خطبة عيد الأضحى 1437 : في ظلال سيرة الخليل


                                                    (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)                                     

                                                الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر.. 7 مرات


           بعد الحمد والثناء على الله والصلاة على النبي وآله وصحبه  ...

               لله الحمد وقد جعل التكبير، شعار الإسلام الأكيــد، حاملاً لكل معاني الإيمان والتوحيد. ـ فالله أكبر، زينة مواسم الطاعات و الأعياد.  ـ والله أكبر، رفع النبي وأصحابه رايات الجهــاد والاستشهاد. والله أكبر، في الأذان و الإقامة والركوع والسجود. ـ والله أكبر، على الجنائز والذبائح وفي أذن كل مولود.  فإن تهافت الناس على الدنيا ومتاعها الأوفر؛ فالله أكبر. وإن تعلقت النفوس بمحبوبات الأنداد الكثار؛ فالله أكبر .وإن تفاضلت الحقوق في كل شيء ؛ فحق الله أكبر. وإن طغى كل جبار وعلا واستكبر ؛ فالله أكبر. سبحانه وتعالى { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }.


                                            الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد .

لله الحمد بهذا اليوم الأغر الأبهى، يوم عيد الأضحى، يوم النحر ويوم الحج الأكبر، نلتقي مع الحجاج على الإقبال على الله بصالح الأعمال وأطيب المناسك، في صعيد الابتهال إليه سبحانه ذاكرين عابدين، مصلين وناحرين للأضاحي، مستجيبين لأمره قانتين: { فصلّ لربك وانحر}، وذلك من فضائل هذا الدين القيم الذي يجمعنا لعبادة رب واحد لا شريك له، وكتاب واحد لا مثيل له، ورسول خاتم لا نبي بعده، وقبلة واحدة، وشعار واحد خالد " لا إله إلا الله محمد رسول الله " من أجله وجدنا، وبه وله نحيا، وبه نعِز ونسمو، وعليه نموت.      فهنيئا لمن أقاموا الصلاة مخلصين وهي عمود الدين، وتقربوا إلى الله بالأضحية صادقين محتسبين، وهي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين، ودخلوا رحاب العبودية التامة لرب العالمين: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام 162).


                                           الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد .

  إخوة الإيمان، من حكمة هذا الدين القيم، أنه واقعي عملي، صالح لكل إنسان وكل زمان ومكان، دين الوسطية والاعتدال، ليس خياليا ممتنعا، ولا غلو فيه ولا تعقيد. بل هو دين القدوات الصالحة الخيّرة المتوارثة في سير الأنبياء والمرسلين، الذين اصطفاهم الله للدعوة والتبليغ والتعليم، وجعلهم أئمة للناس في الإيمان والتوحيد والعبادة وكريم الأخلاق: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف:111). إلى أن بلغت هذه القدوة تمامها وكمالها مع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين و المبعوث رحمة للعالمين، والإمام الأعظم والأسوة الأمثل والأكمل في العمل بدين الله والاستقامة عليه والتحلي بخصاله وأخلاقه وفضائله{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً  }(الاحزاب 21). قامت رسالته ومنهاج دعوته على إحياء ملة الدين الحنيف الذي جاء به أبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد أمره الله تعالى بالتأسي به واتباع ملته: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (123النحل)، بل هو أمر للمسلمين أجمعين، الذين كان الفضل للخليل في تسميتهم " المسلمين " {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا..} [الحج: 78].

   وفي أجواء هذه الأيام العشر، وموسم الحج الذي يذكرنا بأبي الأنبياء إبراهيم الخليل الذي كان و سيبقى رمز التوحيد الخالص لله، نغتنم المناسبة للوقوف على بعض الملامح الطيبة من سيرته وجهاده في إقامة دعائم عقيدة التوحيد و إخلاص العبادة لله وحده، مثلما رفع قواعد بيت الله منذ آلاف السنين. ملتمسين ما فيها من دروس وعبر وعظات، عسى أن توقظ عزائمنا وتحرك هممنا لإصلاح أحوالنا مع الله، وعسى أن يقرع ذلك فينا حوافز صدق الإيمان وصفاء التوحيد، وإخلاص العبودية والعبادة لرب العالمين. فتدبّروا معي ـ أيها المؤمنون والمؤمنات ـ معالم من سيرة إبراهيم  الذي كانت حياته حافلة بالأحداث العظام والابتلاءات والتضحيات الجسام.

                                       الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد .

      أيها المؤمنون، لقد أفاض القرآن الكريم في الثناء على إبراهيم الخليل، في كل شيء من إيمانه وتوحيده، وجهاده في الدعوة إلى الله، ومواجهة المشركين والطغاة، وفي يقينه ورضاه بأمر الله وتضحياته، وصلاح آل بيته. وقد آتاه الله عزيمة الثبات، والحماس العالي في الدعوة، وقوة الحجة والبرهان في مجادلة أهل الباطل و إفحامهم، متخذا سبيل الحوار في البلاغ والحجاج و الإقناع . وكذلك كانت محاوراته للأب والابن والأهل والعشيرة ومع الملك الطاغية وغيره. وكل ذلك في أسلوب لطيف وأدب رفيع وحِلم وأناة وصبر على مواقف الجحود والتعنت والتهجم والتحدي. فانظروا إلى الفرق الجلي بين خطاب اللطف والعناية والإشفاق في مخاطبته لأبيه، وانظروا إلى جواب الأب بالجحود والقسوة والتهديد: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا }(مريم45ـ 46). ذلك الأسلوب الإبراهيمي الذي بلغ ذروته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو أدب الحوار الذي يغيب عن أكثرنا، ونحن أحوج إليه في تصحيح علاقاتنا، ومعالجة مشاكلنا، وتدبير خلافاتنا، والدعوة إلى الاسلام والتبشير به بين الجاهلين والأعداء والخصوم. بل هو وصية القرآن في الدعوة إلى الله:{ اُدْع إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل 125).

   هذا النبي إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، وجعل ملته أصلا ومنهجا للدين كله، وأوصى نبيه الخاتم باتباعه والاقتداء به: { ومنْ أحسنُ دِيناً مِمنْ أسلمَ وجهَهُ لله وهو مِحسنٌ واتّبعَ ملةَ إبراهيمَ حَنيفا، واتخذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً } (النساء 125). وإن أكمل توصيف رباني في الإشادة بخصاله، والثناء عليه بكمال صفات الخير والرشد! قوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } (النحل 120ـ 122).

خمس خصال حميدة لخليل الرحمن هي مواهب ربانية سخية أكرمه الله بها لكونه نذر حياته كلها لربه في إخلاص ويقين وتفان وتضحيات :

الصِّفة الأُولى: أنَّه  "كَانَ أُمَّة ": أي جامِعًا لصفات الخير، متحليًّا بها، داعيًا إليها، وقدوةً كاملة فيها لمن بعده، بما حباه الله من المواهب المتفرقة في أمة كاملة، حتى إنه يقوم وحده مقام أمة في الطاعة والعبادة والجهاد.
الصِّفة الثَّانية:  أنه كان  "قَانِتاً لِلّهِ " بتمام الخشوع له بالرضا والطاعة والتسليم، مستمرًّا على فِعل ما يقرِّبه من ربِّه في سائر أوقاته وأحواله.

 الصِّفة الثَّالثة: أنَّه كان " حَنِيفاً  "وذلك بانقطاعه عن الشرك، مقبلا على الله بخالص التوحيد، وصادق العبادة وصالح الطاعات والقربات.

الصِّفة الرَّابعة: أنَّه {لم يكُ من المشركين} لا شركًا أكبر، ولا أصغر، لا في الاعتقاد ولا في الأقوال والأفعال، بل اعتزل مشركِي قومه ومعبوداتهم، وتبرَّأ منهم.

الصفة الخامسة: أنه كان "شاكرا لأنعم ربه"، شكر اعتراف وتقدير لفضل الله عليه بوافر النعم، وأعظهما نعم الاصطفاء و الهداية والرشاد والعناية والذرية والمعية في كل مواقفه ومواجهاته، والتوفيق في مسالك دعوته وابتلاءاته. 

                                           الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد .

    أيها الإخوة الكرام، لنا أن نتساءل كيف استحق إبراهيم عند الله هذه المكانة، ونال فيها العناية الإلهية بالرشاد والتوفيق والصبر والثبات في أشد المواقف والابتلاءات. فلقد اختبره الله وابتلاه بكل ما يمكن أن يُختبَر به إنسان:

 ـ  اختبر في شهوة الزعامة، فزهد فيها، حباً في الله وحده، وواجه أباه آزر صاحب السيادة في قومه، وهو  وريثه! وجادله في شركه بالحجة والبرهان في أدب وبيان، ثم اعتزله وتبرأ منه بعد جحوده:{ ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}(التوبة 114). وكذلك كان النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام على اقتداء بأبيه الأكبر إبراهيم، فرفض كل عروض الزعامة والسيادة والمال كي يترك الدعوة، وأبى إلا أن يكون لله وحده ، و "من ترك شيئاً لله أبدله الله خيرا منه".

  ـ واختبر في حب الوطن و المنشأ، وعاش لدعوة التوحيد بين مختلف البلدان والأقوام، متنقلا بين العراق ومصر والشام وفلسطين وأرض الجزيرة عند بيت الله الحرام، امتثالاً لأمر الله. فمتى يعلو حب الله ودينِه في قلوبنا، لتهون علينا محن الاغتراب والمشقات والنكبات، تأسيا بخليل الله.

ـ و تغلب على شهوة حب الأهل والولد، بل جعلهم لله راضيا بحكمه وقضائه، فرحل بالرضيع إسماعيل، ليسكنه وأمَّه هاجر بواد قفر عند البيت الحرام{ ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ }، وتركهما لعناية الله لسنوات، قبل أن تأتيهم المحنة الأشد حيث أمر في المنام، أن يذبح ابنه الوحيد آنذاك. وكانت الاستجابة منهم جميعا بمطلق الطاعة والتسليم لرب العالمين. وحين لم يبق بعد العزم الأكيد إلا أن يراق الدم الزكي، جاء الجزاء والفداء من السماء. فاستمعوا  للوصف القرآني المبين لهذا المشهد المثير:{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103 ) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} { الصافات}. ذلك برهان الإيمان والطاعة والانقياد، وشاهد الاستجابة والتسليم لرب العباد، فهل نقتدي بالخليل فندين لله على الرضا واليقين، والانقياد والتسليم، وذلك هو الدين الحق:{ ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الاحزاب 36).

 ـ ولم تغلبه شهوة حب الحياة والبقاء والنجاة: وهي من أعظم الشهوات و العوائق، لما قرر القوم إحراقه بالنيران، فما ضعف ولا استكان، بل كان أقوى وأشد يقينا وثباتا، فكان الفرج من الله { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ } (الانبياء 68ـ70). وتلك معية الله وعنايته بأهل الإيمان واليقين والصبر والثبات على الحق المبين{ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ  }.

ـ وابتلي في ميل النفس للدعة والراحة، فلم يدخر جهدا ولا وقتا في العيش للدعوة خلال عمره المديد. فبعد نجاته من النار، لم يقل: قد أعذرت إلى الله، ويخلد للراحة، لا بل استمر في جهاد الدعوة بعزم وهمة عالية، وتحمل المشاق والمواجهات، فبعد إقامته الحجة على قومه، ذهب إلى قرية أخرى ليحاج الملك (النمرود)، على سطوته وطغيانه، فأفحمه بقوة البرهان، وأنجاه الله من بطشه. فهلاّ كانت حياتنا لله، وكان يقيننا في معيته للمؤمنين، وأقبلنا عليه سبحانه بالتقوى والإحسان{ إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ }(النحل 128).

الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد.

     ولقد كان الرصيد الأهم للخليل في علاقته بربه، هو في اهتمامه الأعظم بشأن التوحيد والصلاة، إذ هما أجل حقوق الله على العباد، وأكبر الأمانات وأوثق العرى والصلات. وقد تجلى اهتمامه بهما في مختلف أطوار سيرته ومواقفه وحواراته ودعواته. فهما على التلازم والتكامل، فلا يستقيم التوحيد بغير صلاة، وهي برهانه، كما لا تصح صلاة بغير توحيد، وهو الأساس والغاية. هذان الركنان اللذان يحتاجان منا إلى مزيد اهتمام ، بالحذر من الوقوع في أحوال الشرك الأكبر والأصغر، أقوالاً وأفعالاً، ومن إضاعة الصلاة أو التهاون في إقامتها في أوقاتها؛ حتى لا نكون ممن قال الله عنهم: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} (مريم 59). الصلاة التي كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يصارع سكرات الموت وهو يوصي بالمحافظة عليها في إلحاح، لكونها عمود الدين: ( الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم )(ابن ماجة ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/ 525 رقم: 868). فماذا يكون حال التاركين لها والمضيعين !؟.  

  ـ فمن أجل التوحيد حاور إبراهيم الخليل أباه وقومه وأنكر عليهم الشرك وعبادة الأصنام:{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ، أَئِفْكاً آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُون } (الصافات85)، وجادل الملك (النمرود)وأفحمه في استكباره وجحوده: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (258).

 

ـ ومن أجل الصلاة، وهي أوثق صلة بالله جل وعلا، وأعظم أمانة بعد التوحيد، ما فتئ الخليل يدعو ويحض أهله على إقامتها، ويلح عليها في دعواته.{ ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(ابراهيم 37) ، وقوله{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} (ابراهيم 40).

                  

  •  الخطبة الثانية:

 

الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد.

      لله الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، دائما بدوام عزته وجلال وجهه وعظيم سلطانه ومجده. نحمده تعالى وهو أهل للحمد والثناء ، لا نحصي نعمه ولا نحصي ثناءً عليه، هو سبحانه كما أثنى على نفسه. ونصلي ونسلم على خير خلقه ، محمد وآله وصحبه.

   أيها المؤمنون، بعدما رأينا كيف استحق الخليل إبراهيم أن يكون أمـة، في الإيمان والتوحيد والجهاد والتضحيات، من أجل الدعوة إلى الله، ونال الرضا والثناء الجميل والمقام الجليل، وزاده الله من الثناء والذكر الجميل فقال: { وإبراهيمَ الذي وَفّى }: أي: كان وفيا عند جميع الأوامر والنواهي، وبلّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للأنبياء من بعده ولأهل الإيمان أجمعين إماما يقتدى به :{ وإذْ ابْتلَى إبْراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهنّ قالَ إنّي جاعِلُك للناسِ إمامـاً }.

فهيا نقتبس من سيرته بعض ثمرات الطاعة والرضا والصبر واليقين، والتسليم لرب العالمين:

 -  فلأن إبراهيم كان يقدم رضا الله على أهواء النفس، ويستجيب لأمره على كل حال، نال معية ربه وعنايته في أشد الابتلاءات { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيم، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ}  (الأنبياء 60ـ70).

  -  ولما ترك وطنه في العراق استجابة لأمر الله و حباً في نشر دينه، أبدله الله أرضاً خيراً منها، فلسطين: {ونجيناهُ و لُوطاً إلى الأرضِ التي باركْنا فيها للعالمينَ}( الأنبياء 71).

  -  وحين ألحّ في الدعاء يسأل ربه الذرية الصالحة، واثقا من قدرته وإحسانه، وهبه الله على الكبر إسماعيل ثم إسحاق، وجعل في ذريتهما الأنبياء والمرسلين، وكان من الشاكرين: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ }(ابراهيم 39).

  - وإذ استجاب لأمر الله وصبر على حكمه و ترك ابنه الرضيع و أمه في واد غير ذي زرع، وسأل الله لهما ولذريته العناية والرعاية والهداية، كان خيرا له ولمن بعده من الموحدين، فتحولت تلك الأرض الصحراوية المقفرة، بدعوته المباركة، لتكون أشرف بقعة على وجه الأرض، تهفو إليها أفئدة الموحدين، وليُبعث فيها محمد خاتم المرسلين على ملة ابراهيم، رحمة للعالمين: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } البفرة 129).

  ـ  ولأن الخير كله في طاعة الله، والعمل بأوامره، و إن كان ظاهرها يوحي بالهلاك : { فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }، كذلك كانت ابتلاءات إبراهيم الشديدة خيرا وبركة عليه وعلى آله وذريته إلى قيام الساعة.

   ومن جميل الثمرات لصدق الطاعة والتسليم لرب العالمين، أن فداء الله لآل إبراهيم " بذِبح عظيم "كان رحمة منه سبحانه ولطفا بأمة الإسلام من تقديم الأولاد قرابين، فكانت مناسك الهدي والأضحية من بهيمة الأنعام: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } (الحج 34).

  فلنفقه دروس سيرة إبراهيم الخليل، وهي كثيرة، ولنحمد الله الذي جعلنا على ملته، وأكرمنا بأعظم نبي ورسول من ذريته، وعلى نهجه، محمد خاتم المرسلين، وجعلنا أحقَّ بإبراهيم وأولى به من كل الذين يزعمون الانتساب إليه من اليهود والنصارى، وهم على غير حنيفية الإسلام: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }(آل عمران 68).

                                          الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد.

   أيها المؤمنون ، اهنؤوا بعيدكم، واستبشروا بفضل ربكم، واذكروا نعمة الله عليكم بالإيمان وأخوة الإسلام، فإنما المؤمنون إخوة، وارعوا بينكم مشاعر هذه الأخوة بالمحبة المتبادلة والتعاون والتآزر، والتراحم والتزاور، فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وكونوا كما وصف النبي الكريم مجتمع المؤمنين { مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر }، واجعلوا يوم العيد منطلقا لتمتين العلاقات وتقوية الصلات والتنافس في الخيرات واجتناب المنكرات. ولا تنسوا إخواناً لنا في بلدان إسلامية كثيرة، لا يعيشون فرحة العيد مثلنا بما يعانون من ويلات الحروب ونحن في سلام، ويروعون ويقتلون، ونحن في أمان، ويحاصرون ويجوعون ونحن منعمون. فلنسأل الله تعالى لهم الفرج القريب والنصر على الظالمين، وألا يؤاخذنا بما قصرنا في واجب نصرتهم وإعانتهم، إنه تعالى حليم كريم. {.. رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.

      الختم بدعوة الخير للمسلمين أجمعين ولأولياء أمرهم، وبالصلاة والسلام على خير المرسلين