، أو زيادة حرارة ونحو ذلك.

 

ولذا لا تكاد  تجد فشلا محليا أو مصيبة عالمية إلا كان للعجلة دور فيها ، وقد أرشد الله البشرية إلى علاج العجلة، وذلك بالتأني والسكينة والحلم، وأمثال هذه الصفات الطيبة التي تضاد العجلة ، كما مدح الله عباده فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا).

فالعجلة مذمومة حتى في طلب إجابة الدعاء ، ففي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي).

 

أما أشنع أنواع العجلة فهي التي يقدم فيها الإنسان دنياه الناقصة الفانية على آخرته الكاملة الباقية، قال الله سبحانه: ({كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } [القيامة: 20، 21]

وقال الله عز وجل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60]

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان يطغى إذا شعر بالاستغناء...يقول الله سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [العلق: 6 - 8]

فعندما يرى الإنسان نفسه مستغنيا عن المخلوق والخالق يطغى على غيره؛ والعجب من هذا الإنسان إذ كيف يستغني عن الله وإليه سيرجع؟ { كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}.يقول ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (1/ 50):"وَإِلَّا فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجُونَ ، لَكِنْ يَظُنُّ أَحَدُهُمْ نَوْعَ اسْتِغْنَاءٍ فَيَطْغَى . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَلَّا إنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى } { أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } ".

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان معوج التفكير في كثير من أموره ، وهذا مثال على ذلك:

{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15، 16]

فإذا أنعم الله على الإنسان ظنَ أنه كريم عند الله وأن له جاها ومنزلة ، ولم يدر أن الغنى ابتلاء وليس لكرامة الغني.

 

وإذا أفقر الله الإنسان ظن أن الفقر علامة على أنه مهانٌ عند الله فليست له قيمة ، ولم يدر أن الفقر ابتلاء ، ولا يدل على أن الإنسان مبغوض عند الله.

فانظروا كيف عدل الله تفكير الإنسان بأن الفقر والغنى ابتلاء لا يدلان على محبة ورضى الله.

وانظروا كيف يقوم القرآن تفكير الإنسان المعوج، وصدق الله سبحانه عندما قال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]

وقس على هذا كثيرا من الأفكار المعوجة لدى البشر.

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان مكابد...{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ } [البلد: 4]

 

فالإنسان دائما يكابد سواء في خير أو في شر، أو لعب أو جد {يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6]

فإذا كان الإنسان مخلوق للكبد فمشاريع الكسل وغلو الرفاهية لن تناسب تكوينه، وإذا كان الإنسان سيكابد ولا بد ، فليجعل كَبَده في الخير لا في الشر.

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  : الإنسان مجادل بطبعه...قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]

 

وللتوضيح: فعندما يتبين الحق فالجدل وقتها يقود إلى ضد الحق وهو الضلال؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ :{ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني.

فإذا رأيت الشر باقيا في بقعة من الكرة الأرضية؛ فاعلم أن طائفة يجادلون في الحق بعدما تبين؛فانظر كيف عالج الله الإنسانية وأرشدها إلى ترك الجدل والانصياع للحق.

 

- من التعاريف الإنسانية القرآنية:  الإنسان يكفر ويجحد نعم الله ...قال الله عز وجل: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }[إبراهيم: 34]

وكفر الإنسان يكون واضحا في لحظات رخائه عندما يكون مترفا ثريا، أما في لحظات شدة الضراء فإن الطبع الإنساني يترك الكفر ويعترف بنعمة الله ، يقول الله سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)} [الزمر: 8]

ويقول الله سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]

ويقول الله سبحانه: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48]

وهذا الكفر هو الجحود وهو الكنود ، قال الله عز وجل: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} [العاديات: 6، 7]

علما بأن صفة الكفر الموجودة في الإنسان صفة قبيحة جدا ، ذمها الله حتى قال سبحانه: { قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]

والآن مع هذا السؤال/ لماذا يكفر الإنسان بالله واليوم الآخر؟

المجيب هو / الذي خلق الإنسانية وهو العالم بخفاياها ، يقول سبحانه:{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)}

كالملحد يصرح بالكفر ويصرح بأن كفره لأجل أن يعمل ما يشاء في حياته بدون محاسبة، { يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)} [القيامة: 1 - 15]

وفي خاتمة السورة يقول سبحانه:  {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)}.

 

وإذا كفرت النفس الإنسانية بنعمة الخالق فلا عجب أن تكفر بنعمة المخلوق؛ فكم من أناسي كثير يسيرون في قارات العالم  وهم كفار بنعمة المخلوق؛ ولذا كان يوصي الله الإنسان بمراعاة نعمة المخلوق وأولهم الوالدين، {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } [العنكبوت: 8]

ولأن كفر الإنسان كثير فهو دائما يحتاج للتذكير، والقرآن قام بذلك أعظم قيام ، وهذه أمثلة لذلك التذكير

{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24]

 

{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5]

 

{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67]

 

{ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ } [الحج: 66]

 

وإذا لم يتذكر الإنسان الآن فسيتذكر يوم القيامة؛{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} [الفجر: 23]، {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (3}[النازعات: 35]، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4)} [الزلزلة: 1 - 4]

 

يقول ابن القيم رحمه الله: " إن الإنسان لفي خسر، و إن الإنسان لربه لكنود، و إن الإنسان خلق هلوعا، و إن الإنسان ليطغى؛ أن رآه استغنى، و إن الإنسان لظلوم كفار، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا؛ فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه ، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه لا من ذاته ، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات ، وما به من نعمة فمن الله وحده ، فهو الذى حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان، وهو الذي يثبت أنبياءه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء، وكان يرتجز بين يدي النبي..  والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا"الروح (ص: 126)

صدق ابن القيم رحمه الله، ومصداق كلامه من القرآن كثير، كقوله سبحانه: { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)}.

الإنسان خاسر بدون الله...الإنسان دائما خاسر فيدله الله على الربح وعدم الخسارة{ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}.

فالإنسان خاسر بدون الله والقرآن والدين.

 

- وكذلك الإنسان ضعيف؛ قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 27، 28]

ولأننا ضعفاء فإرشادات الله عز وجل تخرج النفس من الظلمات إلى النور ، قال الله سبحانه:{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ}.

فعليكم أيها الناس بالقرآن إذا أردتم معرفة حقيقة النفس وما يصلحها وما يفسدها؛ فالقرآن يحذرنا من الصفات البشعة مثل التقتير والجدل والجحود والطغيان والعجلة.

 

وكخاتمة فانظروا كيف يبين الله لنا حقيقة النفس ويبين ما يصلحها،  ففي سورة المعارج يحذر الإنسانية من الجزع والمنع، ويدل الله الإنسانية إلى ما يمنعها من المنع والهلع ، يقول الله سبحانه:

 

 

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } [المعارج: 19 - 35]