كيف نربي أطفالنا على حب الصلاة ؟


   إلى كل أب و أم فهما قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}1. أهدي هذا المقال .
 

  • مقدمة :


قال الأحنف بن قيس يعظ معاوية في فضل الولد : " يا أمير المؤمنين هم ثمار قلوبنا و عماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة و سماء ظليلة وبهم نصول على كل جليلة ؛ فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم " 2.
ولأن أبناءنا هم رياحين الحياة و فلذات الأكباد فقد أوصى الله تعالى الأبوين بهم خيرا ، وأمرالنبي صلى الله عليه وسلم بحسن رعايتهم و تأديبهم و رحمتهم فقال صلى الله عليه وسلم مبينا من هو خير الناس :" خيركم خيركم لأهله "3 

وأعظم ألوان الخير لأفراد الأسرة حسن الرعاية و التأديب .

وإن أعظم صور تأديب الأبناء تعليمهم الصلاة و غرس محبتها في قلوبهم ليقوموا بحقوقها خير قيام .

فهي الشعيرة العظيمة التي سماها الرسول صلى الله عليه وسلم نورا وجعلها للدين عمادا وهي الصلة التي تربط بين العبد و خالقه في اليوم الواحد خمس مرات ، هي محطات للخلوة بالإله العظيم و مناجاته و ذكره و تعظيمه سبحانه ... 

فيها يقف العبد موليا وجهه نحو ربه ؛ فييمم رب العزة وجهه الكريم نحو عبده ، ويقول جل من قائل:{ حمدني عبدي ... أثنى علي عبدي .. مجدني عبدي ... فلعبدي ما سأل} رواه مسلم .

وهي مفتاح الجنة و الحصن الحصين من الذنوب و المعاصي .قال تعالى:{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}4.

وقد نبه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الأبوين إلى ضرورة ربط صلة الأبناء بالله تعالى في سن الطفولة المبكرة – عند سن السابعة־ لأن ذلك أدعى أن يشب الأولاد على محبة الله و الحرص على الصلاة ، و إدراك أسرارها وفضائلها الكثيرة ؛ فقال صلى الله عليه وسلم :" مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ." 5.
 
وتطبيقا لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم أضع بين يدي إخواني الآباء وأخواتي الأمهات هذه الطرق والخطوات العملية التي تساعد على تحبيب الصغار ( بنين وبنات ) في الصلاة والحرص عليها وهي حصيلة اجتهادات بعض أهل الدعوة والتربية .
 
أ – التربية الإيمانية هي الأساس الأول :

فلا يتوقع الأبوان التزاما تاما من الأبناء بأداء الصلوات وقلوبهم فارغة من معاني العقيدة ؛ لأن الطفل في مراحله المبكرة لا يستطيع إدراك الغيبيات فيكون دور الأبوين هنا تقريب معاني العقيدة: كحقيقة الله الواحد ، ومعنى النبوة ، و حقيقة اليوم الآخر ، و نسبة الدنيا إلى الآخرة .

ولنا في ذلك القدوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اعتنى في السنوات الأولى من الدعوة بتثبيت عقيدة الإيمان بالله الواحد في نفوس أصحابه حتى إذا استقرت ,  لم يجد أصحابه غضاضة في طاعة أوامر الله ، و العمل بأحكام الشريعة .

فيعلم الطفل منذ نعومة أظفاره أن الله هو خالق كل الناس و الأشياء المحيطة به .
وأنه هو الذي يعطي للإنسان كل النعم ؛ فهو الرزاق لخلقه ، والحريص على هدايتهم للخير ، وهو يحب الأخيار من الناس ويبغض الأشرار؛  لذلك بعث للأخيار رجالا صالحين يعلمونهم ما فيه صلاح حياتهم ، و وعد من اتبعهم ببساتين و قصور و نعيم لا ينفد  . بينما توعد من يعصيهم بعذاب شديد ...

هذه صور تقريبية لمعاني العقيدة يسهل على الطفل فهمها .

ب – أن يقدم الأبوان القدوة الصالحة لأبنائهم :

في الحرص على الصلاة في أول الوقت , و العناية بالسنن و النوافل بعد الفرائض , لأن الأطفال مولعون في الصغر بتقليد الآباء , إذن فليستغل الآباء هذه الملكة في غرس محبة الصلاة لدى أبنائهم .

فإذا اعتاد الأبناء رؤية الآباء يسارعون إلى ترك أي عمل على أهميته و المسارعة إليها بعد كل أذان ؛ فستترسخ في قلوبهم الصغيرة أهمية الصلاة و إدراك فضلها .

ويستحب كذلك أن ترتبط مواعيد الأسرة بمواقيت الصلاة كالخروج لسفر , أو زيارة قريب ؛ فيقول الأب مثلا سنزور جدتكم بعد صلاة العصر إن شاء الله فترتبط حياة الطفل فيما بعد بالصلاة حتى في شقها الدنيوي .

فإذا تراخى الأبوان أو فرطا في المحافظة على الصلاة فلا مجال للوم الأبناء إذا تركوا الصلاة أو أعرضوا عنها فيما بعد .

ويتعلق كذلك بمجال القدوة تعليم الأبناء كيفية الوضوء و الصلاة بأسلوب عملي إما بأدائها وهم ينظرون أو بمراقبتهم أثناء الوضوء و الصلاة و تعديل بعض أخطائهم . أما الخوض النظري في أحكام الطهارة و الصلاة فيمكن تركه للمدرسة , أو تعليمه للطفل عند بلوغ سن المراهقة فهو أجدى .

ج- الاستعانة بالقصص و المواعظ المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه أو قصص الصالحين ليدرك الطفل فضل الصلاة و سر تعلق الكبار بها ؛ لأن استغلال الخطاب المباشر قد لا يستوعبه الطفل في المراحل المبكرة فقد يعتبر الصلاة عبأ ثقيلا لأنها تمنعه اللعب ، أو باعتبارها من شؤون الكبار التي لا علاقة له بها .

لكن عندما نرسم في مخيلته صورة المؤمنين الصالحين الذين ارتبطت قلوبهم بالله فوجدوا في الصلاة قرة عين لمناجاة الخالق العظيم فسيصل الطفل بفطرته ونقاء قلبه إلى محبتهم ومحبة الصلاة .

وجدير أن يعلم الطفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه شكرا لله على نعمه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره أزيز من البكاء بين يدي الله...6 ، وأن من الصالحين رجلا قطعت إحدى أطرافه المريضة وهو في صلاة ولم يكد يشعر بما حصل له حتى أتم صلاته .

د – مصاحبة الأطفال إلى المسجد لأن بيوت الله هي مواطن إنشاء الرجال العظماء المتشبعين بمحبة الله والحرص على طاعته حتى تتعلق قلوبهم الصغيرة بمحبة بيوت الله , وحيث يجدون دروس العلم و الإرشاد و الرفقة الصالحة و يتربون على معاني الإيمان كلما كبرت أعمارهم و ازداد وعيهم .

كما أن في زيارة المساجد تسلية للأطفال لأن أكثر ما يسعدهم هو الخروج مع الآباء و مرافقتهم إلى الأماكن العامة و مشاركتهم بعض اهتماماتهم .

ولدعم دور المسجد فليجتهد الأبوان في تنظيم دروس تعليمية للأبناء تناسب مستوياتهم وتساهم في إدراكهم لفضل الصلاة و محبتها و الحرص على أدائها ,  و كلما كبر الأبناء احتاجوا لوجود مكتبة إسلامية تفيدهم في توسيع معارفهم و تثبيت أهمية العبادة في قلوبهم .

هـ – الاعتماد على مكافأة الأبناء كلما حافظوا على صلواتهم :

إن كل طفل يكتسب معالم شخصيته و ثقته بنفسه أولا من قبل والديه فكل طفل يحتاج إلى التحفيز و المكافأة على كل عمل إيجابي يقوم به - وهو أمر أساسي في موضوع التربية عموما- فكيف إذا تعلق الأمر بالصلاة .

وطرق مكافأة الطفل تكون :

بالثناء عليه أمام أفراد العائلة, أو تخصيص هدية يحبها الطفل لأن قيمة الهدية ستجعله يدرك قيمة الصلاة وأهميتها . علما أن علماء التربية ينصحون بالتدرج مع الطفل في أداء الصلاة فيكفي في اليوم الأول المحافظة على صلاة واحدة وفي اليوم الثاني على صلاتين ... إلى أن يصل إلى مستوى المحافظة على الصلوات الخمس بنجاح .

وأخيرا إن مما يكلل تجربة الآباء بالنجاح في تربية الأبناء عموما, أو غرس محبة الصلاة و المحافظة عليها في قلوبهم نجاح الآباء في الوصول إلى قلوب الأبناء بالتعبير لهم عن معاني المحبة الدائمة لهم و استغلال جميع الأساليب المناسبة لذلك بتخصيص الوقت الكافي لهم و مشاركتهم اهتماماتهم و ألعابهم و الرفق و الرحمة بهم .

لأن هذه المحبة هي التي ستجعل الأبناء طوعا في يد الآباء كصفحات بيضاء نقية يسطرون عليها معاني الإيمان و الخير و الصفاء و العبودية التامة لله تعالى .

 

- الكاتب : ليلى الناجي
..............................................................................................................

 

  • المصادر والمراجع :


1 – سورة التحريم الآية 6
2 – إحياء علوم الدين للإمام الغزالي باب حقوق الوالدين والولد
3 – أخرجه الترمذى (5/709 ، رقم 3895) وقال : حسن غريب صحيح. وصححه الألباني انظر حديث رقم : 3314 في صحيح الجامع
4 – سورة العنكبوت الآية 45
5 – رواه أبو داود في سننه،(1/133 ، رقم 495) وصححه الألباني انظر صحيح أبي داود (2/401) برقم (509)
6 –أخرجه أبو داود و صححه الألباني ، انظر : صحيح سنن أبي داود (4/58) برقم (839)