أتعرف قصة جابر مع سهيمة رضي الله عنهما ؟


   جابر[1]شاب عاش زمن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة ، واستضاءت روحه برسالة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، وقضى سني شبابه مبتلا مع المؤمنين ، وهاك هذا المشهد الذي يجلي لك خصائص المرحلة التاريخية التي نشأ فيها !!

 

إنها ليلة معركة أحد ..وكان عمر جابر حينها ثمان عشرة سنة تقريبا[2] ..تلك الليلة التي استعد فيها المسلمون للخروج لقتال مشركي قريش الذين زحفوا بجيشهم وعسكروا قريبا من المدينة ..

 

وفي هذا الظرف الصعب يدور هذا الحوار بين جابر وأبيه عبد الله رضي الله عنهما ،يقول جابر كما في صحيح البخاري[3] :

 

لما حضر أُحد دعاني أبي من الليل ، فقال: ما أُراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم !

وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم !! وأنا عليَّ دينٌ فاقضِ،واستوصِ بأخواتك خيراً .

يقول جابر:فأصبحنا- أي يوم أحد – فكان أول قتيل !!..الحديث .

 

لقد ابتلي جابر بمقتل أبيه في أحد وكان لذلك الحدث الأثر البالغ عليه ، وكيف لا يتأثر بفقد هذا الأب المؤمن الذي أحسن تربيته فرباه هذه التربية العصامية الجادة ،

الأب المؤمن الذي يحمل هم أسرته فها هو يوصي ببناته ويذكر بواجبهن على أخيهن ، الأب المؤمن الذي يسعى لبراءة ذمته من حقوق الناس ،

الأب المؤمن الذي لم تشغله أهوال الأحداث الجسيمة من حوله عن أداء واجباته الشرعية تجاه أسرته والناس من حوله ،

ياله من إيمان ظهر صدقه على لسان عبد الله حين قال معبراً عن حبه للنبي صلى الله عليه وسلم : وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم !!

ورغم بكاء وحزن جابر على أبيه لم يقل إلا ما يرضي الله ، ولم يسخط ولم يعترض على قدر الله ، بل زاده ذلك ثباتا على دينه ، وقوة في تمسكه به ،

 

ويعود الشاب المسلم جابر إلى أخواته التسع ، وفي رواية السبع ليضمد جراحهن!! ويخفف آلامهن !!ويصبرهن على مصابهن!!ومع هذا كله يخرج في اليوم التالي ويجيب مناد النبي صلى الله عليه وسلم الذي يأمر الناس بالخروج إلى حمراء الأسد !! فيجيب المنادي ويخرج ،ولا يجد من أخواته أي اعتراض على ذلك !!

 

ويرجع جابر بعد الغزوة إلى أخواته سالما معافى ، وتدور عجلة الزمن ويفكر جابر بالزواج ، ولكن من هي التي اختارها الشاب جابر ، وما هي المواصفات التي ينشدها الشاب الذي يحمل قلب الرجل الذي بلغ أشده ؟ وكيف سيقوم بمسؤوليته تجاه أخواته؟

كل ذلك يتضح في هذا الحوار الذي دار بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تزوج ، يقول جابر :

تزوجتُ امرأة ثيباً ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا جابر تزوجت ؟ )) قال : قلت : نعم . قال : (( فبكر أم ثيب ؟ )) قال : قلت : بل ثيب يا رسول الله . قال : (( فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ )) أو قال : (( تضاحكها وتضاحكك ؟ )) قال : قلت له : إن عبد الله هلك ، وترك تسع بنات أو سبع ، وإني كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن !!

فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن .

وفي رواية البخاري : قلت يا رسول الله :توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار ، فكرهت أن أتزوج مثلهن ، فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن ، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن ) [4]، قال : (( فبارك الله لك )) ، أو قال لي (( خيراً ))[5].

 

وأترك التعليق على هذا الجانب من شخصية جابر رضي الله عنه لك أخي القارئ....

 

وأنتقل معك إلى هذه الزوجة المباركة التي وقع عليها اختيار جابر، لقد ترك جابر زواج البكر الذي يسعى إليه كل شاب !

تركه لله ، فعوضه الله خيرا ، عوضه بهذه الزوجة الثيب المباركة..إنها سهيمة[6] بنت مسعود الأنصارية رضي الله عنها ، فكانت نعم الزوجة لزوجها ، فضربت أحسن المثل في حسن تبعل نساء الأنصار رضي الله عنهن لأزواجهن ..

 

يقول جابر رضي الله عنه محدثاً عن أحداث الخندق :

إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة ، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : (( أنا نازل )) ،ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقاً ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول ، فعاد كثيبا أهيل ،أو أهيم ، فقلت يا رسول الله ،ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ فقالت : عندي شعير وعناق[7] . فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم بالبرمة ، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر ، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج ، فقلت طُعيِّم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان . قال : ((كم هو ؟ )) فذكرت له ، فقال: (( كثير طيب )). قال : (( قل لها لا تنزع البرمة ،ولا الخبز من التنور حتى آتي )). فقال : (( قوموا )). فقام المهاجرون والأنصار . فلما دخل على امرأته قال : ويحَكِ جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ، قالت : سألك ؟ قلت : نعم . فقال : (( ادخلوا ولا تضاغطوا )). فجعل يكسر الخبز ، ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ، ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ، قال : ((كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة ))[8].

 

وذكر ابن حجر في رواية يونس .. قال جابر رضي الله عنه : فلقيت من الحياء مالا يعلمه إلا الله عز وجل ، وقلت :جاء الخلق على صاع من شعير وعناق ، فدخلت على امرأتي أقول : افتضحت !!. جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين ، فقالت : هل كان سألك كم طعامك ؟ فقلت : نعم ، فقالت : الله ورسوله أعلم ، ونحن قد أخبرناه بما عندنا .يقول جابر: فكشفت عني غماً شديداً .. قال ابن حجر رحمه الله معلقا على موقف سهيمة : فلما أعلمها أنه أعلمه ، سكن ما عندها لعلمها بإمكان خرق العادة ، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها [9]..

 

وقد وقع لها رضي الله عنها مع جابر رضي الله عنه في قصة التمر : أن جابراً أوصاها لما زارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تكلمه . فلما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الانصراف نادته : يا رسول الله ، صل عليَّ وعلى زوجي ، فقال : (( صلى الله عليك وعلى زوجك )) فعاتبها جابر، فقالت له :

أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي ، ثم يخرج ولا أسأله الدعاء ؟ [10].

 

إنها الزوجة المباركة ، فقدكشفت عن زوجها غماً شديداً ، وصفها ابن حجر بوفور عقلها وكمال فضلها، لقد جمعت مع ثباتها في وقت الخوف ووقت بوادر المعركة كرمها ، بل وإيثارها ، فما عندها إلا شعير وعناق ، وجمعت إلى هذه المحاسن حُسُن تبعُلها لزوجها أولاً : في صدقه ، وثانياً : في إعانته على إكرامه للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإيثاره لهم على أهله ، وثالثاً : في التهوين عليه وتسكين روعه ، ورابعاً : بطلب الدعاء لها ولزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم

 

إنها بذلك تذكرنا بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي كانت عامل ثبات وتأييد للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة ، فهلا اتخذت زوجات المسلمين اليوم من سهيمة بنت مسعود رضي الله عنها قدوة لهن ؟ ومثلا أعلى يحتذى به .

 

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1]- جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ، أبو عبدالله الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه من أهل بيعة الرضوان ، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتاً ، غزا مع رسول الله e ست عشرة غزوة لم يشهد أحداً وشهد الخندق وكان مفتي المدينة في زمانه ، شاخ وذهب بصره وقارب التسعين مات سنة ثمان وسبعين . سير أعلام النبلاء للذهبي ( 3/194 ) .

[2]- سير أعلام النبلاء (3/ 191 ).

[3]- البخاري ( ح/ 1351).

[4]- البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب استئذان الرجل الإمام لقوله: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع..}( ح/2805 ).

[5]- مسلم ، كتاب المساقاة ، باب استحباب نكاح ذات الدين ( ح/715 )،.

[6]- سهيمة بنت مسعود بن أوس بن مالك بن يخلو الأنصارية الظفرية ، زوج جابر بن عبد الله ، والدة ولده عبد الرحمن، ذكرها بن حبيب في المبايعات . الإصابة ( 7/718 ) .

[7]- العناق بفتح العين وتخفيف النون : الأنثى من ولد المعز. فتح الباري بشرح صحيح البخاري(10/13).

[8]- البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة الخندق ( ح/ 3875 ) .

[9]- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 7 / 398 ) .

[10]- أحمد (3/397) إسناده صحيح ، الموسوعة الحديثية مسند الإمام أحمد بإشراف شعيب الأرنؤوط (ح/15208)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 7 / 398 )