خطبـة عيــد الفطــر 1437 : معية الله


الحمد لله رب العالمين ...

                                  الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

      الله أكبر في ذاته وأسمائه وصفاته ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }.

     والله أكبر في سلطان ربوبيته وألوهيته ، إليه المصير وهو على كل شيء قدير .

     والله أكبر في جلال قدره ومطلق قدرته وإرادته وواسع حكمته، وهو العليم الخبير .

    فاللهم لك الحمد بالخلق والوجود والحياة . ولك الحمد بالكرم والفضل والإحسان. ولك الحمد بالإسلام والإيمان. هل كنا سنكون شيئا مذكورا لولا حكمة خلقك وتدبيرك ؟ . وماذا كنا سنصير بغير هدايتك وتوفيقك ؟. وهل كنا نملك شيئا بغير فضلك وإحسانك ؟ : { يأيها الناس ، أنتم الفقراء إلى الله ، والله هو الغني الحميد ، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على الله بعزيز }.

الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

   لله الحمد بهذا اليوم الأغر السعيد، يوم فرحة العيد، وبكل أعياد الإسلام الربانية الفريدة، شعارها التكبير، وقوامها الصلاة والبر والإحسان والذكر الكثير، ورابطتها أخوة الإسلام والإيمان .

  فها أنتم معشر المسلمين ، في هذا المشهد الطيب المهيب، بعد شهر البركات والطاعات والقربات وقد خرجتم من دياركم، فرحين مستبشرين، مقبلين على رب العالمين مبتهلين، راجين أن ينجزنا وعده بجوائز الصيام والقيام والذكر والإحسان، وحاشا لله، وهو الحليم الكريم، أن يحرم هذه القلوب الخاشعة، والوجوه المستبشرة نوال فضله العظيم. فهنيئا لمن عاشوا الشهر الكريم في معية الرب الرحيم، على الإيمان والتقوى والاستقامة صادقين خاشعين : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ..}.

الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

  لله الحمد على واسع فضله وكرمه وقد بلغنا رمضان وأتم علينا نفحاته ببهجة العيد، وكانت معنا عنايته بما وفقنا فيه من فاضل الطاعات والقربات وفعل الخيرات، صلاةً وصياما وقياما وقرآنا وذكرا وإحسانا. فله الحمد بما تكرم وأسدى. ذلك من نفحات معيته للمؤمنين، بالهداية والعناية والرعاية، كما وعد سبحانه:  {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19]. وكنا معه سبحانه في ذلك طائعين عابدين شاكرين. وكذلك يلزم أن تكون العلاقة بين رب حليم كريم، وعباد يقبلون عليه بالعبودية خاضعين.

  وهنا أدعو إخوتي الكرام وأخواتي الكريمات، إلى وقفة تمعن وتدبر واعتبار، في رحاب هذه المعية الربانية متسائلين: إذا كان الله تعالى مع المؤمنين كما وعد وأكــد، فهل نحن مع الله كما أمر وأرشـد ؟ وإذا كنا جميعا نرغب ونرجو أن يكون الله معنا، في الشدة والرخاء، وفي السراء والضراء، ندعوه فيجيب، ونسأله فيجود، ونستعينه فيعين، ونستجير به فيجير، ونستنصره فينصر، ونستغفره فيعفو ويرحم ويغفر. فهل نحن صادقون في العمل بما يرضيه ويستجلب كريم معيته ، موفين له بعهد العبودية خاضعين طائعين عابدين؟.

   الجواب يحتاج إلى توضيح وبيان حول هذه المعية، ماذا تعني؟ وما حقيقتها وشروطها وآثارها؟ وكيف تكون من الله لعباده؟ وكيف تكون من المؤمنين لربهم؟ فاسمعوا وعـوا يرحمكم الله.  

                              الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

   ان معنى المعية لا يفهم إلا في إطار العلاقة القائمة بين كمال الله في ربوبيته، وافتقار العباد في عبوديتهم، فهو سبحانه الخالق المالك المهيمن المدبر، وهم العبيد المفتقرون إليه سبحانه في كل شيء، لا يستغنون عنه ولا حول ولا قوة لهم من دونه{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد، إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} (فاطر 15 ـ 17)

  فالله تعالى يحقق ربوبيته المطلقة بالمعية العامة لسائر العباد، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم. وهي تعني أن الله مع جميع خلقه بعلمه ومشيئته، وإحاطته ونفوذ أمره، وقدرته وتدبيره، لا يغيب عنه شيء ولا يُعجِزه شيء. وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }( الحديد 4 ) وقوله سبحانه:  { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (المجادلة 7).

  وأما المعية الخاصة فهي لأهل الإيمان. حيث يكون الله معهم بالمحبة والعناية والنصرة والهداية والتوفيق. سواء كانت معية مقيدة بوصف، كمعيته للمتقين والصابرين والمحسنين. أو كانت معية مقيدة بشخص، كمعيته سبحانه الخاصة للأنبياء والأولياء والأصفياء. ولكل ذلك شواهده في القرآن الكريم والسنة النبوية.

الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

أيها المسلمون، كلنا عبيد لله، مفتقرون إليه في كل شيء، ولا حول لنا ولا قوة إلا به، لذلك فنحن أحوج إلى أن يكون معنا بمعيته الخاصة بالمؤمنين:

ـ تلك المعية الربانية التي كان بها مع آدم عليه السلام، بعد خطيئته وتوبته، فتاب عليه: { فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } (البقرة 37).

ـ وتلك المعية التي كان الله بها مع نوح عليه السلام فأنجاه من الكرب العظيم: { وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } (الانبياء 76).

ـ وهي المعية الربانية التي كانت مع إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فنجا بها من النيران{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ } (الانبياء 69 ـ70).

ـ وتلك المعية الإلهية التي أيقن بها موسى وطمأن بها قومه، حين أدركهم  فرعون وجنوده {  فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (الشعراء : 61 – 63).

ـ وتلك المعية الربانية التي كانت مع محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه، حين وقف الأعداء أمام الغار، فارتجف الصدّيق خوفا على النبي وقال: " يا رسول الله لو نظروا إلى موطئ أقدامهم لرأونا" ، فكان جواب الواثق بمعية العناية الإلهية: ( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا) ذلك المشهد الحواري الحميم الذي خلده القرآن العظيم للذكرى والاعتبار: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } (التوبة 40).

{لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} تحتاجها، أخي المسلم، في كل حال: فإذا تكاثف همك، وكثر غمك، وتضاعف حزنك فقل لقلبك: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وإذا أرهقك الدين، وأضناك الفقر والاحتياج؛ فقل لقلبك: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وإذا هزَّتك الأزمات، وطوَّقتك النكبات و الكربات ؛ فقل لقلبك: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}

اجعلها شعار تعلقك بالله، ورجاء معيته، إيمانا بقدرته، ويقينا في عنايته، وتوكلا عليه وثقة بوعده للمؤمنين، { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }.

                                     الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

   أيها الإخوة المؤمنون، كلنا نحب ونرجو أن يكون الله معنا بعنايته ورعايته، وليـا ونصيرا، وهاديا وحافظا ومعينا، فلا يتخلى عنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولكـن، هل نحن مع الله كما أمـر، وكما يحب ويرضى؟ وهل نحن جادون صادقون في إرضائه واستجلاب معيته بإحسان معيتنا له سبحانه؟. إن منا من هم غافلون عن ربهم، راغبون عن طاعته، مقصرون في تعظيمه وتوقيره، وفي توحيده وعبادته وشكره، فكيف نرجو معيته الخاصة، إذا كنا لا نحسن معيتنا له بتحقيق عبوديتنا له، ونحن لحقوق ربوبيته وألوهيته مضيعون، ولحدوده وحرماته منتهكون، وبالمعاصي والفواحش مجاهرون ؟  !  

   إن من يرجو معية الله حقا، لابد أن يراقبه على كل حال، مراقبة العبد الخاضع لجلال مولاه،  يعلم أنه مطلع على سره ونجواه، لا تخفى عليه منه خافية، ويعتقد يقينا أن لا ملجأ له منه إلا إليه. فيحمله ذلك على الهيبة له والتعظيم، والخوف من سخطه وعقابه، والرجاء في رحمته وغفرانه، والتزام حدوده وتعظيم حرماته، واتقاء معاصيه ومحارمه. فيكون ذلك محركا لهمته وعزيمته للاجتهاد في الطاعات والقربات وفعل الخيرات. ولذلك فإن معية الله  لا تدرك إلا بشروط، عليها مدار علاقتنا بالله ومعيتنا له سبحانه، جوهرها الإيمان والتقوى والصبر والإحسان، ومقتضى ذلك أن نكون:

ـ أن نكون على صدق الإيمان واليقين، على أساس من خالص التوحيد الذي لا يشوبه شرك، فالله مع أهل الإيمان { وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }، معهم بالولاية والنصرة والحماية، فلا يخشون في جنبه شيئا: { وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }.

  ـ وأن نلزم الاستقامة على التقوى، لقوله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ( البقرة 194). وحقيقة التقوى، في الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والتقيد بالأوامر والنواهي على السمع والطاعة والرضا، التزاما بعهد الله ووفـاء: { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (آل عمران 76).

  ـ ونكون من أهل الإحسان، لقوله تعالى { والذينَ جاهَدوا فِينا لَنهديَنّهُم سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }(العنكبوت 69). الإحسان الذي يتجلى بالصدق والإجادة والإتقان، في الإيمان والتوحيد، والعبادات والقربات، والأخلاق والأعمال والمعاملات، دون تفريط ولا رياء ولا اجتراء. الإحسان الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: ( أن تَعبدَ اللهَ كأنك تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فانه يَراك) (متفق عليه).

  ـ ونكون من الصابرين، لقوله سبحانه: { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال 46). فالله مع أهل الصبر على القضاء والبلاء راضين، وعلى الطاعات مخلصين، وعن المعاصي باتقائها متعففين، فإن للصابرين من الله المحبة والرضا{ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }(آل عمران 146). كما لهم عظيم الجزاء: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (الزمر 10).

   فمن كان حريصا على نيل معية الله تعالى، فليكن معه سبحانه على تلك الخصال، بوجدان المؤمنين الصادقين، و خشية المتقين، وعزائم الصابرين، وعزائم المحسنين. ولقد عشنا موسم رمضان بفضل الله، مستأنسين بأعظم أسباب المعية الإلهية ووسائلها، وهو مدرسة التقوى والصبر والإحسان.  فإذا كان الله معنا فمن نخاف ؟ وإذا كان علينا فمن نرجو ؟ فمن وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟! سبحانه وتعالى هو ولينا، نعم المولى والنصير. واذكروا وصية رسول الله الغالية: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) (الترمذي)

                 اشـدُدْ يـديـك بحبـل الله معتصمــاً      فإنـه الـرّكـنُ إن خـانـتْــك أركـــــانُ
                 من يتـقِ اللهَ يُـحمـدْ في عــواقبـه      ويكْفِـه شـرّ من عَــزّوا ومن هانــوا
                 ومن استعـانَ بغيـر اللهِ في طلـب      فـإنّ نـــاصــرَه عـجــــزٌ وخِــــــذلانُ

  فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.

 

  •   الخطبــة الثانيــة:

                                    الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

    أيها المؤمنون، إذا كان أكثر الناس يتفاخرون بمعية العظماء والكبراء والمشاهير، يلوذون بهم ويحتمون، وقد شغلتهم دنياهم عن ربهم، وغرهم سلطان البشر بمعية الناس عن معية رب الناس،  فإن أهل الإيمان العقلاء، يتعلقون بمعية ربهم ومولاهم، فهي عزهم وفخارهم،  يعملون لنيلها، ويرجون ثمارها، لقلوبهم ونفوسهم وحياتهم، ليسعدوا بكونه سبحانه معهم في كل حال ومكان وزمان. فإن شعور المؤمن أنه في كنف الله، مصحوبا بمعيته وعنايته، يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويجعله في أُنْسٍ دائم بربه، ونعيمٍ موصولٍ بقربه.  يقول الله تعالى في الحديث القدسي: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (الشيخان). 

   إن ثمار المعية الإلهية، مثلما ينالها الفرد بتقواه واستقامته، تنالها الجماعة والمجتمع والأمة، بقدر أحوالها مع الله، ولنا في تاريخ سلف الأمة أمثلة وبرهان، وقد عاشوا على مواهب المعية الإلهية عهودا زاهرة، بما آتاهم الله من أسباب الحياة الطيبة، و مقامات النصر والتمكين والعزة والمهابة بين الأمم، كانوا ينعمون بها بقدر ما كانوا ثابتين مع الله على محجة الدين، صادقين عاملين. ولاشك أن ما تكابده الأمة اليوم من المفاسد والنكبات والهوان، وتسلط الأعداء بالظلم والعدوان، ما هو إلا نتاج إخلال المسلمين بعهد معيتهم مع الله، فتراجع مدد المعية الإلهية إلى أن يؤوبوا إلى الله ويتوبوا، موفين بعهده ولا ينقضون الميثاق:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}(النور 55)

  فما أحوجنا إلى أن نحيا على هدى من الله، شعارنا { فَفِــرُّوا إِلَى اللَّهِ} ، ونطمع في معيته خوفا ورجاء، فينعم علينا بنصره وتأييده ورعايته وحمايته وتوفيقه. فالله حليم كريم، ينادينا ليل نهار أن هلمّوا إليّ، وتقربوا بالطاعات أتقرب إليكم بالإحسان، وكونوا معي بصدق العبودية، أكن معكم بمدد الربوبية، فأكلؤكم بالتوفيق والتأييد والتسديد في الأسماع والأبصار والأفعال: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يَسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذَنه)) رواه البخاري) .

قال قتادة :" مَنْ يَتَّقِ اللَّهِ يَكُنْ مَعَهُ، وَمَنْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ فَمَعَهُ الْفِئَةُ الَّتِي لا تُغْلَبُ ، وَالْحَارِسُ الَّذِي لا يَنَامُ ، وَالْهَادِي الَّذِي لا يَضِلُّ

  وفي الختام، أيها الكرام،  أحضكم، ونفسي أولا، على الاجتهاد في التواصي بتحقيق أسباب معية الله الخاصة بالمؤمنين، نتواصى بتقوى الله، على اعتصام بكتابه، وتمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولزوم ذكر الله وشكره وحسن عبادته، واثقين بعهده ووعده، محسنين الظن به، وهو القائل سبحانه  في الحديث القدسي: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (البخاري).

                              و الختم بدعاء الخير...