الستر


في هذا العصر بسبب قوة وسرعة الوسائل التقنية الحديثة نحن في حاجة ماسة للتذكير المتكرر بموضوع " الستر " .

خاصة إذا علمنا أن هناك من ضعف إيمانه إلى الحد الذي أصبح ، تتبع عورات الناس ، وتصيد زلاتهم ، ورصد أخطائهم فناً ومهارة يتسلى بها أحياناً ، ويسعى لإسقاط ضحاياه ، وفضحهم أحياناً أخرى .

والعجيب أن بعض هذه الفئة من الناس قد تهتك ستر أقرب الناس إليهم!..

... فضلا عن التشهير بالجيران، وزملاء العمل مروراً ..و...و..

والذي يزيد الأمر مرارة أن البعض يعتبرونه سبقاً صحفياً!! وآخر يعتبره من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! وثالث ورابع ...الخ

والأعجب من يعتبر فضيحة الآخرين من باب الفضفضة ومتعة الحديث!!...

والمؤلم حقاً هو ذلك الصنف الذي يتخذ من هتك الأسرار ، والتهديد بالفضيحة تجارةً يتكسب من ورائها .

أخي المسلم ..أختي المسلمة ..ما من إنسان إلا وله أسرار، وربما زلات وهفوات، وما من بيت إلا وله خصوصياته وأسراره .

فمن فضح الآخرين ولم يسترهم، كيف يأمن على نفسه الفضيحة !!

أخي الكريم ..بروية وبعقل وبهدوء فكر في أي الموقفين خير؟ إذا أظهرك الله على سريرة سيئة لإنسان من أقاربك أو من غيرهم من الأصدقاء ،و... ، فأنت بين خيارين :

الموقف الأول: تهتك ستره، وتفضحه.

والموقف الثاني: تستر عليه .

فأي الموقفين سترى نتائجه الأفضل؟

لنرى :

إذا فضحت العاصي، وانكشفَ أمرُه ستضيق عليه الأرضُ بما رَحُبَت، وربما إذا رأى الفضيحة لاحقة به ازداد في غيه ، وأصبح من المعاندين !!

إذن أنت أفسدته: بتتبع عورته، ثم أفسدته أكثر عندما فضحته؛ فأنت أقوى أسباب فساده !

أما الموقف الثاني: فهو موقف الستر؛ فالستر يطفئ نار الفساد، ويشيع المحبة في الناس؛ فالساتر محمود ممدوح محبوب من الخالق ، ومحبوب من المخلوق ..... فاستعن بالله على التحلي بهذه الفضيلة .

أخي الكريم ..لماذا لا نزرع في ناشئتنا حب الستر ؛ ففئة من الصغار الذين يقعون في هذا المسلك المشين (إشاعة وهتك الأسرار )، يفتقدون للتأدب بأدب الستر!

فلنزرع في أخلاقهم قيمة الستر ، ومن ذلك أن نقرر في نفوسهم وبوضوح أنه إذا بلغت سن البلوغ فأنت مسؤول عن تصرفاتك، والله سيحاسبك عليها، لا تقل أنا صغير مراهق، بل أنت بالغ فكن على حذر ، قال الله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (النور: 20).

البعض يظن أن هذه الآية عمن ينشرون الفاحشة فقط، ولكن التفسير الأول لهذه الآية هو عن الذين ينشرون الفضايح ، ويروجون الإشاعات، والقذف .... وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ليس من كبائر الذنوب فحسب، بل من الموبقات!!

أخي المسلم ..أختي المسلمة .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "من أتى من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله؛ فإنه من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد" والحديث إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.

والله جل جلاله يحب الستر، جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يدنو أحدكم من ربه ( يعني يوم القيامة ) فيقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره، ثم يقول: إني سترتُ عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " .

وحديث ثالث رواه البخاري ومسلم ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها( استمتاع محرم بغير جماع) فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت، فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك! قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقام الرجل فانطلق ، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} ( هود 114) فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟، قال: "بل للناس كافة".

وروى ابن أبي حاتم عن مكحول قال:جاء شيخ كبير هرم، قد سقط حاجباه على عينيه فقال: يا رسولَ الله! رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه؛ لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم؛ فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أأسلمتَ؟ "قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم :" فإنَّ الله غافرٌ لك ما كنتَ كذلك، ومبدلٌ سيئاتِك حسناتٍ"، فقال: يا رسول الله وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فقال: "وغَدَراتك وفَجَراتك! فولَّى الرجلُ يُكبِّرُ ويُهلِّل ".[4]

ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري ومسلم : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ،وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه ، فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه".

فتأملوا لماذا أمر بأربعة شهود عند رؤية الفاحشة ؟ من أجل الستر.

لماذا رد الرسول صلى الله عليه وسلم أربع مرات ذلك الرجل الذي زنا ؟ إلا من أجل الستر .

بل انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم، للرجل الذي أشار على الصحابي الذي زنى أن يذهب ليعترف بذنبه للنبي صلى الله عليه وسلم، فذهب واعترف، فأقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم الحد، قال له صلى الله عليه وسلم: " أما لو كنتَ سترته بثوبك؛ لكان خيرًا مما صنعت به " رواه أحمد بسند صحيح.

وروى مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يستر عبد عبداً في الدنيا ، إلا ستره الله يوم القيامة".

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفْضِي إلى امرأته، وتُفْضِي إليه ثم يَنْشُرُ سرها "

رواه مسلم وأبو داود .

هل رأيت شر الناس الذي يفضح المباح ! ومع ذلك فهو من شرار الناس يوم القيامة! فكيف بمن يحرص أن يجعل فلاناً يقع في الحرام ليفضحه ؟!

وكيف بمن يتهم الأبرياء ؟! ظلمات بعضها فوق بعض.

فهذا أمر من الله ورسوله بالستر، وكل أمر في الشرع فيه حكمة ورحمة ، فأحياناً يكون الشخص محترما ومع ذلك قد يقع في الزلل ، فقط استره..وناصحه ..

ثم احذروا التجسس..فالمعاملة بالظاهر ليست غباء، ولكن حكمة حكيم وحلم حليم؛ فقد تتجسس فتكشف خطأ، ثم إذا أردت معالجة الخطأ قالوا لك : لكنك أنت أيضا أخطأت بالتجسس؛ فينظرون إليك بازدراء .

ومن جانب آخر فالبحث عن العورات يفسد ..تأمل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة حتى أسمع العواتق في خدورهن فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته " والحديث في صحيح الجامع الصغير.

فعلا : إن العباد يُعَيِّرون ولا يُغَيِّرون، والله تعالى يُغَيِّرُ ولا يُعَيِّرُ .

أما رجال هيئة الأمر بالمعروف ورجال مكافحة المخدرات وما يلحق بهم؛ الذين من مهمتهم ومن عملهم أن يتتبعوا المنكرات لا ينطبق في حقهم مسألة الستر؛ لأن الضابط في الستر أو الفضيحة هو عدم وصول الضرر للغير، والأسوء أن يكون تياراً ضرريا فعندئذ يجب إيقافه.

أخي الكريم ..لو أنصفَ العبدُ، وتذكَّرَ ما عنده من الغَدَرات والفَجَرات؛ وستر الله عليه؛ لأدرك سعةَ رحمةِ الله وعظمةَ نعمتِه عليه؛ ولتاب وأناب، وأنشِد مع القحطاني رحمه الله:

أنتَ الذي صوَّرْتَنِـي وخلَقْتنِـي وجعلتَ صدري واعِيَ القرآن!

وجبرتَنِي وسترتَنِي ونَصَرتنِـي وغمرتَنِي بالفَضلِ والإحسـانِ!

وزَرعتَ لي بين القلوبِ مـودةً والعطفَ منك برحمةٍ وحنـانِ!

ونشرتَ لي في العالمين مَحاسناً وسترت عن أبصارهم عصياني!

وجعلتَ ذكري في البريةِ شائعاً حتى جعلتَ جميعَهم إخوانـي!

والله لو علموا قبيـحَ سريرتـي لأبى السلامَ عليَّ مـن يلقانـي

 

 

ولأعْرَضُوا عنِّي ومَلُّوا صُحبتي ولَبُؤتُ بعـد كرامـةٍ بهـوانِ!

لكن سَتـرتَ مَعايِبِـي ومَثالبـي وحلمتَ عن سَقَطي وعن طُغياني

فلك المحامـدُ والمدائـحُ كلهـا بخواطِري وجوارِحي ولِسانـي!

اللهم استرنا بسترك الذي لا ينكشف .