رحمة النبي صلى الله عليه وسلم


بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد القائل: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 53], والصلاة والسلام على أرحم الخلق بالخلق محمد بن عبد الله القائل: ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي ) [رواه الترمذي بإسناد حسن]  وبعد:

فلا شك - أحبتي - أن خلق الرحمة لا يصل إليه إلا المصطفون من الناس ، ولذا كلما ازداد الإنسان علما ازداد رحمة قال الله تعالى عن المؤمنين: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } [الحديد: 27]، ورسولنا صلى الله عليه وسلم أجل وأعلى في هذا الشأن قال تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]. وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ومن بعده أبو بكر رضي الله عنه لسعة علمه وعلو منزلته .

أما رحمة الله تعالى فقد وسعت كل شيء قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]

ولقد حث الله على الرحمة  في كتابه وامتثلها عليه الصلاة والسلام في قوله وفعله .

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في خلق الرحمة صلوات ربي وسلامه عليه ؛ فقد حث عليها في مواطن كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء) [رواه أبو داود والترمذي وغيرهم وصححه الألباني] ، وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) [متفق عليه], لقد عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم خلق الرحمة في حياته كلها سجية لا تكلفا مع القريب والبعيد ، مع الصديق وحتى العدو ، بل حتى الحيوان نال من خلق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، وإليكم أحبتي شيء يسير من رحمته صلى الله عليه وسلم :

1-      الرحمة بالصغير: عن أبي قتادة رضي الله عنه  قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى، فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع رفعها ) [متفق عليه].

وفي الحديث الآخر: ( فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع. قال: حسبته أنه قال :كأنها شن ؛ ففاضت عيناه ، فقال سعد: يا رسول الله ! ما هذا ؟ فقال: ( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) [متفق عليه، والشن: القربة الخلقة اليابسة ، انظر: فتح الباري لابن حجر(3/157)].

2-      الرحمة بأم الصبي في الصلاة: فعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه ) [رواه البخاري].

3-      الرحمة بأتباعه من أمته: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) [متفق عليه].

4-      من رحمته الرحمة بالكفار من قومه: فعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحد ؟.  قال : ( لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت . وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال:  إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . فناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد ، فقال : ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ) [متفق عليه ].

هذه إشارات سريعة لجزء يسير من خلق الرحمة لرسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم ، ففي سيرته العطرة نماذج كثيرة لهذا الخلق الرفيع لا يسع المقام لذكرها كلها توضح لنا وبجلاء كيف استطاع الحبيب بهذا الخلق الرفيع أن يؤثر في جميع أتباعه ، بل وحتى من لم يتبعه ، من أكثر من ألف وأربعمائة عام ، وصدق الله تعالى حين قال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..} [آل عمران: 159].

فكيف يقال إن دين محمد دين إرهاب ؟!

وصلى الله وسلم على خير خلق الله