الحياة إنجاز


   الإنجازات في الحياة معالم مضيئة في حياة البشر؛ تشرق بها أنفسهم ، وتزكو بها أرواحهم – ويصلحون بها مجتمعاتهم  ، والأصل في المؤمن أن يرتقي من فضيلة إلى أخرى يحدوه السرور بإنجازها والشوق لإتمامها .

جاء قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } [الانشقاق: 6] يبين أن كل إنسان كادح ، والأصل أن يكون كذلك عاملاً صاحب كدح ، وسيلاقي جزاءه بحسب نوع كدحه يوم القيامة.

ولقد ذم القرآن الإنسان الذي لا ينتج ولا ينجز وجعله عبئاً وكلاً ، فقال تعالى : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] .فهو مثل لرجلين: أحدهما ثقل ووبال على سيده وأهل ولايته أينما أرسلوه ووجهوه لم ينتفعوا منه بشيء؛ لأنه لا يفهم منهم فلا فائدة منه وهو عاطل كل على أهله. بينما الآخر ينفع أهله وهو منجز عامل يفعل ما يؤمر به .

من أخطر الأدواء على المجتمعات أن يتربوا على عدم الإنجاز وعدم العمل ، وأن يكون همهم متى تأتي الإجازات لأجل النوم والراحة ، بدون أي إنجاز يذكر.

 

وإن كان العلم والتعلم هو سبيل للحياة الكريمة لا شك ، لكن كثيرين تركوا الدراسة ثم أنجزوا في حياتهم وعملوا شيئاً .

أما تمني الإجازات وترك الدراسة لأجل الراحة فقط فهذا عجز وخمول يكرهه الإسلام ويذمه.

ينبغي أن يُرَبَّى الأبناء والبنات والأمة كلها على أن لا طعم للحياة بلا إنجاز يتحقق مهما كان صغيراً ..

قراءة صفحة من القرآن أو من كتاب مفيد ..

وضع حجر في بناء يتمه الاستمرار والإصرار ..

وضع ريال في مشروع مدروس يصبح يوماً ما مشروعاً كبيراً ..

 

الحياة إنجاز ..

لا شك أن الإنجاز الذي يكون دافعه الضمير والاحتساب عند الله والرغبة في الإنجاز لا شك أن يكون إنجازاً مميزاً .. وأثره أعظم وأكبر ...ومن أجمل لحظات العمر حينما تنجز أهدافك التي كنت تتمناها ، وحينما تصبح أحلامك واقعاً تعيشه وتراه ..

كم من صاحب همة وإصرار بدأ يبني داراً له مع قلة ذات اليد ، وما هو إلا زمن يسير يكون بعده أنجز وعمل ما لم يعمله أقرانه ..

كم من طالب علم داوم على دروس العلماء ،كل يوم شيء يسير ، ومع السنوات إذا به أحد طلبة العلم الذين يشار إليهم ..

أنت أيها المسلم الحريص تصلي كل يوم خمس صلوات في أوقاتها ، وهذا إنجاز عظيم ، لكن بعض المسلمين بمحافظتهم على أذكار الصلوات حازوا على أضعاف ما حزت من الأجر والخير ..

جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : " أيعجز أحدكم أن يكسب في يوم ألف حسنة؟" فقيل" كيف يكسب ألف حسنة؟! قال:" يسبح مئة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو تحط عنه ألف حسنة " .

وهكذا فإنه بقدر حرص الإنسان على الإنجاز والعمل تكون منزلته في الدنيا والآخرة . تأمل قول الله تعالى : {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} [الإسراء: 18، 19]

وقف عند قوله وسعى لها سعيها ؛ فالناس متفاوتون في حب الإنجاز والسعي وطبيعته ونيته.

{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)} [الإسراء: 20، 21].

 

الإنجاز اليومي قد يكون صغيراً أو قليلاً لكن الإنجازات العظيمة هي نتاج الإنجاز في أيام كثيرة ، وأعلى الناس منزلة في الدنيا وفي الآخرة هم من جمعوا الأعمال الكثيرة، وتراكمت عندهم الحسنات الكثيرة حتى رفعتهم أعلى الدرجات .

 

إن ديننا دين الإنتاج والإنجاز وكلما سلك الإنسان في عبودية ربه كلما أضاف للحياة معان جديدة ومنجزات رائعة ؛ تأملوا لهذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة»[ صحيح مسلم (4/ 1857)].

 

وقال صلى الله عليه وسلم : ( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)[ حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 97 رقم:176)] .

وقوله صلى الله عليه وسلم : (وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تقضي عنه ديناً أو تكشف عنه كربة .. ولئن أمشي في حاجة أخي)[نفس المرجع السابق].

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ،والفراغ)[ صحيح البخاري - البغا (5/ 2357 رقم: 6049)].

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله : ( اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وصحتك قبل مرضك، وشبابك قبل هرمك)[ صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 243 رقم: 1077)].

وهكذا في نصوص كثيرة تدل صراحة أو إشارة إلى شغل الحياة بالعمل الذي ينفعك وينفع أمتك.

   ينبغي على المجتمعات الإسلامية اليوم أن تربي أفرادها على أهمية الإنجاز في الحياة فيما تدعو الحاجة إليه ، وأن يكون لنا دور ننافس به أمم الأرض .

 ونظرة في مجتمع الصين اليوم على سبيل المثال تفسر لنا كون الصين اليوم بهذه القوة في الصناعة حتى صار يهابها أمم الأرض .

ونظرة في حال مكتبات العلم وأماكن اكتساب الدورات ..

وتعلم العلوم الطوعية تنبئك عن حال كثير من شبابنا اليوم ..

 

وهنا يتوجب على المسلمين الحرص على تربية أبنائهم وبناتهم وطلابهم على الاهتمام بالإنتاج والإنجاز في الحياة ؛ حتى يحققوا ما يتمنون .