تربية الأبناء بالعادة


الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد :

 

فالتربية بالعادة والتأديب منذ الصغر هي من أقوى وسائل التربية في تنشئة الأبناء إيمانياً وخلقياً. وأمر سهل ويسير إذا توفرت له البيئة الصالحة والمربي الفاضل، وذلك لأن الطفل يولد صفحة بيضاء، فقد قال رسول الله عليه الصلاة و السلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه) رواه البخاري.

 

ولما كان الإنسان مجبولاً على الدين والخلق الفاضل كان تعويده عليه يرسخه ويزيده، ومن هنا يأتي دور التعويد والتلقين والتأديب في نشأة الأبناء، وتعويدهم على مكارم الأخلاق وآداب الشرع الحنيف، يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: (والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شَقِيَ وهلك ، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق).

 

 

و قد قال الشاعر:

 

و ينشأ ناشئ الفتيان منا       ......     علــــــــــــــى ما كان عوّده أبوه

 
 

و ما دان الفتى بحجىً و لكن    ......   يُعــــــــــــــــــــوِّده التّدَينَ أقربوه

 

 

 
 

و الأصل في التربية بالعادة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (تعودوا الخير؛ فإن الخير عادة والشر لجاجة) رواه البيهقي في السنن الكبرى، و حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.

 

 

 
 

وكذلك إرشاد ابن مسعود- رضي الله عنه- حيث قال: "حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير؛ فإن الخير عادة ".

 
 

قال ابن مُفْلح -رحمه الله-:"ورياضة النفوس بالتعليم والتأدب، والفرح والصبر، والثبات والإقدام والسماحة وفعل الخير، وإذا تكرر ذلك مرة بعد أخرى صار عادة وطبيعة ثانية، والعادات طبائع ثوان "[ الآداب الشرعية].

 

 

 
 

و الطفولة ليست مرحلة تكليف وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب و تعويد للوصول إلى التكليف عند البلوغ ليسهل عليه أداء الواجبات والفرائض. قال ابن بطال-رحمه الله-: (أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادة والفرائض إلا عند البلوغ ولكن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على العبادات رجاء البركة, وأن من فعل ذلك منهم مأجور؛ ولأنهم باعتيادهم عليها تسهل عليهم إذا لزمتهم).

 

 

 
 

يقول الأستاذ محمد قطب: "ومن وسائل التربية، التربية بالعادة أي تعويد الطفل على أشياء معينة حتى تصبح عادة ذاتية له، يقوم بها من دون حاجة إلى توجيه، ومن أبرز أمثلة العادة في منهج التربية الإسلامية شعائر العبادة وفي مقدمتها الصلاة، فهي تتحول بالتعويد إلى عادة لصيقة بالإنسان لا يستريح حتى يؤديها. وليست الشعائر التعبدية وحدها هي العادات التي ينشئها منهج التربية الإسلامية، ففي الواقع كل أنماط السلوك الإسلامي، «مثل حجاب المرأة المسلمة، وعدم اختلاط الرجال بالنساء غير المحارم»، وكل الآداب والأخلاق الإسلامية آداب الطعام والشراب ينشئها منهج التربية الإسلامية. و قد كانت كلها أموراً جديدة على المسلمين فعودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ورباهم عليها بالقدوة والتلقين والمتابعة والتوجيه حتى صارت عادات متأصلة في نفوسهم، وطابعاً مميزاً لهم" ( منهج التربية الإسلامية ).

 

 

 
 

ويقول د. محمد أمين المصري -رحمه الله- : "فالسلوك لا يمكن أن يتحقق بمجرد قرار يتخذه الفرد في نفسه، ولا يمكن أن نغرسه في نفوس أبنائنا بمجرد توجيه أو أمر نصدره إليهم. فلا بد من تعويد وتدريب للنفس، حتى يصبح هذا السلوك سلوكاً طبيعياً للنفس تؤديه بتلقائية. و قد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن من يتخلق بالخلق الحسن يعينه الله فيتحقق لديه هذا الخلق. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - إن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر"( سبيل الدعوة الإسلامية ).

 
يقول أوريسون سوت عن العادة - في بدايتها- تشبه "الخيط الخفي فكلما كررنا فعل هذا السلوك المؤسس للعادة أضفنا قوة لهذا الخيط حتى يصبح حبلا ومع التكرار يصير متينا لا يمكن الفكاك منه".
 

والمتابعة عن طريق الجدول أحد وسائل تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق والارتقاء بالناشئة وتعويدهم الالتزام بالفضائل وفي المتابعة من خلال الجدول فوائد عدة منها:

 

1- المتابعة.. يتعرف بها الناشئ على عواقب سلوكه في حينها.

 

2- المتابعة.. فرصة لتدريبه على قمع بعض الرغبات و تعويده الصبر.

 

3- يساعد المربين لإكساب الناشئة العادات الحسنة.

 

4- يعود الناشئ النقد الذاتي.

 

5- يكسبه مهارات الإصغاء و الاستماع للرأي الآخر و الجرأة الأدبية.

 

6- يتعود الانجاز و حب العمل.

 

7- يساعد في تعديل السلوك غير السوي.

 
 

لذا كان هذا الجدول المقترح لغرس بعض القيم و السلوكيات الإيجابية لدى فلذات الأكباد ، وحتى يكون للجدول ثمرته المرجوة لابد من تحفيز الأبناء التحفيز المادي و المعنوي لما له من أثر فعال في التربية , و قد عرف عن السلف الاهتمام بهذا النوع من التشجيع :

 
 

•قال إبراهيم بن أدهم : ( قال لي أبي ..يا بني اطلب الحديث ، فكلما سمعت حديثاً و حفظته فلك درهم , فطلبت الحديث على هذا )

 
 

•ذكر الذهبي في السيَّر، قصة عن زبيد بن الحارث فقد كان مؤذنا، وكان يقول للصبيان: تعالوا فصلوا، أهبُ لكم جوزاً، فكانوا يصلون ثم يحيطون به، فقيل له في ذلك فقال: وما علي أن أشتري لهم جوزاً بخمسة دراهم، ويتعودون الصلاة.(سير أعلام النبلاء 5/297).

 

نسأل الله عز و جل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه و يرضاه إنه ولي ذلك و القادر عليه.

الجدول التربوي

شجرة الصلاة

 

الأذكار