الوجه الجميل للحياة


    الحمد لله الذي بيده مقادير كل شيء وهو العليم {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وأعظم المجاهدين الصابرين ، وعلى آله وصحبه .            أما بعد :

   يصبح الإنسان ويمسي وهو يكابد في هذه الحياة ويغدو في شؤونه ويروح ، ويواجه من الآلام والآمال الكثير . يواجه من الإحباطات والمشكلات ما يؤثر على صفاء حياته وسعادته فيها.

يتفاعل مع عالم إسلامي وعربي مليء بالأحداث المؤلمة ، ويهتم في زمن يعيش المؤمن فيه غربة وأوضاعاً معتمة ؛ لهذا كله حق لنا بين الفينة والأخرى أن نذكر بعضنا بالتفاؤل ، وأن نتحدث فيما يعين على الصبر ، وفهم طبيعة الحياة التي قال الله عنها:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } [الانشقاق: 6]؛ فسمي العمل فيها كدحاً أي نصباً وتعباً.

لكن العاقل بإدراكه أن هذه طبيعتها يمكنه أن يعيش فيها مطمئناً سعيداً ، ينظر إلى جمالها وزخرفها فيعمل فيه بطاعة الله ،وينظر إلى مصائبها ومنغصاتها فيمضي فيها بأقدار الله ؛ يحدوه التفاؤل بتحسن أحوالها ؛ فهو مطمئن متفائل راضٍ في كلا الحالين.

العاقل يعلم أن هذه الدنيا :

جبلت على كدر وأنت تريدها ...صفواً من الأقذار و الأكدار

ومكلف الأشياء ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار

وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا ؛ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)[رواه مسلم، حديث رقم 4952].

 الحياة ليست ذات لون محدد لا ينظر إليها إلا به ؛ فليست كلها شرّاً ومعصيةً ورجساً ، وليست كلها طمأنينةً وهناءً وخلواً من المصائب والشرور .

إنك تعيش في هذه الدنيا لحظات من السعادة والاطمئنان والهناء ؛ فتقول فيها كما قال بعض السلف، وقد مر به حالة من هذا النوع وهو مع بعض جلسائه ، قال : إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم لفي خير كثير!.

وتعيش أحياناً أخرى لحظات من اليأس والإحباط ما يجعلك تتمنى الموت من شدة ما تواجه!

والناس عموماً هم على حالين في هذا : فمنهم من تأخذه المشاعر والأحوال السلبية فتؤثر على حياته ونفسيته وسلوكه ، حتى يشكو من كل شيء حوله ، ولا يرى في هذه الحياة إلا سوادها وسوءَها ؛ فهو في شكوى دائمة من كل شيء ، وفي نفس محطمة بائسة مع كل شيء ، وهؤلاء يقال لهم ما قاله أحد الشعراء:

أيهذا الشــــــاكي وما بـــــك داء      كيف تغدو إذا غدوت عليلاً

وترى الشوك في الورود وتعمى     أن ترى فوقها الندى إكليلاً

هو عبء على الحـــــيـــاة ثقيل       من يرى الحــــيــــــاة عبئاً ثقيلاً

كل من يجمع الهموم عــــليه        أخذته الهموم أخــذاً وبيـــلاً

أيهذا الشاكي وما بك داء        كن جميلاً ترى الوجود جميلاً

وجاء عن حبيبنا صلى الله عليه وسلم : ( إذا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)[رواه مسلم، حديث رقم 4755]. أي إنه أشدهم هلاكاً.

والقسم الثاني من الناس : يرى سواد الحياة لكنه يسعى إلى إنارة كل بقعة سوداء فيها بالإيمان بأقدار الله ، والعمل على الإصلاح والتغيير ، والرضا بالقدر ، والطمأنينة بتدبير الخالق الرحيم العليم بسائر شؤون هذه الحياة.

إن المؤمن مطالب بأن يكون إيجابياً في الحياة ، ناشراً للضياء ، منيراً لحياة الناس وطريقهم ؛ لتتحول حياته هو حياةً جميلة مضيئة ، حتى لو خالطها ما يكون في هذه الدنيا من منغصات .

إن لكل شيء في الحياة وجهاً جميلاً ، والعلماء قالوا من قبل : إن الله تعالى لم يخلق شراً محضاً خالصاً من الخير .

والتردي السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه بعض المسلمين ، والفقر والمرض واليتم وغيرها من مصائب الدنيا ليست كلها سواداً خالصاً ، وإن العظماء في الغالب إنما ولدوا من رحم هذه المصائب والآلام.

ولئن يعيش الإنسان في حياته مكثراً للخير مقللاً من الشر خير من أن يبقى يصف الشر ويلعنه فقط . وقد قيل في الحكمة السائرة : أوقد شمعة خيرٌ من أن تلعن الظلام ألف مرة.

 وإن الآمال تخرج من رحم الآلام ، والإيجابية في الحياة هي العمل بهذا الدين وتوجيهاته.

وإن من أحب الأعمال إلى الله كما جاء في الحديث الصحيح : ( سرور تدخله على مسلم )، وأيضاً جاء في أول الحديث :( أحب الناس إلى الله أنفعهم )[صحيح الجامع الصغير،حديث رقم 176] أي أنفعهم للناس ، وهذه هي الحياة الجميلة ..

إنك تكون أسعد الناس حين تفرج هم مهموم ، أو تمسح رأس يتيم ، أو تعين ذا الحاجة الملهوف ، أو تقضي ديناً عن مدين ، أو تنشر خيراً ، أو تدل على هدى ..

لقد طلب الإسلام من أتباعه أن يعملوا بكل عمل يساهم في إقامة الدنيا لأجل الآخرة ،

وإعمار الدنيا لعمران الآخرة ، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } [المؤمنون: 51] ، ويقول سبحانه:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج: 77]

ويقول تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ } [النحل: 30]،

وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها)[البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني، حديث رقم 479].

إن هذه الحياة بحسب ما نعيشها ، وهي لنا كما نحن لها ؛ فإن جعلناها كل الهم وغاية المراد كان حزننا على ما يفوتنا فيها عظيماً أثره علينا ، وإن جعلناها وسيلة للآخرة كان حزننا فيها يسيراً عابراً .. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: فإن السعادة فيها مرتبطة بما نعمله فيها ، وكيف نعيشها أحياناً ، سعادتك في شعورك أنك تنجز ما تريد ، وأحياناً سعادتك ترتبط بإيجابيتك مع الناس ، ونفعك لهم ،

وفي أحيان أخرى تكون حياتك جميلة بكثرة ما تعين على حوائج الناس، وتدخل السرور عليهم .

والسعادة الحقيقية الكبرى: تكون لمن نجحوا في تحصيل سعادة الدنيا ، والتوصل بها إلى سعادة الآخرة ، ولمن أعانوا المحبطين أن يتحولوا إلى منتجين في الحياة نافعين لغيرهم .

 الخوف من الفشل ، والخجل من الناس ، واليأس السريع وعدم الصبر ، هي أبرز الأمور التي تسبب للإنسان الإحباط ، ومتى ما استطاع الإنسان تجاوز هذه العقبات وأمثالها كان ناجحاً نافعاً ..

وإن من الموفقين من يمنحك الحياة إذا اقتربت منه ، ويدفع بك لطرق التميز والنجاح ، ومن الناس من يعطي الفقير سمكة ليأكلها وهذا جيد ، لكن أحسن منه من يعلّم الفقير كيف يصيد السمكة.

ولكي تكون أكثر الناس إيجابية علم الناس كيف يكونون كذلك ، وكيف يعيشون حياتهم على أحسن الأحوال ، و كيف يتجاوزونها مع نقصها وهم في طمأنينة وراحة بال ، قال الله تعالى : {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)} [النحل: 75، 76].

اللهم ارزقنا الإيمان وحلاوة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، والموت راحة لنا من كل شر ، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال ، اللهم إنا نعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء ، ونسألك اللهم نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ،  ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.

 





ترجمة المقال