أُسيد والعمل الخيري


   جاء أسيد بن حضير - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان قسم طعاما ، فذكر له أهل بيتٍ من الأنصار من بني ظفر فيهم حاجة ، وجلُّ أهل ذلك البيت نسوة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( تركتنا يا أسيد حتى ذهب ما في أيدينا ، فإذا سمعت بشيء قد جاءنا فاذكر لي أهل ذلك البيت )). فجاءه بعد ذلك طعام من خيبر شعير وتمر ، فقسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، وقسم في الأنصار فأجزل ، وقسم في أهل ذلك البيت فأجزل ، فقال له أسيد بن حضير متشكراً : أجزاك الله أي نبي الله أفضل الجزاء . أو قال :خيرا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وأنتم يا معشر الأنصار فجزاكم الله أطيب الجزاء ،أو قال خيرا ،فإنكم ما علمت أعفة صبر ، وسترون بعدي أثرة في الأمر والقسم ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ))([1]).أَعِفَّة: جمع عفيف، وهو الذي لا يسأل الناس مع حاجته.و صُبُر: جمع صابر .

 

ياله من موقف يقرر في نفوس المؤمنين عظمة ذلك الجيل الذي اختاره الله تعالى العليم الخبير لصحبة خاتم أنبيائه عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير واقع عملي يشهد بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث ظهرت في حياتهم أعظم ثمار الإيمان بالله تعالى ، وبرز في حياتهم أثر الإسلام في حياة البشر ، فهذا أبو بكر لم ينسه أمر الخلافة تفقد حال العجوز العمياء يكنس بيتها ويصلح طعامها!

وعمر يعس بالليل يتفقد حال رعيته وخاصة المحتاجين !

وعثمان ينفق الأموال الكثيرة في سبيل الله !

وعلي يعمل بالأجرة طوال النهار لينفق ويتصدق آخر النهار!

إنهم إخوة بعضهم من بعض فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا الله في زمرتهم يوم الدين .

 

أولئك آبائي فجئني بمثلهـم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

إن أسيداً بوقفته الحانية ، وقلبه الرحيم ، وسعيه الحثيث في تفريج كربة هذه الأسرة الأنصارية ليصور لنا الواقع الحقيقي الذي يجب أن يكون عليه المسلم في الحياة ..في مجتمعه الذي يعيش فيه ..إنها الإيجابية..إنها الفاعلية ..

مسلم يقض بما يدور في مجتمعه الصغير ( حيه ، مكان عمله ، مسجده ، مدينته....) من أحداث وتغيرات ، ولم يقف عند هذا الحد بل انتقل إلى مرحلة التفاعل مع الحدث ، والمشاركة في الحل ، وهذا ما ينقص البعض من المسلمين إن لم يكن الكثير!

 

وثمرة أخرى نقطفها من قصة أسيد هي ميزة عظيمة لهذا الدين السامي ألا وهي غرس بذرة عمل الخير في نفوس المؤمنين ، عمل الخير بمعناه الواسع ، والذي تتمثل بعض معانيه في مدلول هذا الحديث العظيم فقد سأل رجل من أهل اليمامة أبا ذر – رضي الله عنه - قال : دلني على عمل إذا عمل العبد به دخل الجنة . فقال أبو ذر – رضي الله عنه : سألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال : ( يؤمن بالله ). فقلت : يا رسول الله إن مع الإيمان عملا ؟ قال : ( يرضخ مما رزقه الله ). قلت : وإن كان معدما ، لا شيء له ؟. قال : ( يقول معروفا بلسانه ). قلت : وإن كان عييا، لا يبلغ عنه لسانه ؟ – أي لا يحسن الكلام - قال : ( فيعين مغلوبا ).قلت : فإن كان ضعيفا ،لا قدرة له ؟ قال : ( فليصنع لأخرق ) – الأخرق الذي لا يتقن ما يعمله - قلت : وإن كان أخرق ؟ قال : فالتفت إلي ، وقال : ( ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا من الخير ؟! فليدع الناس من أذاه ). فقلت : يا رسول الله إن هذه كلمة تيسير.

فقال صلى الله عليه وسلم:( والذي نفسي بيده ، ما من عبد يعمل بخصلة منها، يريد بها ما عند الله ، إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى تدخله الجنة ) ([2]).

 

أرأيت أخي كيف يرتقي الإسلام بالنفس البشرية ليكون لها وجودها ولها أثرها في الحياة ، إنه لا يوجد في أمة الإسلام فرد مهمش أو لا قيمة له ، إنك تشعر وأنت تقرأ مثل هذه القصة وهذا الحديث أنه يصنع منك شيئا عظيما .

 

إن أسيداً يعلمنا كيف ارتفع الإسلام بالمجتمع البشري من مستوى الأنا ومستوى العيش للمصالح الخاصة إلى مراعاة مصالح الناس والمجتمع عامة ، مع عدم الإضرار بالمصالح الخاصة .

 

وإن تلمس حاجات الناس والسعي في قضائها لمن أوجب الواجبات في المجتمعات المسلمة ، سواءً كانت هذه الحاجات:

فقراً وعوزاً ، أم مرضاً ، أم بطالة ، أم انعدام الأهلية للعمل ومواجهة أعباء الحياة ، أم جهلا بالعلوم الشرعية وما يعينهم على العيش من العلوم الدنيوية ، أم مشاكل لا يحسنون التعامل معها ، أم فراغا لم يشغل ، أم ...أم ...

 

إن الإسلام يمد المجتمعات المؤمنة بمقومات البقاء ، بل والقوة والاستمرارية والتأثير ..

 

تأمل كيف ربط الله تعالى بين تجاوز ذلك الكرب العظيم وتلك العقبة بالإيجابية في الحياة ، { فلا اقتحم العقبة . وما أدراك ما العقبة . فك رقبة . أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما ذا مقربة . أو مسكيناً ذا متربة } ، بل وجعل سبحانه نيل البر لا يكون إلا بالإنفاق مما يحب الإنسان! { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ، وجاء وصف المؤمن الصادق بأنه لا ينتظر من عمله الخير وإيجابيته في الحياة جزاءً من الناس ولا شكورا {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)} [الإنسان: 9 - 11]

 

أخي كم هي الآيات الحاثة على الإنفاق في سبيل الله !

وكم هي الآيات المحذرة من الشح والإمساك !

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)}

 

أسيد بدوره الفاعل في مجتمعه المدني يعلمنا أن نجعل هم الإصلاح الديني والدنيوي لمجتمعاتنا من الأولويات في حياتنا..

فكم هي نسبة الاهتمام بشريحة الفقراء والمحتاجين في حيك في خارطة اهتماماتك؟

لعل رجاء الثواب من الله الكريم المنان ، وخوف العقاب ، يجعلانك تغير من خارطة اهتماماتك ، ويدعم هذا التغيير تلك النهاية المتوقعة لأفراد الأسر المحتاجة حين لا يجدون من يقف معهم من الجنوح إلى الجريمة ، أو السقوط في أوحال الرذيلة أعاذ الله مجتمعات المسلمين من كل سوء ومكروه .

وفي قصة الثلاثة الذين حبستهم الصخرة في الغار أكبر شاهد..حيث كان لأحدهم ابنة عم يحبها كثيرا وأرادها في نفسها فأبت عليه ، ثم ألمت بها حاجة شديدة فجاءت إليه تطلب منه المساعدة ؟!

فأبى عليها إلا أن تمكنه من نفسها فوافقت على هذا من أجل حاجتها . فأعطاها مائة دينار وعشرين ديناراً ،فلما جلس بين رجليها، قالت له : يا عبد الله اتق الله !ولا تفض الخاتم إلا بحقه .

فخاف من الله حينئذ ، وقام عنها وترك لها الذهب خوفا من الله عز وجل .

 

وكرر السؤال السابق عن المسنين ، وعن الخلافات الأسرية والزوجية منها خاصة وغيرها ، وعن البطالة ، والفراغ ، ومظاهر التغير في المجتمعات نتيجة قوة رياح التغريب ؟ و...و..؟

فلنبادر أخي ..كما بادر أسيد ، وليكن لنا أثرنا في مجتمعاتنا الإسلامية ، حتى الذي يعيش ضمن الأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية هو سفير للإسلام بفاعليته هناك ، فقد ذكر عن جعفر – رضي الله عنه – أنه شارك النجاشي بالرأي في إحدى الملمات التي مرت به :

- لنعيد للمسجد دوره ، وفاعليته في حياة المسلمين .

- لنتعاون مع الجمعيات الخيرية في مجتمعنا، ونستقطع جزءاً يسيراً من دخلنا لها .

- لنفعل أصحاب الطاقات من المتخصصين والأكاديميين رجالا كانوا أم نساءً في الارتقاء بأهل الحي شرعيا ونفسيا وصحيا ومهاريا وثقافيا ...

- أن نعد البرامج المناسبة لتأهيل الشباب ( من الجنسين )للحياة الكريمة .

- أن يهتم أهل الحي الواحد بأصحاب القدرات الخاصة والموهوبين .

- أن تكون هناك برامج لاستثمار أوقات فراغ أفراد الأسرة ، والاستفادة من المباني الحكومية كالمدارس في ذلك.

- أن يشارك أهل الحي كل بحسب حاله : الغني ينفق من سعته يدفعه لذلك :" ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار"([3]) ، والفقير الذي قدر عليه رزقه ينفق مما آتاه الله يدفعه لذلك " اتقوا النار ولو بشق تمرة "([4]) ، ويدفعه " سبق درهم مائة ألف درهم "([5]) ، فيشارك الجميع في تمويل مركز حي :اجتماعي ،وصحي وتأهيلي مهني ، وترفيهي ، وإعلامي ، وتدريبي ، فيقطف الجميع ثمرة تعاونهم وتكاتفهم { وتعاونوا على البر والتقوى }.

 

- خلق فرص وظيفية للشباب في الحي أو مساعدتهم في الوصول إليها خارجه.

متابعة احتياجات الحي: الاتصالات ، الكهرباء ، الماء ، نظافة البيئة ...

- تنسيق وصول المرأة المحتاجة لعمل كريم عن بعد بالدرجة الأولى والسعي في إنجاح هذا المشروع كما هو في عدد من بلاد العالم ، فإن لم يتيسر ففي مكان غير مختلط .

- استثمار عقول وخبرات المتقاعدين ( رجالا ونساءً ) من خلال : أندية خاصة بهم ، أو ديوانيات ، أو أمسيات ....

وبمثل هذه الأفكار والأدوار يصبح المجتمع لحمة واحدة لها وجودها وحضورها في الحياة ، وتنشأ لبنة قوية تنظم لكافة لبنات المجتمع الأخرى ليعيش المجتمع المسلم آمناً مطمئناً بعون الله .

قال صلى الله عليه وسلم :" المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا". وشبك بين أصابعه([6])..

وهذا ما كان عليه المجتمع المسلم زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أقام الأنصار – رضي الله عنهم – هذا المعنى في أرض الواقع في أجمل صوره ، وهاك الشاهد ، روى الإمام أحمد بسنده إلى أمنا عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما يضر امرأة نزلت بين بيتين من الأنصار ، أو نزلت بين أبويها !! ))([7]). أي أن الأنصار رضي الله عنهم بلغ بهم حب الخير للغير والحرص على رعايته مبلغًا عظيمًا حيث إن من جاورهم وكان في قربهم ناله من هذا الخير و العناية كما لو أنه بين أبويه.

وختاما :

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه )) ([8]) ..

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]-ابن حبان في صحيحه ( ح/7277) ، و الحاكم في مستدركه ، وصححه ووافقه الذهبي ( ح/ 6974) ،وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 7 / 255) .

[2]- أخرجه ابن حبان في صحيحه ح/373 ..

[3]- رواه البخاري ، كتاب : فضائل القرآن ، باب :اغتباط صاحب القرآن .

[4]- رواه البخاري ، كتاب : المناقب ، باب :علامات النبوة .

[5]- رواه ابن حبان في كتاب الزكاة ، وابن خزيمة ، والحاكم .

[6]- رواه البخاري ، كتاب: المظالم ، باب :نصرة المظلوم.

[7]- أحمد ( ح/26261 ) صحيح ،انظر الموسوعة الحديثية مسند الإمام أحمد بإشراف شعيب الأرنؤوط (ح/26207).

[8]- رواه ابن ماجة في سننه. حديث رقم 237. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم1332.