دعوة للعمل والتكسب


   الحمد لله جعل المال للأتقياء منحة ومنة , فنفوسهم به مطمئنة ، إذ تكسبوه من حله وأنفقوه في محله ، فهنيئا لهم نعيما وجنة , وهذا المال هو نفسه محنة الأشقياء عبدة المال فهم له أذلة , إذ جمعوه من طرق محرمة , وأوصدوا دونه أبواب الخير فهي مغلقة ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ )[محمد:38]. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أعز من أطاعه وشرفه , وأغدق عليه الخير وسدده وأهان من عصاه وحقره وألبسه الصغار ونكسه . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل لعمرو بن العاص رضي الله عنه " يا عمرو اشدد عليك ثيابك وسلاحك وائتني ".قال : فشددت علي ثيابي وسلاحي , ثم أتيته فوجدته يتوضأ , فصعد في البصر وصوبه وقال :" يا عمرو إني أريد أن أبعثك وجها , فيسلمك الله عز وجل ويغنمك , وأرغب لك في المال رغبة صالحة " . قال قلت : يا رسول الله إني لم أُسلم رغبة في المال , وإنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك . فقال :" يا عمرو : نعم المال الصالح للمرء الصالح "[مسند أحمد (4/ 202 رقم: 17835) قال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.]. صلى الله عليه وعلى رسل الله وأنبيائه جميعا الكرام البررة، وعلى من اقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .

إلى هناك..

.. حيث نقطف خبر الألمعية و الذكاء المصحوبة بقوة الإيمان وبرد اليقين، وبذل الأسباب و حسن التوكل و الإجمال في طلب الرزق ، قد استجمعت في كيان شحذته همة عالية !

إنه نبأ عبد من عباد الله إنه : عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوم أتى المدينة فقيرا من فقراء المهاجرين، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أخيه الأنصاري سعد بن الربيع ، فاستقبل سعد أخاه عبد الرحمن وقدم له عرضا سخيا قال فيه : يا عبد الرحمن أما إني أكثر الأنصار مالا , ولي زوجتان فهذا مالي أشاطرك إياه و هاتان زوجتاي انظر إليهما جميعا فأيهما أعجبتك طلقتها فنكحتها!!

إنه مشهد مجلل بالإيثار و المؤاخاة ، و كرم النفس و جزيل العطاء ، فإذا بابن عوف يقبل العطية شاكرا مثنيا عليه بخير، ولكن بعفة و شمم و استغناء و إباء و كرم ، فما انتهزها فرصة وفرح بها هدية، وإنما قال : بارك الله لك في أهلك و مالك ، ولكن دلني على السوق , فما كان من سعد إلا أن دله على سوق .. أي سوق ؟

إنه سوق بني قينقاع حيث الهيمنة اليهودية .. ومع ذلك دخله عبدالرحمن بمنافسة تجارية و حنكة و عبقرية قوامها الاعتماد في الرزق على الرازق و التوكل على الوكيل سبحانه ، حيث أخذ بمجاديف الأسباب .

و كانت بداية المشوار يوماً أُقيطة ، و يوماً سمينة ، و يوماً إهاباً يبيع و يشتري ، وإذا به يلقى يوماً حبيبه عليه صلوات ربي وسلامه ، فلما نظر إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم رابه أمره .. لقد رأى من هيئة عبدالرحمن تغيراً .. نعم لقد أبصر عليه أثر الصفرة [ نوع من الطيب ] فقال متعجباً صلى الله عليه وسلم : " مهيم " يا عبدالرحمن [ أي ما شأنك] فقال : تزوجت يا رسول الله [ من إقط وإيهاب باع فيه أو فيهما واشترى ابتدأها من الصفر حتى تزوج رضي الله عنه فما كان من الحبيب عليه الصلاة والسلام يوم أن أبصر عليه ذلك الخلوق من ردع الزعفران إلاّ أن ساءله : ] "ما أصدقتها ؟" قال : وزن نواة من ذهب – ربع دينار .

ليتك أيها القارئ الكريم أن تحتفظ بهذا الرقم الآن :"ربع دينار من ذهب"

لا يفلت منك لأننا سنحتاجه بعد قليل في مقارنة تبين ألمعية و حذق عبد الرحمن رضي الله عنه وأرضاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"بارك الله لك ، أولم ولو بشاة  "[متفق عليه].

لم تفتر عزيمة ابن عوف الأبي رضي الله عنه فظلّ يصافق بالمال .. حتى إذا ما مرّت الأيام دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى الصدقة ، فإذا بعبدالرحمن يجيء بشطر ماله أربعة آلاف درهم !

ثم ترقى عبدالرحمن رضي الله عنه مباركاً له في كسبه، موسعاً عليه في رزقه وربحه ، فإذا هو يأتي يوماً من الأيام ليتصدق فإذا بصفر ينضم إلى هاتيك الأصفار ليصعد الرقم إلى أربعين ألف درهم !!

ثم علت الموارد المالية للتاجر الصدوق المنفق فيخلفه الله ، و المتصدق فيعوضه الله ، ولكن أضعافاً مضاعفة ؛ فنمّاها و زكّاها ، فإذا به يأتي يوما آخر فيتصدق بالرقم نفسه أربعين ألفاً ، ولكنها هذه المرة ليست دراهم ولكن دنانير ذهبية.. !

ويحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، و خمسمائة راحلة كذلك .. – فنعم المال الصالح للمرء الصالح - .

لذا قال صلى الله عليه وسلم: " ويل للمكثرين ، إلاّ من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا " أربع عن يمينه وعن شماله، ومن قدّامه ومن ورائه "[ابن ماجه (ت: الأرنؤوط) (5/ 244 رقم: 4129) صحيح لغيره.] ،وفي رواية: " الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة إلاّ من قال بالمال هكذا وهكذا و كسبه من طيب "[ابن ماجه (ت: الأرنؤوط) (5/ 244 رقم: 4130) صحيح.]

ويظلّ المال يفور في يدي عبدالرحمن مع أنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ومع ذلك وفي الوقت نفسه لم تكن لتغيب عن قلبه وفكره آية من كتاب الله خاصة وهو الزاهد العابد الورع أحد المبشرين العشرة بالجنة { رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}[النور:38].

في يوم من الأيام قُدم لابن عوف طعام إفطاره، وكان صائماً ، فتذكر إخوانه من فقراء المهاجرين الذين قضوا نحبهم ولما تسلط عليهم الدنيا من أمثال مصعب بن عمير وأبي سلمة وأهل الصفة وغيرهم رضي الله عنهم؛ فهاجت نفسه بالبكاء ! وقال : أخشى أن تكون حسناتنا عجّلت لنا ، ثم استعبر، ثم نشج، ثم قام عن طعامه ولم يتناول منه لقمة وهو الذي كان صائماً !

وسُمعت في المدينة وجبة ورجفة فقيل :ما هذا ؟ قالوا : سبعمائة راحلة دخلت المدينة موقّرة بالبر و الدقيق و الطعام كلها لعبدالرحمن بن عوف ! فقال عبدالرحمن رضي الله عنه وهو المبتغي لوجه الله عمله وشأنه كله: اللهم إني تصدقت بنصفها.. لا .. بثلثيها.. لا .. اللهم إني تصدقت بها وبما عليها في سبيلك .

إنه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه ينفق قربات عند من بابه و رزقه في السماء ينزل عليه من كل باب ..

ولك أن تتصور أخي المبارك مع كل هذه العطايا السحّاء و رغم كل تلك الثروة الضخمة إلا أن نواتها كانت :ربع دينار!

إنها ثروة طيبة مباركة نترسم فيها ومعها خطى ما في هذا الإيمان من قوة ، وتلكم الحياة من جد ، وذلكم السوق من حركة واستثمار ، وهاتيكم الأيادي البيضاء من بذل وعطاء ، إنه ابن عوف استغنى وأغنى ،وأهدى وبلّ رحمه ،ووصل جيراناً وأصحاباً ، وأطعم ذا مسغبة وسد جوع ذي متربة .

" فنعم المال الصالح للمرء الصالح "

ولئن كان هذا الاستعفاف عما في أيدي الناس ، وطلب الرزق من عرق الجبين وكد الجسد صورة مشرقة في حياة ابن عوف رضي الله عنه ثامن ثمانية في الإسلام و أحد البدريين و من الستة أهل الشورى بعد عمر ، فكذلك كان البقية من إخوانه المهاجرين الذين دخلوا المدينة فقراء ولم يأتوا معهم من مكة بل لم يؤذن لهم بشيء من حطام الدنيا ...

لقد استقبلت رحاب المدينة وردهاتها جمعهم فهل يا ترى أحدثوا هناك أزمة بطالة أو مشكلة تسوّل ؟! كلا ! لقد وسعتهم المدينة ، فإذا هم سبب انتعاش اقتصادها ورغد عيش أهلها ، فصافقوا في الأسواق ، و عملوا في الضيعات ، و زرعوا و حرثوا للأنصار بالكرى في نخيلهم و مزارعهم !

فلنعم الحلال كسبهم ، و لنعم الصفق المثمر متجرهم ، بعيدا عن استجداء الأيدي و الجيوب .

فأين هذه المآثر المثلى من أناس بدؤوا مشوار حياتهم أيا كانت أهدافهم بخطى رديئة و أسسوها على لبنات هشة : من تكففهم للناس ، و استشرافهم لهباتهم ، صدقة كانت أم زكاة ، أم و سخ أموالهم , فإذا ما قلبت النظر في أحدهم و جدته وأنت مفجوع تنظر إلى كنوز الصحة و العافية تملأ سواعدهم و كنوز المال تملأ بلادهم ثم ماذا ؟ إذا بتلك السواعد تفتر و تكل بل و تغل عن عمل رابح و بداية جادة ..

يقول عمر رضي الله عنه : إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة ؟ فإن قالوا : لا . سقط من عيني .

ورأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه , شابا يسأل فواجره نفسه [ أي استأجره للعمل عنده ] حتى يستغني عن المسألة ، وهو هو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كان من أتجر قريش حتى دخل في الإمارة فشوهد ذاهباً إلى السوق ومعه أثواب يتجر بها . فلحقه عمر و أبو عبيدة رضي الله عنهم جميعا فقالا له : أين تريد يا خليفة رسول الله ؟!

قال : السوق .

قالا : تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين ؟

قال : فمن أين أطعم عيالي ؟

قالا : انطلق حتى نفرض لك شيئا .

ففرضوا له أجرا من بيت المال كي يتفرغ لشؤون المسلمين .

فرضي الله عن أبي بكر وعن سائر الأصحاب الذي قال في شأنه الحبيب صلى الله عليه وسلم رفيق الهجرة و ثاني اثنين إذ هما بالغار ." ما نفعنا مال أحد ما نفعنا مال أبي بكر "[صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6/ 217 رقم: 2718) وعزاه لابن راهويه].

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أرسلتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فدخلت المسجد فإذا برسول الله عليه الصلاة والسلام يخطب يقول: " ـ وأنا تجاهه ـ من سأل وعنده زنة أوقية من فضة فقد ألحف في السؤال " .قال أبو سعيد فقلت في نفسي : ناقتي الياقوتة خير من أوقية، ثم رجعت ولم أسأله شيئاً !

لقد ربى الحبيب صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم على الشمم و عدم سؤال الناس حثاً لهم على العمل و التكسب و عمارة الأرض و السير في فجاجها فكان يقول بعضهم :"ابسط يدك أبايعك " فإذا بايعه بايعه على أن لا يسأل الناس شيئا . حتى إن أبا بكر رضي الله عنه وهو الخليفة يمشي على بعيره فيسقط سوطه فيضرب في ذراع البعير فينخيه ثم يأخذ السوط بنفسه ثم يركب بعيره والناس يمرون به يقولون يا خليفة رسول الله لو أمرت أحدنا لناولك سوطك .فيقول :إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نسأل الناس شيئا !

لذا قال صلى الله عليه وسلم :" من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا و أتكفل له بالجنة "[سنن أبي داود (ت: الأرنؤوط) (3/ 83 رقم: 1643) صحيح].

ولقد كان عمر يتعاقب هو وجاره الأنصاري يوما بعد يوم على الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ليعلم العلم، و الآخر يتكسب لأهله ، ثم إذا ما دعاه أبلغه بما علمه من قرآن و سنة .

وكان عمر يتاجر في السوق ، و عثمان رضي الله عنهما يبيع الثياب في جاهليته و إسلامه ، و قد سقى علي رضي الله عنه بالدّلاء ، يعمل بيده الشريفة ، و يؤجر نفسه بتمرات لاستخراج الماء من البئر ؛ لعمل الطين حتى مجلت يداه [ صلب و شحن جلدها ] من حبل الليف ، و كان يطحن الرحى، و يحمل الماء ..

وهكذا سائر الأصحاب رضي الله عنهم .

المرء يسعى ويسعى الرزق يطلبه &&& وربما اختلفا في السعي والطلب

حتى إذا قدر الرحمن جمعهما &&& للاتفاق أتاك الرزق عن كثب ..

 

فإلى كل شاب و رجل و أب و عائل لنتذكر جميعا أن الفقر والحاجة والمسغبة وقلة ذات اليد موجودة ، ولكن مهما كان فيها من مرارة وألم ومعاناة فكل ذلك شيء هين إذا ما قورن بما في المسألة والاستجداء من ذلة  و إهراق لماء الوجه , فكن أُخي بماء وجهك ضنينا فهو لا يقدر بثمن .

إن للإنسان عزة يصونها و كرامة يحفظها وحياء ومروءة تحجزه أن تمتد يده إلا إلى عمل يتكسب من ورائه أو حرفة يتطلب الرزق من خلالها . باحثا كالا جاداً دؤوباً أبياً يجمع إلى القليل ما هو أقل منه فيبارك الله له مقصداً موفرا .. متوكلا على الله معتمداً.