الرضا .. عن الله


   الحمد لله العليم الحكيم الخبير سبحانه ، الذي علم ما يُصلح خلقه ويُقيم معاشهم ، ويُسعدهم في دنياهم وأخراهم ، القائل سبحانه : { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون } القصص 68 .

قال الشيخ السعدي رحمه الله : "فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات; ونفوذ مشيئته بجميع البريات; وانفراده باختيار من يختاره ويختصه; من الأشخاص; والأوامر والأزمان, والأماكن. وأن أحداً; ليس له من الأمر والاختيار شيء ".

وخيرة الله لعبده أو أمته خيرٌ من خيرتهم لأنفسهم ، وذلك لعلم الله الكامل وقدرته سبحانه ؛ ولذا قال جل في عُلاه مبيناً ذلك : { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } البقرة: 216.

فإن الإنسان لقلة علمه وعدم إدراكه ، واستعجاله ، وسعيه الحثيث في تحصيل ما يرجوه ويطمع فيه من أمور الدنيا ( ظناً منه أن الخير في تحصيله ) ، فقد لا يتحقق له مطلوبه وقد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة، والمصائب الموجعة ، التي تكرهها نفسه ، فربما جزع ، أو أصابه الحزن ، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة، والفوت الذي لا يُعوض والكسر الذي لا جبر له ، لآماله وحياته ، فإذا بذلك المقدور منحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، ومنعٌ ظاهر ، في طيته عطاء أوسع وأجمل ،  وفوائد لأقوام ظنوها مصائب وإذا بها نِعمٌ ، وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب !. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

والعكس صحيح: فكم من إنسان سعى في تحصيل شيءٍ  ظاهره خيرٌ، و طمع إليه ، واستمات في سبيل الحصول عليه ، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد.

قال العليم الخبير : { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فاطر 35 .

 لذا وجب الرضا عن الله وعن قضائه وقدره ، روى الأعمش عن أبي ظبيان قال:" كنا عند علقمة ، فقُرئ عليه هذه الآية: { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } التغابن:11، قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلم"[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان - (7/ 196 رقم: 9976)]. فيكون له الرضا وهداية القلب وسكون النفس وحمد الله وشكره .

ومن فعل ذلك فليُبشر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : ( إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ ) [أخرجه الترمذي (4/601 ، رقم 2396) وقال : حسن غريب . وابن ماجه (2/1338 ، رقم 4031) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 145)] .

فنحن عبيده بنو عبيده بنو إمائه ماض فينا حُكمه عدل فينا قضاؤه ، ومتى آمن العبد بذلك كان من أسعد الناس روحاً وأرضاهم نفساً وأقرهم عيناً .

 قال ابن القيم رحمه الله : إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستّة مشاهد:

الأوّل: مشهد التوحيد, وأن الله هو الذي قدّره وشاءه وخلقه, وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

الثاني: مشهد العدل, وأنه ماض فيه حكمه, عدل فيه قضاؤه.

الثالث: مشهد الرحمة , وأن رحمته في هذا المقدور غالبة لغضبه وانتقامه , ورحمته حشوه . أي : ظاهره بلاء وباطنه رحمة.

الرابع: مشهد الحكمة , وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك , لم يقدّره سدى ولا قضاه عبثاً.

الخامس: مشهد الحمد, وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه.

السادس: مشهد العبوديّة, وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيِّده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده , فيصرفه تحت أحكامه القدريّة كما يصرفه تحت أحكامه الدينيّة ,  فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه .

      اللهم رضِّنا وارض عنا ، اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت .