الأم بلسم الحياة


الأم محضنٌ تخرج فيه العلماء ، و مدرسة درج فيها العظماء ، و حجرٌ تقلب فيه الخلفاء ، رضع من لبانها من جاهدوا فكانوا شهداء ،  و ترعرع في جنبات تربيتها من صاروا أولياء ، أنجبت الزهاد ، وكان من معين موردها العباد , وكانت قدوة داعية فأثمرت الدعاة .

الأم لفظ كريم واسم عزيز من الأمة ؛ فهي بمثابة القلب من الجسد ، فهي للأمة غذاء روحها ومران أعوادها , وفيض مداركها ومبعث عواطفها , فإن وهنت كان كل ذلك ضعيفاً .

الأم مفارس الحكمة ، و مفاوص الأدب ، هي المدرسة بل المعهد بل الجامعة ، قال تعالى في عظم حقها وعلو قدرها: (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ).

وقال تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) .
وقال تعالى : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ).

جاء رجل فقال يا رسول الله : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال:" أمك ". قال :ثم من ؟ قال :"أمك ". قال : ثم من ؟ قال : "أمك ". قال : ثم من ؟ قال :"أبوك " [أخرجه : البخاري 8/2 (5971) ، ومسلم 8/2 (2548)].


عن معاوية بن جاهمة الأسلمي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : إني كنت أردت الجهاد معك , أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة . قال :' ويحك أحية أمك ؟قلت :نعم . قال :" ارجع فبرها " ، ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت : يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة . قال :" ويحك أحية أمك ؟" قلت : نعم يا رسول الله . قال : "ارجع إليها فبرها"، ثم كرر عليه ثالثة فقال صلى الله عليه وسلم :" ويحك ! الزم رجلها فثم الجنة"[صحيح ابن ماجة (2/ 125)برقم(2771)].
 

فالبر والعطف والإحسان بوالدينا ، وأخص بالذكر من خصها الشارع الحكيم بمزيد مزية و عناية الأم الرؤوم ، و الوالدة الحنون من أجل الأعمال و أحسنها أثراً في تطييب حياة الناس .

وهذا البر قائم امتداده وصلته مستمرة حتى بعد الممات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده "[مسند أبي يعلى (10/ 37)

(5669) و صحيح ابن حبان (2/ 175)(432) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 6) : «هذا إسناد صحيح على شرط البخاري»].


وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال في حديث له حكم الرفع :" ترفع للميت بعد موته درجته ، فيقول أي ربي أي شيء هذا ؟ فيقال له : ولدك استغفر لك " حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى .
 

غدوتك مولوداً وعلتك   يافعـا        تعل بما أجني عليـك  وتنهـل
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم   أبت        بسقمـك إلا ساهـرا  أتملمـل
كأني أنا المطروق دونك  بالذي        طرقت به دوني وعيني   تهمل
فلما بلغت السن والغاية  التـي        إليك مدى ما كنت فيك  أأمـل
جعلت جزائي غلظة  فظاظـة        كأنك أنت المنعـم  المتفضـل
فليتك إذ لم ترع حق   أبوتـي        فعلت كما الجار المجاور يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم   تكن        علي بمال دون مالك تبخـل  .
 

لا تكاد تقف على عظيم ممن راضوا شمس الدهر , وذلت لهم نواصي الحادثات إلا ينزع بعرقه وخلقه إلى أم عظيمة ..

إن هناك من تتسارع خطاهم وقراراتهم لإخراج المرأة المسلمة عن دورها الرائد ورسالتها المحورية ووظيفتها العظمى , ليزج بها في أروقة عمل وجنبات إدارات وردهات شركات وقطاعات مهن جنبا إلى جنب مع الرجل زاعمين بذلك تحريرها !
ولم يبالوا بحرمان بيتها من التربية الصالحة والتنشئة الفاضلة ، وتجاهلوا وتناسوا ما ستتعرض له من مضايقات أذى ، إنها رسالة نبعثها جميعاً؛ لنذكر بدور الأم الحقيقي ووظيفتها الربانية :

ها هو تاريخ الرسل الكرام يشهد لعدد منهم أن طفولتهم وترعرعهم كان قد عهد بها إلى المرأة الأم منفردة عن غياب الوالد أو فقده .

فها هي أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنها لما وضعها وابنها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بواد غير ذي زرع بمكة وانصرف عنهما ؛ تبعته أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟..  حتى قالت: آلله أمرك بهذا ؟ قال : " نعم ". قالت : إذن لا يضيعنا .
فقامت بتربية ابنها حتى بلغ مبلغ الرجال.

وما نشأة موسى عليه الصلاة والسلام عنا ببعيد فهي آيات تتلى في مصبح ومساء ، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ؛ فالوحي موجه للأم ، ولا نجد للأب ذكراً في طفولة موسى عليه الصلاة والسلام ، وبالتالي فهارون عليه الصلاة والسلام حظي من أمه بتلك التنشئة الصالحة الكريمة .

وها هو عيسى عليه الصلاة والسلام من قام على تربيته؟ وفي حجر من درج ونما وزكى؟ إنها إحدى سيدات نساء الجنة مريم بنت عمران ، من الله عليه أن نشأ ببيت رحمة ورضوان ، وكان عيسى بها براً عليه الصلاة والسلام ، (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) .

أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد توفي والده وهو حمل في بطن أمه ، قال ابن كثير رحمه الله :[ وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه ] فتربى ونما وترعرع ست سنين على يد أمه آمنة بنت وهب .

 

الأم مدرسـة إذا  أعددتهـا        أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحياة        بالري أورق أيمـا  إيـراق
الأم أستاذ الأستاذة   الألى        شغلت مآثرهم مدى   الأفاق

وهاهي الخنساء رضي الله عنها التي ملأت الدنيا بكاء وعويلا على موت أخيها صخر في الجاهلية !
ها هي بعد أن صاغها الإيمان ، وخالط شغاف قلبها القرآن ، توصي أبناءها بالجهاد في سبيل الله !
ثم لما بلغها نعيهم ، قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم و أرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته !!
وقل مثل صناعة وصياغة هؤلاء الأفذاذ عن أم الإمام أحمد .