الأطفال ضحايانا


الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده و بعد : 
 
فإنها لصيحة عالية ، تلك التي تتردد : الأطفال ضحايانا ، و مرجع الصيحة هو أننا نجد أنفسنا عاجزين عن التعامل الصحيح مع الأطفال ، فكل واحد منا يتمنى مستقبلاً مشرقاً لأبنائه ، و من أجل ذلك قد يتحمل الكثير من الصعاب و المشاق ، و هو يأمل لهم غدا أفضل ، وحياة هانئة ، لهم بصمة في حياتهم و واقعهم ، و لكن بناء المستقبل ليس شيئاً سهلاً و لا هيناً ، كما لا يأتي بمجرد الأماني و الأحلام و التطلعات .

 

 

لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله ***        لن تبلغ المجد حتى تلعـق   الصبـر
 

 

لكنه بلا شك يتطلب جهداً و شغلا و معرفة بالمتطلبات و الواجبات و سبل الوصول إلى الأهداف، و من هنا تأتي أهمية الطفولة وضرورة رعايتها والاهتمام بها 
و على الرغم من جسامة المهمة و كبر المسؤولية ، تجد صنفاً من الآباء ينشغل في خضم هذه الحياة و ملهياتها ظناً منهم أن همه من التربية محصور في جمع حطام الدنيا الفانية و توفير المأكل و المشرب و الملبس فقط ، و هذا الصنف من الآباء أخشى عليه أن ينطبق عليه قول الشاعر :

 

 

 

ليس اليتيم من انتهى أبواه   ***        من همّ الحياة وخلّفـاه    ذليـلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له ***        أمّا تخلّـت أو أبـاً    مشغـولاً
 

 

و قول الآخر: 
 

 

 

أتبكي على لبنى و أنت قتلتها ***        و قد ذهبت لبنى فماذا أنت    صانع
 
وقول ابن القيّم رحمه الله:
"وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء " [تحفة المودود بأحكام المولود]. 
 
وقول ابن القيم رحمه الله كذلك في تحفة المودود: 
"فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سُدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة ، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آبائهم كباراً... و كم من والدٍ حرم ولده خير الدنيا والآخرة وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح "
 
وصنف آخر يرى أن تربية هذا المولود يبقى عليها أمدٌ بعيدٌ، ونسي أو تناسى أن تربية و توجيه هذا المولود وتشكيله وبناءَه يتم في مراحل سنيه الأولى. وهذه الفترة العمرية تعتبر من أخصب الفترات العمرية لتميزها بالمرونة و الصفاء و الفطرية . 
 
يقول أ.د .عبد الكريم البكار في كتابه دليل التربية الأسرية :(( إن الخطوط العميقة في شخصية الطفل ترسم في السنوات الست الأولى من عمره , و السنوات الثلاث الأولى منها هي بمثابة ولادة ثانية له . و من هنا يأتي شرف المهمة التي تقوم بها الأم خاصة و الأبوان عامة في تربية الطفل و تنشئته )). 
 
و يذكر أحد المختصين في مجال التربية مثالا يشبه فيه أهمية التربية في هذه الفترة العمرية بنبات ينبت في الصين, وهذا النبات عجيب في نشأته فهو في الخمس السنوات الأولى يحتاج إلى رعاية شديدة من السقي و التغذية و العناية و خلال هذه الفترة لا يزيد طوله عن عشرين سنتي متر , و لكن بعد خمس سنوات من عمره يزيد طوله متراً كل شهر حتى يصبح طوله ثلاثين متراً , مما دفع علماء النبات إلى دراسته و معرفة تأخر نموه في السنوات الخمس الأولى , فوصلوا إلى النتيجة التالية :
 
( أن السنوات الخمس الأولى من عمر هذا النبات يكون نموه داخلياً تحت الأرض في تكوين جذور عميقة و متينة تكون مثبتة لهذا النبات الذي يصل طوله إلى ثلاثين متراً )) .
 
وكذلك الطفل فإن ما يعطاه من مفاهيم تربوية و مهارات حياتية في هذه المرحلة العمرية لا تظهر عليه الآن , و لكن تكون راسخة في ما يسمى بالعقل الباطن , وتظهر و توجه سلوكه و تصرفاته في مرحلة البلوغ.
 
و صنف ثالث حول تربيته لأبنائه إلى حقل للتجارب أمام جهله بطرق ووسائل رعاية الطفل و تربيته ، سيدفع ثمنها الطفل الذي يكون مجبرا لتحمل الأخطاء الكثيرة التي تقع من جراء هذه التربية المبنية على الممارسات المعتمدة على المحاولة و الخطأ و تعميم التجارب الشخصية المحدودة و التي قد تكون في بعض الأحيان فادحة و يصعب تلافيها.
 
يقول الشيخ محمد الدويش ((وحين يدور النقاش والحديث بيننا عن عالم الطفل، وما ينبغي تجاهه، وكيف نتعامل معه، كيف نعوده العادات الحسنة، وننفره من العادات السيئة، كيف ننمي شخصيته بجوانبها وأبعادها...؟ 
الخ هذه القائمة الطويلة من التساؤلات. حين يدور الحديث والنقاش حول هذه القضايا ننبري نحن الآباء والأمهات للإدلاء بآرائنا وتعليقاتنا وإصدار الأحكام بالقبول والرفض والخطأ والصواب، وكل هذه الآراء والأحكام لا تعدو أن تكون انطباعات وآراء شخصية لا تصمد أمام النقاش العلمي، والخبرة والتجربة التي ندعي أننا نملكها لا تؤهل أحداً منا للتصدي لمثل هذه القضايا ....و إلى متى يصبح أطفالنا وفلذات أكبادنا ضحية آرائنا الشخصية القاصرة المحدودة، ومحطات تجارب لا نجيد حتى إدارتها ))" من مقالة بعنوان مساكين أطفالنا الصغار "
 
و إذا اعتبرنا التربية أعظم مشروع حضاري فلا بد من التخطيط الهادف, و رسم أهداف بعيدة المدى واضحة المعالم , و لا بد من إعداد وسائل محددة لكل هدف وفق خطة زمنية معينة , حتى تتحقق على أرض الواقع كي تقر أعيننا ببرهم , و كي نطمئن إلى أن جهودنا لم يكن مآلها الإخفاق و الانكسار, و نستطيع أن ننتقل من نجاح إلى نجاح بعيداً عن العاطفة و الارتجالية و تضارب الآراء و الأعمال .
 
وختاماً :
 
أتمنى أن يكون لنا استشعار لهذه المسؤولية الجليلة و الأمانة العظيمة و نحن طلقاء كاستشعار المحبوسين من بني أمية ، ذكر الراغب الأصبهاني أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أميه يقول لهم: "ما أشد ما مر بكم في الحبس؟" فقالوا: "ما فقدنا من تربية أولادنا".
 
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين ،،،،