عناية الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة


عندما نسلط الضوء على مثل هذا الموضوع فإنما نلفت الانتباه لجانب من جوانب عظمة الإسلام ؛ فقد وصف الله تعالى رسالة خاتم أنبيائه بقوله :( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة للضعفاء والمحتاجين كما كان رحمة للأقوياء الأسوياء الأصحاء، ورحمة لذوي الاحتياجات الخاصة بالذات :

 

فهاهو يجيب دعوة عتبان بن مالك الأنصاري – رضي الله عنه - وكان ضرير البصر والذي دعاه ليصلي في بيته ؛ ليتخذه مصلّى يصلي فيه ، فتعنى السير إلى أطراف المدينة صلى الله عليه وسلم تطييبا لخاطره ، وتقديرا لحاجته ، ومراعاة لظرفه !

قال عتبان : وددتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى .

فوعده صلى الله عليه وسلم بزيارة وصلاة في بيته !

قال عتبان :فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنتُ له ، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فأشرتُ له إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم. رواه البخاري ومسلم .

وصورة أخرى لعناية نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام بذوي الاحتياجات الخاصة تزيد المشهد جمالا تدلل على عظمة هذا الدين ورحمته بالناس ،فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة! فَقَالَ: "يَا أُمّ فُلاَنٍ! انظري أَيّ السّكَكِ شِئْتِ، حَتّىَ أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ"، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها .رواه مسلم .

وهذا من حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة..

بل جاءت السنة بما يصبرهم على أقدار الله المكتوبة عليهم ، فهذا رسول الله يقول مسلِّيّاً لهم ومخففا عليهم : " يقول الله عز وجل : من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب ، لم أرض له ثوابا دون الجنة " رواه الترمذي وصححه الألباني، فالرضى بقضاء الله وقدره علامة على صدق الإيمان ، وسبب قوي لتحصيل الراحة والطمأنينة في الحياة ، فيعيش من ابتلاه الله بالعمى أو الصمم والبكم ، أو شيء من الإعاقة العقلية ، أو العضلية والعصبية بنفسية عجيبة تجعل الأصحاء المعافين يتخذونهم قدوة لهم في الصبر والتسليم لأقدار الله تعالى.

ثم إن في قصة عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه - مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهداً يعطي صورة عناية الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة لمسة جمالية فريدة ، فقد جاء الرجل الأعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأله ، وكان النبي في ذلك الوقت مشغولا بدعوة كبار القوم من قريش إلى الإسلام ، فلم يلتفت إليه ، وتغير وجهه صلى الله عليه وسلم ، ورغم أنه أعمى لم يرى وجه النبي صلى الله عليه وسلم وملامحه تلك اللحظة إلا أن الله عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى) سورة عبس: الآيات 1 – 5.

ففي هذه القصة، نرى علّة المعاتبة؛ لكونه صلى الله عليه وسلم انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس.

وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.

إن من أعظم صور العناية بذوي الاحتياجات الخاصة إتاحة الفرصة لهم ليقوموا بدورهم في الحياة الاجتماعية ، و أن يندمجوا مع مجتمعاتهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف ابن أم مكتوم رضي الله عنه على المدينة ، فاستخلفه مرتين يصلي بهم وهو أعمى !!رواه أحمد[وحسن إسناده الأرنؤوط في تحقيقه للمسند (3/ 192) برقم (13023)إلا أنه نبه في تحقيقه لسنن أبي داود (4/ 555) برقم (2931) أن الحديث صحيح دون لفظة (مرتين) لأنه صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة مرات كثيرة و ذكر بعض أهل السير أنه استخلفه عليها 13 مرة] .

وكان ابن أم مكتوم رضي الله عنه مؤذنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعمى !!رواه مسلم.

ومن عناية الإسلام بهم حثه المجتمع بالتأدب معهم بآداب الإسلام التي تزرع المحبة والود ، وتقطع أسباب الشحناء والحزن ، ومن ذلك :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]

كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكِبْر بطر الحق وغَمْط الناس"رواه مسلم .."وغمط الناس": احتقارهم والاستخفاف بهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المبتلى أعظم قدرًا عند الله، أو أكبر فضلاً على الناس، علمًا وجهادًا، وتقوى وعفة وأدبًا.. ناهيك عن القاعدة النبوية العامة، الفاصلة: "فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ"رواه البخاري .

ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير، من تضليل الكفيف عن طريقه، أو إيذائه، عبثا وسخرية، فقال: " مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ "رواه أحمد[

وحسن إسناده الأرنؤوط في تحقيقه للمسند (1/ 217) برقم (1875) وصححه الألباني انظر حديث رقم : 5891 في صحيح الجامع] ؛ فهذا وعيد شديد، لمن اتخذ العيوب الخلقية سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أو التقليل من شأن أصحابها، فصاحب الإعاقة ماهو إلا إنسان امتحنه الله؛ ليكون فينا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي.

وبعد هذه الصور الفائقة الجمال لعناية نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الفئة من المجتمع ، ننتقل لتشريعات الإسلام السامية التي ضمنت لهم حقوقهم ، وأتاحت لهم حياة كريمة طيبة ، فمن ذلك :

1- أن المسلم لا يعذر في تقصيره تجاه هذه الشريحة ، فصاحب البلاء إما أن يكون ابناً أو بنتاً أو أخاً أو أختاً أوأباً أو أماً أو ..وهؤلاء هم من الرعية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع فمسؤول عن رعيته ، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسؤولة عنهم ، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " رواه البخاري، وهذه المسؤولية تأخذ أنواعاً عدة من أهمها مسؤولية تعليمه أمور دينه ، فقد سئل الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله بما نصه :

إذا كان لدي أخ أصم وأبكم فهو لا يسمع ولا يتكلم كما هو معلوم ، وطبعا لا يعرف شيئا عن الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة ولا يعرف شيئا عن أحكام الإسلام ولا يعرف شيئا من القرآن . كيف يكون التوجيه والحالة هذه؟

فأجاب : هذا لا بد أن يفعل معه ما يعلم به عقله بالإشارة إذا كان بصيرا .

وينبغي أن يعلم الصلاة بالفعل؛ فيصلي عنده وليه أو غيره ويشار له أن يفعل هذا الفعل ، مع بيان الأوقات بالطريقة التي يفهمها أو بتعليمه الصلاة كل وقت بالفعل بعد أن يعلم أنه عاقل ، ويكتب له إن كان يعرف الكتابة حقيقة العقيدة الإسلامية وأركان الإسلام مع بيان معنى الشهادتين . وهكذا بقية أحكام الشرع توضح له كتابة . ومن ذلك أحكام الصلاة من الوضوء والغسل ومن الجنابة وبيان الأوقات وأركان الصلاة وواجباتها وما يشرع فيها وبيان السنن الراتبة وسنة الضحى والوتر إلى غير ذلك مما يحتاجه المكلف لعله يستفيد من الكتابة . ومتى علم عقله بأي وسيلة ، ثبت أنه من المكلفين إذا بلغ الحلم بإحدى علاماته المعلومة ولزمته أحكام المكلفين حسب علمه وقدرته . أما إن ظهر من حاله أنه لا يعقل فلا حرج عليه ، لأنه غير مكلف ، كما جاء في الحديث الصحيح : رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يبلغ والمعتوه حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ .

2- جعل الإسلام العمل من أجلهم ، وخدمتهم ، ونفعهم من أجل الأعمال قال صلى الله عليه وسلم : " أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا ، ومن كف غضبه ، ستر الله عورته ، ومن كظم غيظا ، ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل ، كما يفسد الخل العسل " حسنه الألباني في صحيح الجامع.

وقال صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " رواه البخاري ، وجعل إيثارهم على الغير ، وتخصيصهم بالعطاء ، من الصفات الحميدة ، قال تعالى واصفا للمؤمنين : {.. وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الحشر آية : 9 .

3- جعل منهم من هو أهل للزكاة ، حيث ورد في رسالة الفقيه ابن شهاب الزهري رحمه الله لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله وهـو يوضح لـه مواضع السُّنة في الزكاة : " إنَّ فيها نصيباً للزَّمْنى والمقعدين ، ونصيباً لكل مسكين به عاهة لا يستطيع عَيلة ولا تقليباً في الأرض".

وسئل العلامة الشيخ ابن جبرين – حمه الله - :

هل يدخل المعاقون ضمن الفئات المخصصة للزكاة ؟

فأجاب فضيلته:

إذا كان المعوق لا يقدر على الكسب ولا العمل وليس له من ينفق عليه من أب أو أخ أو أحد عصبته الذين يرثونه، فإنه أهل للزكاة، ويدخل في الفقراء والمساكين، فأما إن كان أحد ورثته ثرياً فإنه يلزم بالنفقة عليه، ولا يستحق الزكاة، أو كان يحسن صنعة كناسخ أو كاتب أو محترف بخياطة أو خرازة أو تجارة ونحو ذلك، فإنه لا تحل له الزكاة ، وذلك إن كثيراً من المعاقين معهم ذكاء وفطنة ، فتعلموا وعملوا في أعمال يدوية يستطيعون مزاولتها وهم قعود، ويكتسبون منها مالاً كافياً لهم، فهو أولى من اعتمادهم على ما في أيدي الناس، فإذن أحل وأطيب ما أكل الرجل من كسب يده.

4- أما الأوقاف فهي شامة في جبين تشريعات الإسلام ، وقد تعددت صور الأوقاف وتنوعت منافعها ، وكان ذلك واضحاً في حياة المسلمين الأوائل ؛ فالإسلام شجع الناس على إحياء سنة الوقف الخيري ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية . أو علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم ، فكانت الاستجابة سريعة في تخصيص أوقافهم إلى العديد من الأحوال والصور ، حتى بلغت ما لا يخطر على بال إنسان أن يفعله في شرقٍ ولا غرب ، فدعك من أوقاف المساجد التي كان يُوقف عليها منها ، ودعك من الأوقاف المخصّصة لطلبة العلم وإيواء المجذومين والمرضى ... يقول الدكتور محمد البلتاجي : " ولقد تعددت صور الأوقاف ، وقد عرفنا منها في تاريخنا أكثر من ثلاثين مظهراً من مظاهر التكافل الاجتماعي في العالم الإسلامي ..." وذكر منها : " .. مؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم " .

إنَّ جزءاً مقدّراً من ريع الأوقاف الإسلامية كان يُصرف على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين والمسجونين ليعيشوا فيها – أي الدُّور المخصّصة لهم – ويجدوا فيها السّكن والغذاء واللباس والتعليم والمعالجة .

إنَّ الوقف بابٌ مفتوح لمن أراد من الأفراد أو المؤسسات أن يلج من خلاله لمرضاة الله تعالى واكتساب الثواب ، ثم إدخال السرور والراحة إلى نفوس أفرادٍ من هذا المجتمع هم أوَلَى من غيرهم أن تُخصّص لهم مرافق تقضِي لهم متطلباتهم بسهولة ويسر ، ويشعرون كذلك أن إخوانهم في هذا المجتمع يشعرون بهم ويسعون في قضاء حاجاتهم فتطيب نفوسهم بذلك .

5- يسر لهم في الأحكام التكليفية ، ورفع الحرج عنهم ، {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 17 ].

بيد أن هذا التخفيف الذي يتمتع به المعاق في الشرع الإسلامي، يتسم بالتوازن والاعتدال، فخفف عن كل صاحب إعاقة قدر إعاقته، وكلفه قدر استطاعته، يقول القرطبي:

"إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك".

ومثال ذلك : الكفيف والمجنون، فالأول مكلف بجلّ التكاليف الشرعية باستثناء بعض الواجبات والفرائض كالجهاد.. أما الثاني فقد رفع عنه الشارع السمح كل التكاليف، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " رواه أبو داود وصححه الألباني .

ونختم هذه الجولة الماتعة بأمرين :

الأول : أعمال الخلفاء في مختلف العصور ، بما يؤكد الاهتمام بهذه الفئة اهتماماً خاصاً لخصوصية وضعها ، فمنها :

ما أثر عن عمر رضي الله عنه: " أنه منع التسوُّل ، وفرض لذوي العاهات راتباً في بيت المال ، حمايةً لهم من ذُلِّ السؤال " .

وورد أنَّ عمر بن عبدالعزيز رحمه الله كتب إلى أمصار الشام: " أن ارفعوا إلىَّ كُلَّ أعمى في الديوان أو مُقعَد أو مَن به فالج أو مَن به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة. فرفعوا إليه ، فأمر لكل أعمى بقائدٍ ، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادمٍ ".

وقد فعل مثله الوليد بن عبدالملك رحمه الله حيث اهتم بالمرضى والمكفوفين والمعوَّقين ، فرتب لهم النفقات اللازمة والعطاء المناسب ، وجعل لكل مُقعدٍ خادماً ، ولكل ضرير قائداً ، كما بنى مستشفى للمجذومين في ضواحي دمشق لا يزال قائماً ويحمل اسمه.

وقد قام كذلك أبو جعفر المنصور رحمه الله ببناء مستشفى للمكفوفين ومأوى للمجذومين وملجأ للعجائز في بغداد .

الثاني : أن نذكر بأن الاحترام ، والتقدير ، والأمن ، وإعطاء الحقوق ، هي من صور العدل التي ينشدها كل البشر ، وقد جاءت بتحقيقها كل الأديان السماوية ، وكان الإسلام الدين الخاتم من أعظم ما أعطى هذه المطالب البشرية حقها .

فقد سعد الناس ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصة بشروق شمس الإسلام ، في الوقت الذي لم ينتبه أصحاب المناهج البشرية القاصرة لهذه الفئة إلا في وقت متأخر بعدما نحّى جانبًا نظريات عنصرية، فاسدة، تدعو إلى إهمالهم، بزعم أن هؤلاء -أمثال الصم والبكم والعمي والمعاقين ذهنيًّا- لا فائدة منهم ترتجى للمجتمع.. ولقد قدرت منظمة العمل الدولية في تقرير لها عام (2000م) عدد ذوي الاحتياجات الخاصة بأكثر من (610) ملايين نسمة، منهم (400) مليون نسمة في الدول النامية، وفي تقرير للبنك الدولي، تمثل هذه الفئة 15% تقريبًا من نسبة السكان في كل دولة من دول العالم.

وإذا نظرنا -سريعًا- إلى تاريخ الغرب مع ذوي الاحتياجات الخاصة، نجد مجتمعات أوروبا القديمة، كروما وإسبرطا قد شهدت إهمالاً واضطهادًا صارخًا لهذه الفئة من البشر، فلقد كانت هذه المجتمعات -حكامًا وشعوبًا- تقضي بإهمال أصحاب الإعاقات، وإعدام الأطفال المعاقين.

وكانت المعتقدات الخاطئة والخرافات هي السبب الرئيسي في هذه الانتكاسة، فكانوا يعتقدون أن المعاقين عقليًّا هم أفراد تقمصتهم الشياطين والأرواح الشــريرة. وتبنّى الفلاسفة والعلماء الغربيون هذه الخرافات، فكانت قوانين (ليكورجوس) الإسبرطي و(سولون) الأثيني تسمح بالتخلص ممن بهم إعاقة تمنعه عن العمل والحرب، وجاء الفيلسوف الشهير (أفلاطون) وأعلن أن ذوي الاحتياجات الخاصة فئة خبيثة وتشكل عبئًا على المجتمع، وتضر بفكرة الجمهورية.. أما (هيربرت سبنسر) فقد طالب المجتمع بمنع شتى صور المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، بزعم أن هذه الفئة تثقل كاهل المجتمع بكثير من الأعباء دون فائدة.

بيد أن العرب -وإن كانوا يقتلون البنات خشية العار- كانوا أخف وطأة وأكثر شفقة على أهل البلوى والزمنى، وإن كانوا يتعففون عن مؤاكلة ذوي الاحتياجات الخاصة أو الجلوس معهم على مائدة طعام.

وفي الوقت الذي تخبط فيه العالم بين نظريات نادت بإعدام المتخلفين عقليًّا وأخرى نادت باستعمالهم في أعمال السخرة اهتدى الشرق والغرب أخيرًا إلى "فكرة" الرعاية المتكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة.. رأينا كيف كان المنهج النبوي في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة!!

وقرر -الشرع الإسلامي- الرعاية الكاملة والشاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، وجعلهم في سلم أولويات المجتمع الإسلامي، وشرع العفو عن سفيههم وجاهلهم. وتكريم أصحاب البلاء منهم، لا سيما من كانت له موهبة أو حرفة نافعة أو تجربة ناجحة، وحث على عيادتهم وزيارتهم، ورغب في الدعاء لهم، وحرّم السخرية منهم، ورفع العزلة والمقاطعة عنهم، ويسّر عليهم في الأحكام ورفع عنهم الحرج.

- جمع وتنسيق : متعب الحارثي .