نعمة الأمن


جاء المصطفى عليه الصلاة والسلام

بالنور

فبدل الله به شقاء الناس سعادة ، وخوفهم أمناً ، ونكدهم هناءً , وتشرذمهم وتفرقهم ألفة واجتماعاً , وظلمهم عدلاً وميزاناً ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى إخوانه من رسل الله وأنبيائه .

أخي المسلم ..لنكن من دعاة الإصلاح ، وجمع الكلمة ،وباذلي المعروف ، وناشري الخير .

إن نعمة الأمن في الأوطان لا يوازيها نعمة ، ولا يمكن أن تتحقق الحياة البشرية إلا بها ؛ فكل الضرورات والكليات الخمس مرهونة بنعمة الأمن والأمان والسكينة والاطمئنان .

فجاء الإسلام بحفظ الدين فحرم سبحانه الردة والكفر ، وجاء بحفظ النفوس فحرم قتل وسفك الدماء , وجاء بحفظ العقول فحرم كل مسكر ومخدر ومفتر ، وجاء بحفظ المال فحرم السرقة والاختلاس والنهبة وأكل مال اليتيم والتطفيف والغش والقمار والاحتيال والتزوير , وجاء بحفظ الأنساب أو الأعراض فحرم سبحانه الزنا واللواط وسائر الفواحش ودواعيها من النظر والسماع المحرم ، وحرم القذف وعده من السبع الموبقات .

كل ذلك وما سواه كثير وعظيم ؛ إنما جاء به الإسلام لحفظ الأمن ، ولإقامة الدين ، ولرعاية المصالح ، ودفع المفاسد ، بل وجعل من قُتل دون شيء من هذه الكليات الخمس ( الدين – النفس – العقل – المال – العرض ) شهيداً .

تأمل ! كيف فزع الصحابة رضوان الله عليهم ؛ لصوت راعهم سمع في أحد أطراف المدينة النبوية ؛ فخرجوا سراعاً ينظرون الخطب !!

فإذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قد عاد من مصدر الصوت وجهته على فرس له غير مسرّج يقول لهم :" لن تراعوا لن تراعوا ".

نعم إنه الأمن الذي إذا فُقد أو تلاشى !

فكيف لأمة أن تنهض ؟ ولدعوة أن تنتشر ؟ولحضارة أن تشيد ؟ ولأعراض وحرمات أن تصان ، إذا فقد الأمن ؟!

الأمن ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية فكما لا يُتصور أن يحيا الإنسان ويعيش بغير غذاء ولا سقاء فإن المال كذلك بالنسبة للأمن .

بل إن الله قدم نعمة الأمن في آيات كريمات وجعلها من أعظم وأجل ما يمتن بها على عباده فدونك منها . (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) شرطان من شروط حفظ الأمن واستتباب الرخاء وسكون النفس ووضاءة العيش . (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور:55].

وفي شأن قريش قال سبحانه منعماً متكرماً . (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)[قريش:4] .

ولعظم الأمن وأهميته وبيان سبل المحافظة عليه جاءت الإشارات النبوية والتوجيهات النورانية بالنهي عن ترويع المؤمن :

قال عليه الصلاة والسلام :" لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً "[مسند أحمد (5/ 362) رقم (23114) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح].

وجاء في رواية حتى في عصاه :" لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعباً أو جاداً فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه "[سنن أبي داود (ت: الأرنؤوط) (7/ 351) رقم (5003) وصححه الأرنؤوط. و سنن الترمذي (4/462) رقم (2160) وقال: حسن غريب] والحديدة .

بل نهى عن الإشارة بالسلاح فقال عليه الصلاة والسلام :" من أشار إلى أخيه بحديدة ؛ فإن الملائكة تلعنه ! وإن كان أخاه لأبيه وأمه "[صحيح مسلم (8/ 33) رقم (6832)].

وفي رواية :" لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار "[متفق عليه].

ونهى أن يُتعاطى السيف مسلولاً.[سنن أبي داود (ت: الأرنؤوط) (4/ 231) رقم (2588) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح. وسنن الترمذي (4/ 464) رقم (2163) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني].

إذا اختل الأمن فما قيمة دور علم وجامعات ومدارس ومستشفيات

إذا اضطرب الأمن استشرى الفساد وشاعت الفوضى , عندها تتعطل المصالح , وتغلق المصانع ويسطو الأشرار وتتقطع السبل .

لذا كان الأمن نعمة لا يوازيها نعمة , فلا تصلح الحياة إلا به ولا يطيب العيش إلا باستتبابه.

ألم يجعله الله من نعيم أهل الجنة ؟ فقال سبحانه . (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ)[الحجر:46].

فكما لا يتصور أن يحيا الإنسان ويعيش بغير طعام ولا سقاء فكذلك الحال بالنسبة للأمن .

لقد اعتلج الألم منا قلوباً , واكتوت بالحزن منا أنفساً لما وقع من أحداث أخيرة في بلد هو موطن الوحي ومبعث الرسالة وقبلة المسلمين ، وما يتكرر في بقية الدول الإسلامية عموما .

روعت هذه الأحداث الآمنين وسُفكت فيها دماء بريئة واستهدفت مصالح حيوية للبلد وأهله مما لا مستند لها من آية ولا حديث ولا هي بالتي يقرها عقل ولا شرع ولا تخدم مصلحة ولا تنكأ عدواً بل تناقض أصول الدين العامة وتعارض قواعده الثابتة ...

زد على ذلك

هل يعقل بالله عليكم أن هذه الفئة القليلة التي نهجت هذا النهج مما لا تمثل فيه إلا نفسها وفكرها وهواها , هل يعقل أنها فقهت من الدين وأصوله وقواعده مما برر لها تجاوزاتها ما لم يفقهه العلماء ودعاة الخير وذوو الرأي والمشورة في الأمة ؟!

هل يعقل أن هذه الفئة التي تحولت من مسارها لاستهداف معصومي الدماء من المسلمين في طرقهم وإدارتهم قد عرفوا من أدلة الشرع وأحكام الملة ما سوغ لهم هذه الأفعال في الوقت الذي جهل فيه العلماء ودعاة الخير وغاب عنهم علمه ودرايته ؟!

قال ابن مسعود رضي الله عنه :" إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة فإن الرجل يكون تابعاً في الخير خير من أن يكون قائداً في الشر "[الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 328) رقم (176 و 177).].

وقال أبو العالية رحمه الله تعالى :" عليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقي بين الناس العداوة والبغضاء "[الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 299) رقم (136) و (1/ 338) رقم (202).]

من أجل ذلك كان ولا بد من وقفات كاشفة وواضحة ومنصفة وعادلة رائدها الحق ومؤداها النصح ومبعثها الإصلاح نزن بها الأحداث ونحكم بها على التصرفات مما هو مستوحى من كلام وبيانات نخبة من العلماء الأثبات ودعاة الخير المصلحين .

أما إن سألت عن أسباب حفظ الأمن فدونكها إجمالاً وأنت لبيب فبالإشارة تفهم :

1)إقامة الحدود على الصغير و الكبير والحر والعبد والغني والفقير والحاكم والمحكوم :" وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "[متفق عليه].

2) إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي للأمة صمام أمان وحفظ واطمئنان .

3) نشر العلم فقد قال أحد مدراء شرطة مدينة من مدن المملكة إن معدل الجريمة كان أقل بكثير يوم أن كانت دروس العلماء مبثوثة في المساجد تنشره في الأنحاء , منها يوم أن انقطعت أو قلت نسبة إقامتها .

4) إقامة المحاضن التربوية وتشجيع المبادرات الدعوية والمراكز الشبابية والمخيمات الصيفية وغيرها التي يأوي إليها الناس بأهاليهم وأبنائهم لشغل فراغهم بالنافع المفيد .

5) الإيمان قبل ذلك وبعده خشية الله في القلوب . قال سبحانه.(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الأنعام:82].

سأل خليفة أحد جلسائه الحكماء ما النعمة فقال : الأمن فإني رأيت الخائف لا يتمتع بعيش .

إي والله ..

ونظرة منك أخي وقراءة على ما يدور في جنبات بلدان الغرب الكافر في معدلات الجريمة تجعل الإنسان المسلم يدرك حقيقة أهمية الأمن والسعي في الحفاظ عليه والأخذ بأسبابه .

لقد كانت دعوة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام .( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً )[إبراهيم:35].

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يدعو بالستر والسلامة والمعافاة فقال :" اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي "[سنن ابن ماجه (2/1273) رقم (3871) وصحح الألباني].

إن بيان الحقائق وكشف المسلمات من أوجب الواجبات ؛ لذا فإن أي عاقل مؤمن لديه علم بمقاصد الشريعة وأحكام الدين لا يقر بحال من الأحوال ما وقع في الآونة الأخيرة من أحداث مؤلمة ولا تتوافق مع شرع ولا تحقق مصلحة ولا تعالج مشكلة .

ثم تفاقم الأمر وازداد سوءاً وإثماً عندما رأينا وشاهدنا ما كان من انتهاك لحرمة أكرم بلدين حرمهما الله مكة والمدينة !!

فهي حرام إلى يوم القيامة ، ولم تحل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا ساعة من نهار ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج:25].

وهنا وقفة لا بد من إدراكها وتسليط الضوء عليها وهي:

أنه من أعظم أسباب فقد الأمن من يستغل الحدث وينتهز الفرصة فيوجه سهام كلامه ، وقلمه تجاه ديننا وعلمائنا ومناهجنا وقيمنا ومسلماتنا !!بل وينال من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر !

وينقل ميدان المعركة على ميادين أُخر كميدان المرأة وخروجها ونحو ذلك .

إضاءة :

-قال صلوات ربي وسلامه عليه :" من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده , عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها "[أخرجه ابن ماجه (4141)، والترمذي (2346) وقال: حديث حسن غريب. وحسنه الألباني انظر حديث رقم : 6042 في صحيح الجامع.].