أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها


افتتاحية:

لم تعد الكتابات المعاصرة تستجيب في يسر لرغبات القراء من الاختصار والانتظام مع الفائدة وهي من أجل ذلك معرضة بطبعها للكساد إلا أن يجد القراء الحاجة الملحة التي تدفعهم للقراءة ولهذه الأسباب ارتأيت أن أشيد من خلال منبر موقع حب الإسلام سلسلة المرأة المسلمة عبر التاريخ دروس وعبر سأحاول من خلالها تتبع أخبار النساء العالمات العاملات بشحذ همم طالبات العلم وغرس الفضائل في نفوسهن فهو إذن مشروع المقصد من ورائه مخاطبة عقل طالبات العلم ووجدانهن للتعاون على حماية المجتمع الإنساني وإبرائه من العلل وسوء الأخلاق واللامبالاة لأن الشباب الذي يفقد خلقه لا يرجى منه خير.

  • الحلقة الأولى : أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها واحدة من أشهر زوجات المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وتأتي شهرتها، من أنها أولى أمهات المؤمنين، إضافة إلى كونها أول من أسلم من المسلمين عامة، ومن النساء خاصة، وهي فضيلة ما شاركها فيها أحد من زوجاته صلى الله عليه وسلم.

إذن فمن هي خديجة بنت خويلد ؟ وما مكانتها عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وما فضائلها ؟ وما الدروس المنتقاة من سيرتها المشرقة ؟

أسئلة كثيرة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذه المقالة.

خديجة بنت خويلد التاجرة القرشية: هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.[1] يلتقي نسبها هذا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده قصي، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، فقد جمعت رضي الله عنها المجد من طرفيه، فبالإضافة إلى عراقة نسبها، كان بيتها بيت مجد و رئاسة و مال و عز، فقد ذكر ابن إسحاق: أنها كانت "امرأة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها، من صدق حديثه ، وعظم أمانته، و كرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة ، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام."[2]

ولما رجعت قافلة التجارة من الشام وقد ربحت أضعاف ما كانت تربح من قبل ورأى ميسرة غلامها منه صلى الله عليه وسلم ما رغبها في الزواج منه، اعتزمت الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

خديجة بنت خويلد الزوجة الصالحة:

ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى تلقى رسول الله دعوة السيدة خديجة للزواج منه، فسارع إليها ملبيا و تزوجها المصطفى سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور[3] وكان عمرها آنذاك أربعين عاما .

وقد تمكنت رضي الله عنها من أن تهيئ للنبي صلى الله عليه وسلم بيتا هانئا؛ إذ أعانته على خلوته في غار حراء و واسته بنفسها و مالها ، فثبتته وصدقته عندما جاءها خائفا يرتجف قائلا: "زملوني زملوني" فزملوه[4] حتى ذهب عنه الروع[5]، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: " لقد خشيت على نفسي" ،

فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم و تحمل الكل[6]، و تكسب المعدوم ، و تقري الضيف ، و تعين على نوائب الحق ..."[7]

وهنا يظهر لنا ما كانت تتميز به خديجة رضي الله عنها من رجاحة العقل، و حسن العشرة لزوجها ، فكان جزاؤها أن بشرها الله عز وجل ببيت في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".[8]

يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: لما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام أجابت خديجة طوعا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها."[9]

تلك هي خديجة التي بعث الله إليها تحيته تقديرا لما قدمته للدعوة الإسلامية وتبشيرا لها ببيت في الجنة من اللؤلؤ المجوف (القصب)، لا تعب فيه ولا منازعة فكانت بذلك سابقة إلى الجنة كما كانت سابقة إلى الإسلام .

منزلة السيدة خديجة عند رسول الله:

لقد كانت رضي الله عنها امرأة صالحة، وصلت بفضل إيمانها إلى أن تتبوأ مكانة بارزة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم تستطع أي واحدة من أمهات المؤمنين أن تزحزحها عن مكانتها هذه، حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت شديدة الغيرة منها، من كثرة ما كان يذكرها رسول الله ويحن إليها ويشيد بمواقفها، تقول عائشة رضي الله عنها:"ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له :

كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: " إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد."[10]

 

وموضع الشاهد في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس السيدة خديجة رغم وفاتها، لأن كثرة الذكر والمدح والثناء يدلان على كثرة المحبة، كما أن إطعام صواحبها رضي الله عنها وإكرامهن مشعر باستمرار هذا الحب.

فضائل السيدة خديجة :

إن المتتبع لهذه السيرة العطرة يستخلص مجموعة من الفضائل التي ميزت السيدة خديجة عن أمهات المؤمنين ويمكن أن أجملها في النقط التالية:

*لقد أحرزت رضي الله عنها قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها.

*لم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها.

*لما دعا الرسول إلى الإسلام أجابت خديجة طوعا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير.

*كان جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة،إلا إبراهيم فإنه كان من جاريته مارية والمتفق عليه من أولادها القاسم وعبد الله وزينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة.

*مرجع أهل البيت النبوي إلى خديجة ؛لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها،هذا فيما يتعلق بآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذريته ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى في باب الصلاة : وقد تبين أن دخول أزواجه في آل بيته أصح .

*كانت رضي الله عنها حريصة على رضاه صلى الله عليه وسلم بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها.

*هي المرأة الوحيدة التي لم يتزوج في حياتها غيرها ولازمته صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عاما.

 

  • دروس وعبر:

وفي الختام يمكن أن ننتهي إلى الدروس والعبر الآتية:

هذه القصة تفيد أن:

*تحلي المرأة بالإيمان بالله وبالصبر والثبات والشجاعة والتمسك بمكارم الأخلاق يحقق للأمة جيلا قويا مؤمنا.

*أن للمرأة اختيار الزوج الصالح بعيدا عن الغنى المادي والعرض الزائل فها هي ذي خديجة رضي الله عنها وهي غنية ثرية تختار النبي لصلاحه وحسن خلقه وسلامة طبعه.

*تحفز كل زوجة إلى مؤانسة زوجها بعد جهاده اليومي في سبيل تحصيل لقمة العيش، فيجد منها أذنا صاغية وحديثا رقيقا حلوا يخفف عنه كل عسير...

*تبين للمرأة فن الحوار مع الزوج والمبني على احترام مشاعره وأفكاره مع الحرص على مشاركته في أحاديثه وهمومه، لتكون الأسرة المسلمة مبنية على المودة والرحمة.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

[1] - السيرة النبوية لابن هشام، 1/139، تحقيق محمد علي قطب ومحمد الدالي بلطه، المكتبة العصرية، الطبعة الثالثة 1995م-1416هـ.

[2] - المصدر نفسه، 1/139

[3] - فتح الباري لابن حجر، 7/134، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر.

[4] - زملوه: لفوه

[5] - الروع: الفزع

[6] - الكل: بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره

[7] - صحيح البخاري، كتاب (بدء الوحي)، باب (كيف كان بدء الوحي إلأى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، حديث رقم 3، 1/22، مراجعة وضبط محمد علي القط

ب وهشام البخاري، المكتبة العصرية، الطبعة الرابعة 1420هـ-2000م

[8] - صحيح البخاري، كتاب (مناقب الأنصار)، باب (تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها)، حديث رقم 3820، 3/1168.

[9] - فتح الباري، 7/135

[10] - صحيح البخاري، كتاب (مناقب الأنصار)، باب (تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها)، حديث رقم 3818، 3/1168.