تعالوا أهب لكم جوزا


الحمد لله رب العالمين و العاقبة للمتقين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين وبعد:

 

لا شك أن الأولاد هم زهرة الحياة الدنيا ، ومصدر سعادة الإنسان، بهم تحلو الحياة وتعقد الآمال، وفي صلاحهم قرّة العين ،و أمل الحياة، وفرحة القلب، وأمان المستقبل، فإن أحسن الوالدان تربيتهم؛ فإن خيرهم يعود على والديهم وعلى مجتمعهم والناس أجميعن، ويتمثل فيهم قول الله تعالى ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف : 46].

أما إن أُهملت تربيتهم، وأُسيء تكوين شخصياتهم؛ كانوا وبالاً على الوالدين، وشراً مستطيراً على المجتمع والناس.

يقول ابن القيم رحمه الله: ( فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنُنه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً ).[تحفة المودود بأحكام المولود]

ومن رسالة الأسرة في الإسلام أن تقود أولادها إلى الخير وتعودهم على الطاعات حتى يألفوها وتُدربهم على العبادات حتى يحبوها، فإذا بلغوا الحُلم لم تكن هذه الجوانب غريبة عليهم، بل أصبحت بفضل الله وبحسن التربية الأسرية محببة إليهم،لأن شخصية الإنسان هي مجموعة عادات فإذا زرعنا فكرة سوف نحصد فعلا ، وإذا زرعنا عادة سوف نحصد شخصية ، وإذا زرعنا شخصية سوف نحصد مصيرا.

 
     
 
و التربية بالعادة والتأديب منذ الصغر هي من أقوى وسائل التربية في تنشئة الأبناء إيمانياً وخلقياً.و أمر سهل ويسير إذا توفرت له البيئة الصالحة والمربي الفاضل ، وذلك لأن الطفل يولد صفحة بيضاء ، فقد قال رسول الله عليه الصلاة و السلام:


( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه أو يمجسانه ) رواه البخاري،

 
     
 

ولما كان الإنسان مجبولاً على الدين والخلق الفاضل كان تعويده عليه يرسخه ويزيده ، ومن هنا يأتي دور التعويد والتلقين والتأديب في نشأة الأبناء، وتعويدهم على مكارم الأخلاق وآداب الشرع الحنيف، يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين :
( والصبي أمانة عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ، فإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ).

و قد قال الشاعر:

 

 

و ينشأ ناشـئ الفتيـان منـا        على ما كـان عـوّده   أبـوه
و ما دان الفتى بحجىً و لكن        يُعـوِّده التّـدَيـنَ   أقـربـوه
 

و الأصل في التربية بالعادة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( الخير عادة ، والشر لجاجة) [رواه ابن ماجة وصححه الألباني]. وكذلك إرشاد ابن مسعود- رضي الله عنه- حيث قال : "حافظوا على أبنائكم في الصلاة، وعودوهم الخير فإن الخير عادة " قال ابن مُفْلح -رحمه الله-:"ورياضة النفوس بالتعليم و التأدب، و الفرح و الصبر، و الثبات و الإقدام و السماحة و فعل الخير، وإذا تكرر ذلك مرة بعد أخرى صار عادة و طبيعة ثانية، و العادات طبائع ثوان "[ الآداب الشرعية].

و الطفولة ليست مرحلة تكليف وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب و تعويد للوصول إلى التكليف عند البلوغ ليسهل عليه أداء الواجبات والفرائض.

قال ابن بطال-رحمه الله- ( أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادة و الفرائض إلا عند البلوغ ولكن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على العبادات رجاء البركة, وأن من فعل ذلك منهم مأجور ؛ ولأنهم باعتيادهم عليها تسهل عليهم إذا لزمتهم ).

ومن وسائل التربية ، التربية بالعادة أي تعويد الطفل على أشياء معينة حتى تصبح عادة ذاتية له، يقوم بها من دون حاجة إلى توجيه،ومن أبرز أمثلة العادة في منهج التربية الإسلامية شعائر العبادة وفي مقدمتها الصلاة، فهي تتحول بالتعويد إلى عادة لصيقة بالإنسان لا يستريح حتى يؤديها.
وليست الشعائر التعبدية وحدها هي العادات التي ينشئها منهج التربية الإسلامية، ففي الواقع كل أنماط السلوك الإسلامي، «مثل حجاب المرأة المسلمة، وعدم اختلاط الرجال بالنساء غير المحارم» ، وكل الآداب والأخلاق الإسلامية آداب الطعام والشراب ينشئها منهج التربية الإسلامية.
و قد كانت كلها أموراً جديدة على المسلمين فعودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ورباهم عليها بالقدوة والتلقين والمتابعة والتوجيه حتى صارت عادات متأصلة في نفوسهم، وطابعاً مميزاً لهم .

فالسلوك لا يمكن أن يتحقق بمجرد قرار يتخذه الفرد في نفسه، ولا يمكن أن نغرسه في نفوس أبنائنا بمجرد توجيه أو أمر نصدره إليهم.

فلا بد من تعويد وتدريب للنفس، حتى يصبح هذا السلوك سلوكاً طبيعياً للنفس تؤديه بتلقائية.
 
   و قد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن من يتخلق بالخلق الحسن يعينه الله فيتحقق لديه هذا الخلق. عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر"[رواه البخاري].    ( سبيل الدعوة الإسلامية ).


يقول أوريسون سوت عن العادة - في بدايتها- تشبه "الخيط الخفي فكلما كررنا فعل هذا السلوك المؤسس للعادة أضفنا قوة لهذا الخيط حتى يصبح حبلا ومع التكرار يصير متينا لا يمكن الفكاك منه".

 

ومنهج الإسلام في إصلاح الصغار يعتمد على شيئين أساسيين:
1- التلقين وهو الجانب النظري. 
2- التعويد وهو الجانب العملي في التربية

 

فمن التلقين: قول العلامة الإمام ابن القيم "فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا".[تحفة المودود بأحكام المولود، ابن القيم، ص:164]


و من التعويد: حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة:(مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرّقوا بينهم في المضاجع ). حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود .

وفي هذا التوجيه النبوي الكريم من حسن التدرج واللطف بالصغير الشيء الكثير، فهو يُدعى إلى الصلاة وهو ابن سبع سنين ولا يضرب عليها إلا عند العاشرة من عمره، ويكون خلال فترة الثلاث سنوات هذه قد نودي إلى الصلاة وحُببت إليه أكثر من خمسة آلاف مرة ! فمن واظب عليها خلال ثلاث سنوات بشكل متواصل هل يحتاج بعد خمسة آلاف صلاة أن يضرب !؟ قلَّ أن تجد من الآباء من طبق هذا الحديث واحتاج إلى الضرب بعد العاشرة.
     
 
و السلف الصالح رحمهم الله كانوا يعوُّدون صبيانهم شعائر العبادة كالصلاة و الصيام و مكارم الأخلاق وآداب الشرع الحنيف، ففي الصلاة مثلاً يذكر الذهبي في السيَّر، قصة عن زبيد بن الحارث فقد كان مؤذنا، وكان يقول للصبيان: تعالوا فصلوا، أهبُ لكم جوزاً، فكانوا يصلون ثم يحيطون به، فقيل له في ذلك فقال: وما علي أن أشتري لهم جوزاً بخمسة دراهم، ويتعودون الصلاة.(سير أعلام النبلاء 5/297).
 
     

و في الصيام تروي لنا الربيع بنت معوذ ( رضي اللَه عنها ) قالت : أرسل النبي - صلى اللَه عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار :
" من أصبح مفطراً فليتم يومه ومن أصبح صائما فليصم ".قالت : فكنا نصومه بعد ونصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن ـ وهو الصوف الأحمر ـ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون الإفطار . ( رواه البخاري ).

وجماعة من السلف قالوا: "يؤمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه" منهم الحسن البصري وابن سيرين والزهري وعطاء وقتادة والشافعي رحمهم الله .

و هذا الأمر للتمرين والتدريب ويكون باللطف واللين وحسن المعاملة، فإن اعتياد الشيء يُذلل الصعب ويمهد السبيل.


و تكوين العادات يبدأ في سن مبكرة جداً ، فالطفل في شهره السادس يبتهج بتكرار الأعمال التي تسعد من حوله ، وهذا التكرار يكوّن العادة ، ويظل هذا التكوين حتى السابعة، ولكي يتعود الطفل على العبادات والعادات الحسنة يجب على المربين بذل الجهود المختلفة و تكرار السلوكيات المرغوبة أمامه والمواظبة عليها بالترغيب والترهيب والقدوة والمتابعة وغيرها من وسائل التربية الأخرى حتى تثبت , وتصير لديه عادة .

- و ختاماً :

     
 
الدعاء الدعاء
فعلى الوالدين أن يكثرا من هذا الدعاء "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" و " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما"
 
     
 

و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين ،،،،،،،،،،،