قراءة في تاريخ الحركة الصهيونية


الحمد لله يعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير..وبعد:

فكم يألم المسلم لما يقرأ، ويسمع، ويرى حول ما يجري من أحداث متتابعة ومتعاقبة تعاقب الليل والنهار على أرض فلسطين، أرض المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والتي كانت إليها القبلة قبل تحويلها إلى الكعبة ، ومسرى خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ حيث حكومة صهيونية ظالمة ، لاتقدير عندها لمقدسات المسلمين، ولا حرمة لدمائهم، ولا مراعاة لحقوقهم !

الأمر الذي يجعلنا نخاطب العقل الواعي لكل مسلم : إذا عرفت شيئاً يسيراً من تاريخ الحركة الصهيونية؛ فماذا تتوقع مستقبلها ؟!

 

فتعال نقلب صفحات التاريخ؛ لتعش مع القضية بفكر ناضج، ونفسية مؤمنة بما جاء في القرآن الكريم من وصف لهذه الأمة، فيثمر موقفاً واعياً حكيماً وشجاعاً.

 

مولد ونشأت الحركة الصهيونية :

الصهيونية تعني (محبي صهيون Lovers of zion) ، وصهيون اسم جبل يقع جنوب القدس.

وكانت بداية الصهيونية على شكل هيئة، نشأت في مدينة أودسا ( من أكبر مدن جمهورية أوكرانيا اليوم، وتقع على ساحل البحر الأسود ).

وكان يهود روسيا أكثر اليهود حماساً لهذه الهيئة؛ فقد كان يحضر اجتماعاتها شخصيات متحمسة من رجال العلم والزعماء الاشتراكيين ، يتزعمهم: ليون بنسكرLion Pinskr ( طبيب روسي )، ومن أبرزهم : أحد عاهامAchad ha-am.

 

وكانت أهداف هذه الهيئة تتلخص في :

1ـ تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين.

2ـ إنشاء مستعمرات زراعية.

3ـ بعث الثقافة اليهودية، عن طريق إحياء اللغة العبرية، ونشر التاريخ اليهودي .

ونتيجة لنشاط أعضاء هيئة محبي صهيون وحماسهم؛ انتشرت فروعها في معظم المدن الروسية، ودول شرق أوروبا ورومانيا، وغرب وشمال أوروبا، وفرنسا وانجلترا .

 

وقامت بخطوة عملية عام(1299 هـ - 1882م )؛ فطلبت شخصيات يهودية، وأعضاء من حركة محبي صهيون من قنصل الدولة العثمانية في" أودسا " منح اليهود تصريحات لدخول فلسطين، والاستقرار فيها؛ فجاء الرد من الدولة العثمانية (في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ) بالرفض، وأنه غير مسموح لهم الاستقرار فيها.

وفي عام(1300هـ - 1883م )قامت الدولة العثمانية من باب تأكيد موقفها الرافض لهذا المطلب بإجراء دبلوماسي ؛ حيث أرسل الباب العالي ( مجلس الوزراء ) مذكرة لرؤساء البعثات الدبلوماسية في استانبول بنص قرار مجلس الوزراء بمنع استيطان اليهود الروس في فلسطين .

ولكن اليهود لم ييأسوا، فحركوا زعامات الدول الأوربية للضغط على الدولة العثمانية، ونجحوا في ذلك.

ونتيجة لضغط الدول الأوربية عام(1301هـ - 1884م )على العثمانيين؛ أصدر الباب العالي تعليمات جديدة بالإذن لليهود في دخول فلسطين؛ من أجل زيارة الأماكن المقدسة، بشرط ألا تطول إقامتهم عن ثلاثين يوماً.

 

وكان هذا النجاح اليهودي دافعاً لهم لعقد المزيد من التجمعات والمؤتمرات، ومن ذلك :

 

مؤتمر كاتووتيز:

عقدت جماعة محبي صهيون( والتي تعتبر مقدمة قيام الحركة الصهيونية )عام(1301هـ - 1884م ) مؤتمر كاتووتيز في مدينة يسنك، حضره أربعة وثلاثون عضواً، ورأسه ليون بنسكر، وبدعم من شخصية إنجليزية اهتمت اهتماماً بالغاً بتوطين اليهود في فلسطين ، هو موسى مونتيفيور، حيث قدم مبالغ كبيرة للنهوض باليهود.

 

ويرى زعماء الصهيونية أن هذا المؤتمر يعتبر من الناحية التاريخية البداية المنظمة " للحركة الصهيونية " ، وقد خرج المؤتمر بدعم المستعمرات اليهودية الزراعية في فلسطين .

 

وفي عام ( 1305هـ - 1887م )، زاد ضغط الدول الأوربية المتعاطفة مع اليهود على الباب العالي؛ للتخفيف من الشرط الزمني لإقامة اليهود في فلسطين؛ فاستجاب الباب العالي لتلك الضغوط ، ومدد زمن إقامة الزوار اليهود إلى ثلاثة شهور بدلاً من شهر واحد.

 

وبتوالي هذه النجاحات للحركة الصهيونية أصبح هدفها المعلن : عودة اليهود المشتتين في أنحاء العالم إلى بيت المقدس، وتأسيس دولة يهودية في فلسطين .

 

السلطان عبد الحميد يجري تعديلاً إدارياً لبيت المقدس :

 

كان بيت المقدس يتبع إدارياً ولاية الشام، ولكن أمام تزايد أطماع اليهود فيها، وشعور السلطان عبد الحميد بذلك؛ فقد أجرى تعديلاً إداريا في عام ( 1305هـ - 1887م )، فأصدر أمراً بتحويل فلسطين إلى متصرفية ( أي تلي الولاية في الترتيب الإداري )، ومعنى ذلك أن بيت المقدس أصبح قسماً إدارياً مستقلاً بذاته تابعاً للباب العالي في استانبول مباشرةً، وعين محمد شريف رؤوف باشا متصرفاً على القدس، وكان يسارع بإخراج اليهود بمجرد نهاية الثلاثة شهور، ويمنع بيع الأراضي لليهود.

 

ورغم هذه الإجراءات الاحترازية من الدولة العثمانية زاد نشاط الهجرة السري لليهود، وقامت جماعة " بني موسى" من حركة محبي صهيون عام ( 1309هـ - 1891م ) بإنشاء مستعمرة " ديشوفوت"، وقامت بنشاط واسع في مجال التعليم ؛ فأنشأت أول مدرسة عبرية للبنات في يافا، ثم مدارس عبرية في القرى الزراعية، وكان نشاطهم يركز على الجوانب الثقافية.

 

ونتيجة لهذا النشاط وجه أعيان القدس شكوى إلى الباب العالي يطلبون اتخاذ إجراءات فعالة لمنع دخول اليهود الأجانب، وشرائهم الأراضي؛ فاستجاب لهم وأصدر في عام( 1310هـ - 1892م) قانوناً يمنع بيع أراضي الحكومة على اليهود بكافة جنسياتهم، حتى ولو كانوا رعايا عثمانيين .

 

وكان اليهود في ظل هذه الظروف يجدون الدعم المادي الذي كان له الأثر البالغ في نجاح مخططاتهم؛ فقد قام الثري اليهودي الفرنسي البارون إدمونددي روتشيلد ( 1845م- 1934م ) بدعم وتقديم منح سخية للمستعمرات طيلة خمسين عاماً، كما أسس مستعمرة تدعى عكرون في الضفة الغربية .

 

وكان ليون بنسكر قد قام بدور كبير في تشجيع حركة هجرة يهود روسيا، الذين كانوا يتعرضون لاضطهاد الروس، واقترح تكوين شركة يهودية تجمع أعضاء مجلس الإدارة وأثرياء اليهود، ثم توجه بتفكيره السياسي إلى كسب دعم الحكومات الأوربية وغيرها وموافقتهم على إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين .

 

المؤتمر الصهيوني الأول عام( 1315هـ - 1897م ):

وكمؤشر لتنامي قوة الحركة الصهيونية عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا، نادى إليه تيودور هرتزل ( الصحفي النمساوي اليهودي )، واستمر لمدة ثلاثة أيام ، حضره ( 150) مندوباً من اليهود من أنحاء العالم، وكانت قراراته:

1- إنشاء دولة يهودية في فلسطين .

2- إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية.

3- تقوية الروح القومية اليهودية.

4- تدريس ونشر اللغة العبرية.

ثم وضع شعار العلم الرسمي للدولة، ونشيد قومي لها، وأن يدفع كل يهودي ينضم للحركة مبلغاً زهيداً " شيكلاً واحداً " في السنة .

 

وزاد نشاط المنظمة الصهيونية ( z . w . o ) في العالم وامتد؛ حيث أسست جمعيات صهيونية جديدة :

1- 738 جمعية في أوربا .

2- وجمعيتين في مصر .

2- 50 جمعية في أمريكا ( 26 في نيويورك، حيث كانت معقلاً لهم، و8 في شيكاجو وبقية المدن الأمريكية ) .

أما هرتزل فكان من أخطر زعماء الصهيونية في العالم؛ فقد كان يسعى سعياً حثيثاً في حشد أكبر عدد ممكن من الدول ومنها العظمى لمناصرة حركته، وجعل من أهدافه الاتصال بالسلطان عبد الحميد ومقابلته، وخطط لجعل العجز المالي الذي تمر به الدولة العثمانية في ذلك الزمن فرصة لإغراء السلطان، ومساومته على تهويد فلسطين.

 

وعندما علم السلطان عبد الحميد بتواصل الهجرة اليهودية ؛ أصدر فرماناً جديداً ( أمر،أو قرار، أو مرسوم ) عام ( 1318هـ - 1900م ) يحدد مدة الإقامة بثلاثة شهور؛ فغضب اليهود، وثارت ثائرتهم؛ فدفعوا الحكومات الأوربية وغيرها ؛ فاحتجت إيطاليا، وبعدها سفير أمريكا عام ( 1319هـ -1901م )، وكذلك بريطانيا على صدور هذا الفرمان.

 

ونتيجة لهذه الضغوط ؛ رأى السلطان عبد الحميد كي يخفف من حدة هذه الاحتجاجات، أن يسمح بمقابلة هرتزل زعيم الحركة الصهيونية في قصره .

وتمت المقابلة في عام ( 1319هـ -1901م )، وتكرر اللقاء ثلاث مرات، وكان السلطان أدهى من أن يستجيب لهرتزل؛ فكان مستمعاً أكثر منه متكلماً، وكان يساير هرتزل ليخرج له كل مافي جعبته، ولاحظ أنه يتلاعب بالألفاظ ليخفي حقيقة أهدافه ، وبعدما تكشفت أوراقه؛ رفض السلطان مقابلته بعد الثالثة، ورد قائلاً لمن عرض عليه الرشوة " مليوني جنية " مقابل فلسطين :

" انصحوا هرتزل بأن لا يتخذ خطوات جديدة في هذا الموضوع؛ إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض ؛ فهي ليست ملك يميني، بل ملك شعبي ؛ لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ، ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم . وإذا مزقت إمبراطوريتي يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني أهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي..وهذا أمر لا يكون، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة ".

 

أخذ اليهود بعد هذه المحاولة خطوة جس نبض للدولة العثمانية؛ فعقدوا أول مؤتمر لهم في فلسطين عام ( 1319هـ -1901م )، هدفه توحيد صفوف يهود فلسطين، والقضاء على ما يسمى " الوطن البديل" لأرض الميعاد، أي طالما أن الدولة العثمانية تضع العراقيل أمام هجرة اليهود إلى فلسطين..فلا مناص من اختيار وطن بديل يكون موطناً للدولة اليهودية المرتجاة.

 

وعندما تنبهت الدولة العثمانية لذلك؛ منعت قيام هذا المؤتمر، فلم ينعقد بعد ذلك في فلسطين ولم تجتمع لجانه .

ورغم هذه الجهود العثمانية في مقاومة وإحباط المشروع الصهيوني، إلا أن الحركة الصهيونية مضت في مخططها، فأخذت تعقد مؤتمراتها في أوربا، وتتولى عمليات شراء الأراضي العربية وتمويل عمليات الشراء، وتوزيع الأراضي على فقراء المهاجرين؛ بهدف زيادة الكثافة السكانية لليهود. ولم تبالِ بقيود السلطان؛ فقد كان لتصعيد الدول الأوربية الأزمات السياسية أمام السلطان بحجة رعاية مصالح رعاياها أثره في إعطاء فرصة للصهاينة في التسلل ومتابعة تنفيذ مخططهم .

 

وفي عام ( 1319هـ -1901م ) أنشئ الصندوق القومي اليهودي ( كيرن كايمت )، والذي وزعت صناديقه في معابد ومدارس اليهود في العالم .

 

وفي عام ( 1320هـ -1902م ) تأسس بنك أنجلو فلسطين في لندن، وفتح أول فرع في القدس سنة( 1321هـ - 1903م )، وكان يدعم مشروع الاستيطان وبناء المستعمرات خفية، وهو اليوم بنك إسرائيل الرئيسي .

ويعود هرتزل عام ( 1320هـ -1902م ) بمحاولة جديدة مع السلطان عبد الحميد ، حيث تقدم بطلب الإذن بإنشاء جامعة عبرية في القدس، وبرر في مذكرة الطلب إنشاء الجامعة بمبررين:

الأول : عدم تعريض الطلاب العثمانيين في أوربا لأخطار الغوايات السياسية؛ فيعتنقون آراء ثورية يطالبون بتطبيقها في الدولة بعد عودتهم .

أما الثاني : فمن أجل حماية الطلاب العثمانيين الذين قد يبتعدون عن التقاليد الإسلامية أثناء دراستهم في أوربا ، ويفتتنون بالانحلال هناك .

ولكن السلطان عبد الحميد رفض المشروع جملة وتفصيلا؛ لأنه رأى فيه تمكيناً للحركة الصهيونية في فلسطين.

حينها تحول خيار إزاحة السلطان عبد الحميد عن طريق مخططهم حلماً يسعون لتحقيقه؛ فرأوا في يهود الدونمة خير معين لهم في تحقيقه، يبرهن على ذلك أنه عندما نجح رجال جمعية الاتحاد والترقي في عزل السلطان عبد الحميد عن الحكم عام(1327هـ 1909م)، كان أحد اللجنة المكونة من أربعة أشخاص والمكلفة بتبليغ السلطان قرار عزله رجل يهودي اسمه " إيمانويل قراصو" وهو محامٍ من إسبانيا، كان من أوائل المشتركين في حركة تركيا الفتاة، وعملت جمعية الاتحاد والترقي بنجاح على تعيينه في المجلس النيابي العثماني نائباً عن سلانيك مرة وعن استانبول مرتين؛ فقال السلطان حين رآه: ما هو عمل هذا اليهودي في مقام الخلافة ؟ وبأي قصد جئتم بهذا الرجل أمامي؟" ، ونجح بعض اليهود في التسلل إلى مراكز مؤثرة في مجالس الجمعية التي كانت تسيطر على إدارة الحكم في الدولة بعد إسقاط السلطان؛ الأمر الذي أضعف موقف الدولة في الحد من هجرة اليهود إلى فلسطين .

 

ورغم وفات هرتزل عام ( 1322هـ - 1904م)، إلا أن مشروع الجامعة ظل مطروحا وحياًّ في نفوس زعماء الحركة الصهيونية ، وقد تحقق لهم ذلك وأكثر منه عندما أعلن وزير خارجية بريطانيا عام( 1335هـ - 1917م ) " بلفور " في تصريح خطير أمام مجلس العموم البريطاني جاء فيه:

" ترجو حكومة حضرة صاحب الجلالة أن يكون إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين من بين نتائج الحرب العالمية الحالية " الحرب العالمية الأولى.

 

وفعلاً لما هزمت بريطانيا الجيش العثماني في فلسطين في الحرب العالمية الأولى عام ( 1336هـ - 1918م )، أخضعت فلسطين للحكم العسكري ، وفي هذه الفترة بذل رئيس البعثة الصهيونية حاييم وايزمان جهوداً كبيرة لتوافق لندن على وضع حجر الأساس للجامعة فنجح ، ووضع حجر أساس الجامعة العبرية سنة ( 1336هـ - 1918م ) ، كان أساسه اثني عشر حجراً على عدد أسباط بني إسرائيل ، وافتتحت الجامعة في حفل عالمي عام( 1344هـ - 1925م )، حضره بلفور نفسه .


وعند إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين عام( 1339هـ - 1920م )، حدثت الزيادة الرهيبة للهجرة الجماعية الضخمة إلى فلسطين؛ حيث تكاتفت بريطانيا والصهيونية على إغراق فلسطين باليهود وفاءً بوعد بلفور، وتنفيذاً لنص صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم المتحدة ، فتنامى عدد اليهود في فلسطين من ( 50 ألف عام 1918م إلى 600,000ستمائة ألف عام 1366هـ - 1947م ) ؛ حيث شجعت الهجرة، وأعدت معسكرات الإعداد والتأهيل العقائدي والنفسي والعسكري في دول أوربا لمريدي الهجرة، وكانت معسكراتهم تعرف باسم " الهاخسراه" ، وكان من يتم تدريبه ينضم إلى فرق " الحالوتسيم " ، أي الطلائع الذين قام الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ثم دولة إسرائيل على سواعدهم.

 

وأخذ عدد المهاجرين إلى فلسطين يتزايد، ومن أجل إجبار سكان فلسطين من العرب المسلمين على النزوح منها، وقمع أي حركات جهادية؛ كونت جماعات ومنظمات قامت بعمليات إرهابية ضد الفلسطينيين العزل من السلاح ، من أهمها : منظمة الهاجانا، والهاشومير(فرق الحرس)، وفرق البالماخ( الصاعقة)، والأرغون، وعصابة شتيرن، ومنظمة كاخ. وقد قامت هذه الفرق والمنظمات بمهاجمة القرى والمدن لإرهاب أهلها، وطردهم وإجبارهم على النزوح خارج فلسطين، وارتكبت المجازر الوحشية كالتي حدثت في دير ياسين قرب القدس ، ومذبحة بئر السبع، ومجازر صبرا وشاتيلا. وكانت هذه الجماعات والفرق النواة التي تكون منها الجيش الإسرائيلي .

 

ونتيجة هذه الأوضاع المأساوية قامت حركات جهادية من قبل الفلسطينيين المسلمين تقاوم وتدافع عن حقها المسلوب ، كان من أبرز تلك الانتفاضات ثورة عام ( 1339هـ - 1920م )، وثورة عام(1348هـ - 1929م)، والثورة الكبرى عام ( 1355هـ - 1936م)، التي لاقت قمعاً شديداً من الانتداب البريطاني آنذاك .

 

وفي ظل تصاعد الأحداث في فلسطين، رأت بريطانيا طرح فكرة تقسيم فلسطين ، فأخرجت مشروعها وتقدمت به إلى هيئة الأمم المتحدة لتصدر فيه قرارها، ونتج التصويت بالموافقة على التقسيم؛ فصدر قرار تقسيم فلسطين عام (1366هـ - 1947م )، فطار الصهاينة فرحاً به؛ لأنه يعتبر اعترافاً من هيئة الأمم بحق اليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين؛ فكان بمثابة ولادة دولة إسرائيل، وسارعت الدول الغربية بالاعتراف بالدولة اليهودية .

 

أما الفلسطينيون المسلمون فرفضوا هذا القرار أشد الرفض، وساندهم في هذا موقف الحكومات العربية والإسلامية الرافضة للتقسيم.

 

وبعد نجاح اليهود في استصدار هذا القرار الذي ساعدهم في الوصول إليه الدول الغربية بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية القوة الصاعدة على ساحة الأحداث والحاملة للإرث الضخم الذي تركته لها بريطانيا التي أنهكتها الحرب العالمية الثانية ، بعد هذا القرار ضاعف اليهود الجهد لتثبيت قواعد دولتهم والإعلان عنها ؛ فثارت الاضطرابات بين سكان فلسطين العرب العزل من السلاح ، واليهود المسلحين والمدربين بما في ذلك منظماتهم القتالية، وزاد الأمر سوءاً على المسلمين في فلسطين أخذ الصهاينة لمواقع سلطات الانتداب البريطاني، والتي أخذت تخلي مواقعها استعداداً لإعلان إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بشكل رسمي، بل وورثوا أسلحتهم وتجهيزاتهم القتالية للصهاينة،والتي أعطتهم القدرة على الدخول في أي حرب متوقعة !

 

وفي عام( 1367هـ - 1948م) أعلنت بريطانيا رسمياً انسحابها من فلسطين، فاغتنم الصهاينة الفرصة المخطط لها، وأعلنوا رسمياً ومن جانبٍ واحد قيام موطنهم القومي " دولة إسرائيل " .

 

حينها زاد حماس عرب فلسطين المسلمين لجهاد الصهاينة، وأخذوا يقاومون اليهود، وأعلنت الدول العربية المجاورة الحرب على اليهود في نفس العام، فبدأت الحرب ، وبسبب موقف الدول الغربية الداعم لليهود استصدرت قراراً من اللأمم المتحدة يقضي بوقف إطلاق النار ، فصدر القرار، وانتهت الحرب بهزيمة العرب والفلسطينيين هزيمة استحقت وصف نكبة؛ لما أسرفت عنه من تشريد لشعب فلسطين ، ونزوح أكثر من 700 ألف لجؤوا إلى الدول العربية المجاورة.

 

وأعلن الكنيست الإسرائيلي عام( 1368هـ - 1949م )القدس عاصمة لإسرائيل، ضارباً بقرار الأمم المتحدة القاضي بجعل القدس تحت الوصاية الدولية عرض الحائط، واستمر اليهود الصهاينة في مشروع الاستيطان اليهودي على حساب مسلمي فلسطين من العرب،وزاد تمكن اليهود مع مرور الأعوام رغم حدوث حركات جهادية إسلامية عديدة والتي كانت تواجه بأشد صور القمع .

 

وفي عام( 1387هـ - 1967م ) هزم الصهاينة ثلاثة جيوش عربية في حرب استمرت ستة أيام؛ ثم فرضت سيطرتها على كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة، كما احتلوا هضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية، وحررت سيناء بعد ذلك وعادت لمصر، أما الضفة والقطاع فقد منحت الحكم الذاتي في إطار اتفاقية السلام الفلسطينية الإسرائيلية عام ( 1413هـ - 1992م ).

 

لقد عمل الصهاينة خلال احتلالهم لفلسطين على تهويدها، وخاصة القدس ؛ فعملت على تهجير الفلسطينيين، ومنع اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة لبلادهم، ومصادرة الأراضي ، وهذه الإجراءات أدت إلى إحلال سكان يهود مكان سكان البلاد الأصليين من العرب؛ فأصبح السكان غير السكان، وغيرت المستوطنات ملامح البلاد التاريخية العربية الإسلامية، وطمست آثارها.

 

ولم تقف عمليات التهويد على ذلك بل امتد الأمر ليصل إلى المقدسات الإسلامية، فقد تعرض المسجد الأقصى إلى محاولة حرقه عام( 1389هـ - 1969م)، وأخذت الأصوات تتعالى ببناء هيكل سليمان المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى،وأخذ الصهاينة في عمل حفريات وشق الأنفاق حول وتحت المسجد بحجة البحث عن الهيكل المزعوم، وزادت عنايتهم بالحائط الغربي للمسجد، المعروف اليوم بحائط البراق، والذي يسميه اليهود حائط المبكى؛ باعتباره آخر أثر من آثار هيكل سليمان المزعوم، والذي ابتدع لهم حاخاماتهم دعاء يرددونه في صلاتهم عنده وهم يبكون وهو عبارة عن قسم يتعهدون فيه ببناء الهيكل، ويدعون على أنفسهم إذا هم نسوه، والحائط أيضاً يعتقد فيه ملايين النصارى أنه المكان الذي سينطلق منه عيسى بن مريم لدعوته في المرة الثانية .

 

أخي المسلم ..المعتز بدينه..الواثق بوعد ربه..

 

هذا طرف من تاريخ القوم..لنزداد إيماناً مع إيماننا بقول الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ..) (المائدة : 82 )؛ لذلك هم : (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة : 32 ).

 

أرأيت كيف تجمعوا..وخططوا..وأعدوا العدة..ونفذوا..ووصلوا لما خططوا له بعزم وإصرار وتضحية (.. وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ..) (محمد : 4 ).

والسؤال الكبير: هل تتوقع أن يكون الصهاينة قد وصلوا إلى مرحلة التشبع، ويريدون الحياة في سلام وتسامح وإخاء خاصة مع المسلمين؟

ولكي تصل للجواب المنطقي؛ أزيدك من الشعر بيتاً : وهو أن بروتوكولات حكماء صهيون تنص على أن الوصول إلى وطن قومي لليهود هو بداية العمل على السيطرة على العالم بأسره، وما العولمة السياسية تحت شعار( النظام العالمي الجديد)، والعولمة التجارية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بشقها السلبي إلا خير شاهد على حياة هذا المعنى في نفوس الصهاينة اليوم؛ فتجدهم يسلكون كل السبل التي تخطر على بالك والتي لا تخطر لتحقيق أهدافهم .. بما في ذلك :

1- العمل على تحريف الأديان السماوية..

2- إغراق أتباعها في الشبهات والشهوات وخاصة المسلمين..

3- سعيهم في تمزيق وحدة الأمة الإسلامية ببعث الروح القومية في شعوبها ..

4- تبني الفرق الباطنية وتهيئة الظروف المناسبة لبروزها في حياة المسلمين لتمزيقهم إلى طوائف متناحرة..

5- استغلال قوتهم الإعلامية في فرض وجودهم بين الشعوب تحت شعار( التسامح- الإخاء )..

6- هدم المجتمعات من خلال زعزعة كيان الأسرة تحت شعار(المساواة- الحرية)..

7- تطبيع العلاقات ليضمنوا زوال كل المعوقات لأهدافهم ..

8- زرع المنظمات والجمعيات السرية في المجتمعات ..

9- التدخل في المناهج التعليمية في الدول ومحاولة تغييرها..

10- إثارة القلاقل والاضطرابات الداخلية في الدول الإسلامية بتشجيع أصوات المعارضة بحجة إرساء دعائم الديمقراطية؛ لتعيق بذلك تقدم ورقي الدول الإسلامية..

11- إرهاب كل من يعترض طريق مخططاتهم حتى ولو أدى ذلك إلى التصفية الجسدية، أو انتهاك سيادة الدول الإسلامية وقصف أهداف محددة داخلها بحجة المحافظة على كيان الدولة الصهيونية وحماية أمنها القومي.

 

وختاماً:

 

نجد التوجيه الرباني يرشدنا في مثل هذه الظروف؛ ليضيء لنا طريق الثبات، والرفعة والتمكين، فيقول الله تعالى: (..وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (آل عمران : 120 )

 

فالأمر الأول:

الصبر، على ما يلقاه المسلم من أشكال الابتلاء والامتحان والأذى، فيثبت ولا يتزعزع، ومن ذلك: ضبط النفس، والتحكم في ردة الفعل، حتى لا تؤدي إلى فرقة، ولا خروج على جماعة المسلمين، ولا تهور بأعمال غير مدروسة تعطي العدو المبرر للتدخل السافر في الشئون الداخلية للدول الإسلامية.

 

والثاني:

التقوى، بامتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، ومن ذلك: حب الله للمؤمن القوي ( الصالح في نفسه، الناجح في حياته)..وإعداد القوة..بمفهومها الواسع ( العلمية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والعسكرية، والإعلامية..)، والقيام بحق الأخوة الإيمانية بالمحبة والتعاون والتناصر.

 

حينها يتحقق الوعد من الله الكبير المتعال، القوي العزيز،الذي بيده مقاليد الأمور، وهو على كل شيءٍ قدير:" لا يضركم كيدهم ".

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

- المراجع :

1- الدولة العثمانية دولة مفترى عليها ، تأليف : عبد العزيز محمد الشناوي 2/ 236، وهو مرجعي الأساس في تاريخ الحركة الصهيونية.

2- الموسوعة العربية العالمية .

3- السلطان عبد الحميد الثاني، تأليف : د. علي الصلابي .