رمَضَانُ وَرَسَائِلُ الوَحْدَةِ


إننا أمةٌ قدْ جمعها الله من شتاتٍ ، ووحد عناصرها بعدَ فُرْقَةٍ ، وأعادها إلى مجدها بعد اغترابٍ طويلٍ مع الزمان قبل الإســلام ، ثم أرسى لها قواعدَ السلامةِ في دينها ودنياها والتي من أهمها الوحدةُ العامة التي يجب أن لا ينسى مذاقها الفرد في قلب المجتمع ، والمجتمع كله وهو يتعامل مع الفرد .

 

ومن عظمة هذا الدين أنه ما ترك فرصةً إلا واغتنمها في إشاعة روح الوحدة العامة بين أفراد الأمة بكل وسيلةٍ وفي أيِّ مناسبةٍ .


خطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالجابية ؛ فقال : يا أيها الناس ! إني أقمت فيكم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال : ( أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب ، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد ، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ، عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ؛ فإن الشيطان مع الواحد ، وهو مع الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، من سرته حسنته ، وساءته سيئته ، فذلكم المؤمن  ) ] رواه الترمذي، وقال الألباني صحيح . انظر: صحيح الجامع 2546 .

ورمضان الكريم في كوثرية عطائه يفيء علينا ما يجب الالتفات إليه من معالم الوحدة المفروضة التي لا اختيار للعباد فيها ، فالوحدة فريضةٌ والتفرق بلوى وانتكاسةٌ إيمانيةٌ لا يمكن رتقها بأي بدائل أخرى ولو كانت من جلائل الأعمال وكريم الخصال ونقاء السرائر.


وإن ذلك كله ليوجب التواصي والعمل بمبدأ الوحدة العامة بين المسلمين، وغرس هذا الشعور بكل الطرائق المقنعة والمؤثرة، حتى تنقشع غياهب الجهل وضيق الأفق عن عيون البعض الذين لا يرون نجاح العمل للدين إلا من خلال أنفسهم فقط ، مما ينعكس على درجة التعاون والتوحد معهم في أي عملٍ أو نشاطٍ.
 

الوحدة واجبٌ والتزامٌ يجب أن يحرص عليه المسلم كما يحرص على صرامة الأداء لشتى العبادات ، { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا }(آل عمران: من الآية103) ، وهذا الدين العظيم الذي أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر العبادات هو ذاته الذي أمرنا بالالتفاف حول رايةٍ واحدةٍ للمجموع العام للأمة بطريقةٍ متفردةٍ في صياغة معالم هذه الوحدة التي لم يسبق إليها نظامٌ في العالمين .


ورمضان يحدو للمؤمنين على سبيل الهدى والرشاد نشيد الجمع والتلاقي مع نبذ التفرق ، ناهيك عن التضاغن والإرجاف ، وإن المتأمل لعطاءات هذا الشهر المبارك يجد أن أعظم رسائله إلى الأمة هي رسائل الوحدة والحب   وكأنه قائمٌ بأمر الله في تجميع الأشتات بالتقائها على :


- الجمع على الإفطار والإمساك؛ فالإفطار والسحور من أسباب الجمع على الموائد بعد أن كان الجلوس عليها من ذي قبل في غير رمضان فرادى أو يزيد لكثرة الشواغل وأسبابٍ أُخَرٍ ، وسياق الحال يدل على رمزيةٍ ملهمةٍ بأن رمضان يجمعنا حتى على الموائد .. فاجتمعوا ولا تتفرقوا بعد ذلك .
-الجمع عند صلاة القيام في صورةٍ تُكسب النفس روح الإخبات لرب الأكوان ؛ فأنعم بها من عبادةٍ جامعةٍ .
-الجمع على القرآن ومجالسه ومدارسته، وما يفيئه على نفوس المسلمين من التلاقي على مائدته وعوائدها الموقوفة على كتاب الله العزيز .
-الجمع على حلقات العلم والتعلم، وثني الركب أمام العلماء ؛ ليزداد الجميع نوراً في القلوب وانشراحاً في الصدور ، ومن ثم استلام الدستور الذي يجب التعامل به بين الجميع .
-الجمع على معنى صلة الرحم والإحسان إلى الجيران بمزيد الكرم .
-الجمع العام للمجتمع في عاداتٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها مزيلات أسباب الشقاق.
-درس الوحدة من زكاة الفطر بوحدة المشاعر الحية بعطف الغني على الفقير 
.

وباختصارٍ؛ فإن رسائل الوحدة في رمضان لا تنتهي ، لكنها قد لا تصل إلى كل قلبٍ ، نسأل الله أن يرزقنا قلوبا سليمة خالية من الأوضار والعلل ، وأن يجعلنا ممن يتدبر ويعمل برسائل الوحدة في رمضان 
 

 فهيا بنا نتدبر رسائل الوحدة  ونلتق على هدفٍ واحد لإصلاح المجتمع بخططٍ لا تعرف الإطارات الخاطئة بين المسلمين ، حيث إن رمضان تجميعٌ للجهد كما هو حشدٌ لطاقات المجتمع الإيمانية ، وهذا لا يعني ذم الجهد المقسم ففيه أجر وخير ، ولكن مهما كانت نتائجه فلا يعني الزهد في الجهد الجماعي ؛ فإنه هو الذي يتفق مع الإمكانيات المأهولة لكل مجتمعٍ بأسره، ويحقق المصالح العامة للمجتمع على النحو المنشود بدرجة أكبر.

 

وليتعاون الجميع بكل حب وإخاء قد أذابوا ما ران على الصدور من دغلٍ وأحقادٍ تفرق الخطى وتنذر بالخراب المادي والمعنوي ، وتجاوزوا كل ما يثير الحفائظ ، ويعكر النفوس من رديء الكلام وإشاعة البغض والخصام ، قد جعلوا رمضان لهم معلم هداية. 

رمضان يمنح رسائل للقلوب للدلالة على هداها وراحتها .


ومنها: أن الوحدة فرحةٌ، وحبورٌ، وسعادةٌ ، وأن التفرق انتكاسةٌ إيمانيةٌ وشقاءٌ ؛ فكيف نشقى وقد أتانا رمضان جامع أشتات الخير؟!


 إلى جميع القائمين لله بأي أمرٍ من دعوةٍ أو خدمةٍ أو ثقافةٍ أو تثقيفٍ أو تربيةٍ بأن يتزودوا من زاد هذا الشهر الكريم ثقافة توحيد الجهود، والقلوب، وضبط الخطى جمعاء على دربٍ واحدٍ لمصلحة الجميع .
 

فلو كان لرمضان لسانٌ ينطق لأمرنا بتقوى الله في أمر الجماعة المسلمة الكبرى، والتي لا تعرف الألوان والواجهات المميزة.

إذ ما أجمل أن نعيش أمة مرحومة باجتماعنا وعدم تفرقنا ، متذوقين طعم الجماعة ، بعيدين كل البعد عن أي  تربيةٍ موغلةٍ في التفرق ، مؤثرين الخير لغيرنا ولو كان بنا خصاصة   .
 

 والله لئن قابل الإنسان ربه بكل معنىً صالح وله رصيدٌ من روائع العبادات التي لا تهدأ منها الليالي والأيام ، ولكن قلبه متجانفٌ للفرقة ، والانزواء ، والتشرذم لمصلحة جماعته، أو عائلته، أو قُطره مع إغفال أمور الأمة وقضاياها الكبرى؛ فإنه على  نقص عظيمٍ في دينه.

فهيا بنا نعش متحررين وناجين من الغرق عقلياً ونفسياً في بحار الفرقة؛ لأننا تفهمنا رسائل رمضان في أمر الوحدة والاجتماع.