صلة الرحم


أخي القارئ الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد حث الإسلام أفراده على بناء مجتمع إسلامي قوي مترابط، لبناته متماسكة، بناؤه محكم، علاقات أفراده متينة، مثله كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولكن لتفريط بعض أفراده في التمسك بما أمر الله به أدّى ذلك إلى تفشي داء مقلق في جسد الأمة الإسلامية قد بدأت أعراضه تظهر علينا.

  • أعراض الداء:

فمن أعراض هذا الداء ظهور عقوق الوالدين فكم من ولد يهينهما ويسخر منهما ويحتقرهما، يكرم امرأته ويهين أمه، ويقرب صديقه ويبعد أباه،

ونلحظ  عند البعض الأنانية والكبر والحسد والبغضاء بين الإخوة والأخوات والأعمام والأخوال إلا من رحم الله، ونرى النزاعات والخصومات بين بعض الأهل والأقارب، وربما كان لأتفه الأسباب حتى أبدى بعضهم لبعض الشر والعداء، وما سبب ذلك إلا بُعْد هؤلاء الناس عن التطبيق الصحيح لصلة الأرحام ، والغفلة عن التفكير في عواقبها السيئة العظام!!

لذلك كان لنا هذه الوقفة نتذاكر فيها فضل صلة الأرحام والواجب علينا تجاه أرحامنا، فنؤدي لهم الحق الذي علينا تجاههم.

  • أولاً من هم الأرحام الذين يجب علينا صلتهم؟

إن معرفة الرحم الواجب على المسلم صلتها أمر لابد منه كما قال عمر : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامك ، وقال أيضاً رضي الله عنه : تعلموا أنسابكم ثم صلوا أرحامك .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم .

وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري بيان الأرحام فقال: "يطلق على الأقارب وهم من بينه وبين الآخر نسب ، سواء كان يرثه أم لا. سواء كان ذا محرم أم لا".

وقال الشيخ ابن عثيمين: "الأرحام والأنساب هم أقارب الإنسان نفسه كأمه وأبيه وابنه وابنته وكل من كان بينه وبينهم صلة من قِبل أبيه أو من قِبل أمه أو من قِبل ابنه أو من قِبل ابنته".

  • ثانيا: وسائل صلة الرحم

إن سبب ضعف الصلة بين الأرحام انحسار مفهوم الصلة بالزيارة فقط !

مما يجعل الكلفة والانشغال عن ذلك الأمر عسيرا ، فإليك أخي القارئ وسائل كثيرة وطرق عديدة تعطي معنى جديدا وأفقا واسعا لمعنى صلة الرحم فدونك بعضها : السلام و التحية ، و الهدية ، و المعاونة ، و المجالسة ، و المكالمة ، و بالتلطف و الإحسان إليهم.

قال ابن عابدين: " وإن كان غائباً يصلهم بالمكتوب إليهم، فإن قدر على المسير كان أفضل ".

قال القرطبي رحمه الله تعالى مختصراً: (وتكون كذلك بالتناسي عن الزلات و الصفح عن الخطيئات . وتفقد الأحوال ، و الإنفاق عليهم بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه وتحمل قطيعتهم، وذلك يكون إذا كانوا أهل استقامة، أما إذا كانوا فجاراً فعلى الواصل بذل الجهد في وعظهم ، ولا يسقط صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب إلى أن يعودوا إلى الطريقة المثلى).

  • ثالثا: ثواب واصل الرحم في الدارين

لقد رتب الله للواصلين في الدنيا والآخرة ثوابا كبيرا وجزاء عظيما فإليك بعضها:

إن صلة الرحم سبب في دخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة. اقرؤوا قول الله تعالى عن المؤمنين: { وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ }[الرعد:24

وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بما يدخلني الجنة ويباعدني عن النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً، و تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة، و تصل رحمك) فلما أدبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة ).

وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ).

وصلة الرحم سبب لكثرة الرزق وطول العمر وحصول البركة لصاحبه بعمل الصالحات فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم:( من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) متفق عليه.

ومن بركة صلة الرحم وفضلها أن أجر الصدقة على المحتاج من ذي القرابة والرحم مضاعفة على أجر الصدقة على المحتاجين من غيرهم، فهي للرحم المحتاج صدقة وصلة، ويشهد لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ( اسم حديقة له)، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت هذه الآية : { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [آل عمران:92]. قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران:92]، وإن أحب مالي إلي ( بيرحاء) وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وإني سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين).

وقال صلى الله عليه وسلم:( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيقل خيراً أو ليصمت ) رواه البخاري ومسلم.

  • رابعا: عقوبة قاطع الرحم في الدنيا والآخرة

أخي المحب للإسلام إذا كان لصلة الرحم كل هذا الأجر في الدنيا وفي الآخرة، فلا ريب أن لقاطع الرحم عقوبة ، وذلك لما يترتب على قطع الرحم من تقطيع لأواصر المجتمع المسلم وتفكيك لعراه، وخلخلة لبنيانه، وانفراط لعقده. لذا فقد جاء التهديد والوعيد والعقوبة الشديدة لمن قطع رحمه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهذه العقوبة منها ما هو معجل في الدنيا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم )[أخرجه أبو داود (4/276 ، رقم 4902) ، والترمذى (4/664 ، رقم 2511) وقال : حسن صحيح . وابن ماجه (2/1408 ، رقم 4211) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة المجلدات (2/ 492) رقم (918)]

وتتمثل هذه العقوبة العاجلة في عدم قبول الأعمال الصالحة، إذ ترد على صاحبها، وهي خسارة فادحة للمسلم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم ) حديث حسن رواه الإمام أحمد.

وتعظم الخسارة لمن أصرّ على قطع رحمه بطرده من رحمة الله حيث يدخل تحت لعنة الله تعالى والعياذ بالله، ولا خير في عمل وكسب بدون رحمة الله تعالى وحفظه وبركته ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال فذلك لك) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( اقرؤوا إن شئتم : {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ }[محمد:23]).[رواه البخاري،حديث رقم (5641)]

ثم تكون العقوبة الأخروية ، وإنها لأعظم عقوبة يعاقب بها إنسان قط، وهي الحرمان من الجنة. ووالله ليس لمن حرم من الجنة من موئل إلا النار إلا من رحم الله.

فقد ورد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( لا يدخل الجنة قاطع ). قال سفيان: يعني قاطع رحم. رواه البخاري ومسلم.

وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:( إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن عز وجل، فمن قطعها حرّم الله عليه الجنة) ، وهذا في حق من استحل قطيعة الرحم والعياذ بالله.

فلنحذر قطيعة الرحم ولنقم بصلتها ابتغاء مرضاة الله تعالى ورجاء الأجر والثواب منه جل في علاه و لا تقابل من قطعك بالقطيعة واصبر واحتسب

  • خامسا: ما قاله الشاعر في صفات واصل الرحم

وإن الـذي بينـي وبين بني أبـي           وبيـن بني عمـي لمختلفُ جـداً

إذا أكلوا لحمي وفـرت لحومهـم          وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجـداً

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم        وإن هم هووا غيِّ هويت لهم رشداً

وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم       دعوني إلى نصـر أتيتهـم شـدَّا

ولا أحمل الحقـد القديـم عليهـم           وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

لهم جل مالـي إن تتابع لي غنى          وإن قـل مالـي لم أكلفهـم رفدا

وإني لعبد الضـيف ما دام نـازلاً        وما شيمة لي غيرها تشبه العبـدا

  • سادسا: إشكالات وتساؤلات

قد ترد تساؤلات وإشكالات تمر على أذهان البعض من أفراد المجتمع، نوردها مع الإجابة عليها وبالله التوفيق:

من يقول إن رحمي لا تستحق الصلة لأنهم يبادلونني عن الحسنة بالسيئة، وعن الصلة بالقطيعة فما هو موقفي منهم؟

وجواب ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه البخاري: ( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها )؛ فالمسلم عندما يصل أرحامه يقوم بأمر أوجبه الله تعالى عليه، يطلب به الأجر والمثوبة من ربه لا من أرحامه. لذلك فالصلة الحقيقية هي التي تبتدئ بالإحسان دون انتظار مكافئ من القول أو الفعل صادر من ذوي القربى، وأعظم منها الصلة التي تستمر على الرغم من إساءة ذوي القربى ومقابلة إساءتهم بالإحسان.

ولا شك أن ذلك شديد على النفس، ولا يقدر عليه إلاّ من وفقه الله، قال الشاعر في هذا:

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضـة       على النفس من وقع الحسام المهندِ

ولا ريب أن مثل هذا الواصل يستحق من الله تعالى كل عون ونصر وتأييد. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي؟! فقال:( إن كنت كما قلت فكأنما تسُفُّهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك ) رواه مسلم. ومعنى:( تسفهم المل ) أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم. ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم الفظيع في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه.

وآخر يسأل إن كانت القرابة كافرة فهل تجوز صلتهم؟

فيقال إن الأصل في الإسلام البر والصلة والإحسان لقول الله تعالى {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.

فلا مانع من صلتهم والإحسان إليهم من غير أن يكون لهم ولاء في القلب، قال تعالى: { لاَّ يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }[الممتحنة:8

ويقول الله في حق الوالدين وهم على الكفر{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إلىّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}.

و يسأل سائل فيقول كيف نستطيع أن نصل أرحامنا وهم كثر وفي أماكن متفرقة، ونحن في زمن تزاحمت فيه الأعمال والحقوق والواجبات؟

ففي هذه الحالة يبدأ المسلم بالأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، ويمكن الجمع بينهم بحسب الحال، فمنهم من يمكن زيارته لقربه منه، ومنهم من يوصل بالمراسلة بالبريد، ومنهم من يتصل به بالهاتف، ومنهم من يهدى إليه بعض الهدايا، ومنهم من يسافر إليه وذلك باستغلال أيام الإجازة والعطل في صلة الأرحام وزيارتهم والأنس بهم، ومن يتحرّ الخير يعطه، وكما قال تعالى: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن:16]، فإذا بذل الإنسان جهده في صلة رحمه وفقه الله تعالى لذلك ويسر أمره وأعانه.

وختاماً أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد في الدارين وأن يجزل لنا الأجر و الثواب.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

- الكاتب : بهجت العمودي