النقاب .. مشروعيته في الإسلام


بسم الله الرحمن الرحيم

حكم النقاب 

( مشروعية ستر المرأة وجهها عن الرجال الأجانب ، ومنه النقاب )

 

   الحمد لله شرع لنا من الدين ما تطهر به القلوب ، وتزكوا به النفوس ، وتتحقق به الحياة المطمئنة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ،نبينا محمد، بعثه الله بالحنيفية السمحة.   أما بعد :

فمما يلفت الانتباه ما تعانيه المرأة المسلمة اليوم من منع بعض الدول العربية والإسلامية المرأة المسلمة  المتنقبة (التي تغطي وجهها وتكشف عن عينيها أو إحداهما) من حق التعلم في المدارس والجامعات، أو العمل ، وربما حصل لها مضايقة في حياتها العامة! ويزداد العجب حين وصل الأمر ببعض جهات العمل الرسمية في بعض الدول العربية إلى عمل جلسات مناصحة وحوار بهدف تغيير قناعات العاملات (المتنقبات) زاعمين أن النقاب أمر غير مشروع في الإسلام أصلاً !

 والذي يؤلم النفس ويحزن القلب..أن يحدث هذا الأمر في بلاد المسلمين !

وتجدها ( المرأة المنتقبة) تتعرض للبلاء في أقطار أخرى من العالم؛ حيث أقدمت بعض الدول الغربية على سن قوانين وتشريعات تمنع ( ستر الوجه، ومنه النقاب)، بحجة أمنية أحياناً، وبزعم أنه لباس يعبر عن أحد أشكال اضطهاد وظلم المرأة أحياناً أخرى!

إلا أن نتيجته: العمل على إبطال تشريع رباني، وإقصائه عن الحياة، وجعل المسلمين الملتزمين به ممن يعيشون في تلك البلدان في حرج شديد ، ومشقة بالغة، بل وتجعلهم مخالفين في نظر القانون ويستحقون على ذلك العقوبة ! وتجرم من يحرض عليه!!وتشوه صورتهم في أعين الناس حين تظهرهم بأنهم لا يحترمون القانون!!

ورغم الأثر المؤلم في النفس لهذه التشريعات لما تحدثه من معاناة تضيق على المسلمين هناك ممارسة شرائع الإسلام بحرية تامة في بلاد تزعم حياة الحرية إلا إن الدافع الحقيقي لكتابة هذا البحث المختصر هو الموقف الغريب من بعض رموز الإسلام – هداهم الله - في تلك البلدان وغيرها من ( مشروعية ستر المرأة وجهها ، ومنه النقاب) ، حيث عده بعضهم سلوك أقلية مسلمة متشددة ( وليس من الإسلام في شيء!)، ووصفه بعضهم بأنه عادة عربية بدوية لا تناسب عصر الحرية والعولمة لا من قريب ولا من بعيد، وأنه عادة فرضها الرجل على المرأة ليحكم سيطرته عليها ، وليحرمها من الحياة الحرة، ويحرم الحياة منها !

 ولا شك في خطورة هذا الطرح للأسباب الآتية :

  1. إن نتيجته إبطال شريعة ربانية ، دل الكتاب والسنة على شرعيته، وعمل بها المسلمون على مر التاريخ الإسلامي ولا يزالون ( وهذا ما يهدف البحث إلى تقريره).
  2. حرمان الكثير من المسلمات من حق التعليم، والعمل، وتضييق مجالات الحياة الكريمة عليهن، وبالتالي تعكير حياة كامل الأسرة التي تنتمي إليها، وحرمان المجتمعات من تخصصاتهم ، ومهاراتهم، ومواهبهم.
  3.  خلق التنازع في المجتمعات الإسلامية بسبب ما يتركه الإخلال بفقه الخلاف ، وعدم مراعاة آدابه من أثر خطير في إضعاف رابطة الأخوة الإيمانية؛ فيحصل الفشل والفرقة ، وتذهب الريح والهيبة والمكانة .
  4.  بلبلة أجيال المسلمين، وجعلهم يعيشون في حيرة من أمرهم؛ الأمر الذي يهز قناعاتهم بثوابت الإسلام .
  5.  منح خصوم الإسلام من العلمانيين ، وغير المسلمين الفرصة للطعن في الإسلام ، والعمل على تنحيته عن الحياة .

لقد أصبحنا نفاجأ بين وقت وآخر بمن ينكر ( مشروعية ستر المرأة المسلمة وجهها عن الرجال الأجانب، ومنه النقاب )، ويكتب عن ذلك ، أو يصرح به عبر وسائل الإعلام الجديد( القنوات الفضائية، والإنترنت)؛ لذلك كُتب هذا البحث المختصر لإثبات مشروعية النقاب، والذي قسم إلى :

  1.  تمهيد.
  2.  النقاب في حياة الأمة الإسلامية.
  3.  مشروعية النقاب في القرآن الكريم.
  4.   مشروعية النقاب عند فقهاء الأمة، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة .
  5.  مشروعية النقاب عند المحدثين.
  6.  خاتمة .

أسأل الله أن يهديني سواء السبيل، وأن يسددني .

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

 

  1. أولاً : تمهيد

 

معنى النقاب عند اللغويين :

  1. قال ابن منظور في " لسان العرب" في مادة نقب: والنِّقابُ القِناع على مارِن الأنف، والجمع نُقُبٌ، وقد تَنَقَّبَتِ المرأة وانْتَقَبَتْ، وإِنها لَحَسَنة النِّقْبة بالكسر، والنِّقابُ: نِقابُ المرأَة. التهذيب، والنِّقابُ على وجوه؛ قال الفراء: إذا أدْنَت المرأة نِقابَها إلى عينها فتلك الوَصْوَصَةُ. فإن أَنْزَلَتْه دون ذلك إلى المَحْجِرِ فهو النِّقابُ. فإن كان على طرف الأنف فهو اللِّفَامُ. وقال أبو زيد: النِّقابُ على مارِنِ الأنف .
  2. وفي المعجم الوسيط في مادة (نقب):( تنقبت ) المرأة: شدت النقاب على وجهها.

 

أما معنى النقاب في الاصطلاح:

 فبينه الحافظ ابن حجر عند تعَرَّيفه النقاب بقوله :  « الخمار الذي يُشَدُّ على الأنف أو تحت المحاجر »([1])ـ

وقال السِّندي : « والنقابُ معروف للنساء لا يبدو منه إلا العينان »([2]).   

وعرفه الزرقاني: « هو الخمار الذي تشده المرأة على الأنف أو تحت المحاجر . وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص ، بفتح الواو ، وسكون الصاد الأولى ، فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفام ، بكسر اللام وبالفاء ، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على  الأرنبة منه شيء فهو الِّلثام ، بالمثلثة »([3]).

 

  • ثانياً : النقاب في حياة الأمة الإسلامية.

 

في أول ظهور الإسلام  كانت المرأة( الحرة، والأمة) تخرج إلى الناس كاشفة وجهها بدون حجاب ، ثم أمرت المرأة الحرة بالحجاب عن الرجال لتحقق عدة فوائد؛ من أهمها فائدتان:

الأولى:طهارة الفرد والمجتمع؛ لقوله تعالى:{..ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}من الآية 35في سورة الأحزاب.

فكان التطبيق العملي للحجاب في بيت النبوة المثل الأعلى لنساء المؤمنين ؛ فهاهي أمنا عائشة رضي الله عنها تخبرنا بمعنى وصفة الحجاب المطلوب ؛ فقد روت في حادثة الإفك( كانت في غزوة المريسيع في السنة الخامسة من الهجرة ) حيث فقدت عقدها أثناء قضائها حاجتها ،ثم أخذت تبحث عنه، ولكن جيش المسلمين تحرك عائداً إلى المدينة وهم لم يشعروا بها وهي لم تشعر بهم؛ فقد كان من تسترهن حال قضاء الحاجة الابتعاد عن أعين الناس؛فقالت رضي الله عنها : " وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني ، وكان رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمنا بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول"([4]).

قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، الشافعي المذهب(773- 852 هـ، عاش في النصف الأخير من القرن الثامن والنصف الأول من التاسع ) في شرحه للحديث:" وفيه(أي من الأحكام والفوائد) خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب، وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن،..... وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي "([5]).

أما الفائدة الثانية من تشريع الحجاب : فهي الأمن النفسي والاجتماعي؛ حيث يحميهن من الأذى( التحرش الجنسي، والاغتصاب)؛لقوله تعالى:{ فَلَا يُؤْذَيْنَ}من الآية 59 في سورة الأحزاب؛ فقد كان صنفٌ من الإماء في المجتمعات العربية عموماً، وفي المدينة خصوصاً يعرفن بالبغاء ( الزنا)، يدفعهن لذلك:

 

2- أو سعيهن وراء كسب لقمة العيش والكسوة التي كن يحرمن منها في ظل عيشهن تحت سادتهن المتسلطين .

 لذلك تميزت الحرة بحجابها عن هذه الفئة من الإماء؛ ليسلمن من أذية المترصدين لأولئك الإماء في الطرقات.

فصار لبس نساء المؤمنين في زمن النبوة الجلباب ،كما تصفه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لما نزلت سورة النور – أي هذه الآية ] وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [- عمدن على حُجَز – أو حُجوز – مناطِقِهِنَّ، فشققنه، ثم اتخذن منه خمراً([6]). ومعنى الاختمار فسره الحافظ ابن حجر العسقلاني بقوله: ومعنى اختمرن به: أي غطين وجوههن([7]). والقول بأن معنى الاختمار تغطية الوجه وستره، يشهد له قول عائشة رضي الله عنها فيما رواه البخاري( فخمرت وجهي بجلبابي)، ويسنده أيضاً قول فاطمة بنت المنذر فيما صح في موطأ مالك:  ( كنا نخمر وجوهنا )أي مع أسماء بنت أبي بكر في الحج.

وفي رواية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: ]  يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ [ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن  الغربان  من الأكسية([8]).

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن ابن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي (توفي سنة 895 هـ، أي عاش في القرن التاسع ) مبيناً صورة المجتمع النبوي قبل وبعد الجلباب: " وقد فسر عبيدة السلماني قول الله  : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ }[ الأحزاب : 59 ] بأنها تدنيه من فوق رأسها ، فلا تظهر إلا عينها . وهذا كان بعد نزول الحجاب ، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب ، ويرى من المرأة وجهها وكفاها.ثم أمرت بستر وجهها وكفيها ، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء ، ولهذا قال تعالى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } [ الأحزاب : 59 ] ، يعني : حتى تعرف الحرة فلا يتعرض لها الفساق ، فصارت المرأة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب ، فلهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم ( لما أمر النساء بالخروج في العيدين ، وقيل له : المرأة منا ليس لها جلباب ؟ فقال : ( لتلبسها صاحبتها من جلبابها ) - يعني تعيرها جلبابا تخرج فيه"([9]). ويوضح ذلك ، ما ورد عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها (أي آية الجلابيب): "  تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به "([10]).

وكن يخرجن لأجل الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد روت عائشة رضي الله عنها:"كن نساء المؤمنات ، يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ، متلفعات بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغلس"([11]).  ومعنى متلفعات بمروطهن يبينه قول العلامة ابن بطال، علي بن خلف القرطبي، المالكي المذهب (  توفي سنة 449هـ، عاش في القرن الخامس الهجري ) في جمعه بين حديث أبى برزة : ( وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدُنا جليسه ) ، وحديث عائشة : ( إن النساء كن ينصرفن من صلاة الفجر مع رسول الله وكن متلفعات بمروطهن لا يُعرفن من الغَلَسِ ) . حيث بين معنى تلفعهن بقوله : وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن ، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زي النساء وهيئاتهن ، وذلك غير مانع للرجل من معرفة جليسه ، فلا تعارض بين شىء من ذلك "([12]).ويزيد معنى التلفع بياناً قول الإمام العيني، محمود بن أحمد، الحنفي المذهب (762 - 855 هـ،عاش في النصف الثاني من القرن الثامن وجزء من التاسع ) : "متلفعات حال: أي متلحفات من التلفع، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به. قوله ( بمروطهن) يتعلق بمتلفعات، وهو جمع مرط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به. قوله (ثم ينقلبن) أي يرجعن إلى بيوتهن. قوله (لا يعرفهن أحد) قال الداودي: معناه لا يعرفن أنساء أم رجال. يعني: لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصة. وقيل: لا يعرف أعيانهن؛ فلا يفرق بين فاطمة وعائشة"([13]). وقال ابن حجر العسقلاني : " واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم؛ فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة. وتعقبه عياض: بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف والله أعلم"([14]).

هذا الواقع الذي كانت تعيشه المرأة ملتزمة بالجلباب ومتلفعة به في المجتمع النبوي جعل الحاجة إلى رؤية المرأة والنظر إليها مطلباً مهما للراغب في الزواج ؛ وهو ما تبينه لنا رواية زواج المغيرة بن شعبة؛ حيث قال: أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فذكرت له امرأة أخطبها .فقال:" اذهب فانظر إليها؛ فإنه أجدر أن يؤدم بينكما". فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه و سلم؛ فكأنهما كرها ذلك. قال: فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها؛ فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرك أن تنظر؛ فانظر، وإلا فأنشدك. كأنها أعظمت ذلك. قال: فنظرت إليها؛ فتزوجتها. فذكر من موافقتها([15]).

ولما كان النقاب مشهوراً في المجتمع الإسلامي النبوي نهيت المرأة عنه في الإحرام؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ..ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفازين ) ([16]). فهذا النهي عن لبس مخصص ( النقاب) يدل على أنه موجود في المجتمع الإسلامي. وهو دليل أيضاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره ؛ لأنه لم يثبت عنه نهي المرأة عن لبسه في حياتها العامة .قال الكاساني، أبو بكر بن مسعود، الحنفي المذهب( توفي سنة 587هـ، عاش في القرن السادس الهجري) عند نقله قول الإمام الشافعي في حكم تغطية الرجل وجهه وهو محرم: " ولأن مبنى أحوال المحرم على خلاف العادة وذلك فيما قلنا؛ لأن العادة هو الكشف في الرجال فكان الستر على خلاف العادة بخلاف النساء ، فإن العادة فيهن الستر فكان الكشف خلاف العادة "([17]).

ويشهد لذلك فعل عائشة رضي الله عنها : " كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها فإذا جاوزنا كشفناه "([18]).

وعلى ذلك جرى فعل نساء المؤمنين ؛ فقد روى مالك عن هشام بن عروة (ولد سنة 61هـ،وتوفي سنة 145هـ)عن فاطمة بنت المنذر(ولدت سنة48هـ،وهي زوجة هشام ،وأكبر منه بثلاث عشرة سنة،وعاشت في النصف الثاني من القرن الأول) أنها قالت(عن جدتها أسماء):" كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق "([19]). قال ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي، المالكي المذهب (368هـ - 463هـ، عاش في نهاية القرن الرابع وأكثر من نصف الخامس الهجري) : " وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة. وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا، تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها(أي بالنقاب) إلا ما ذكرنا عن أسماء"([20]). ولمزيد بيان لهذه الصورة نورد ما قاله الزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف المصري الأزهري، المالكي المذهب( 1055هـ- 1122هـ،عاش في النصف الثاني من القرن الحادي عشر وجزء من الثاني عشر) في شرحه حديث فاطمة بنت المنذر: "( كنا نخمر ) نغطي ( وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ) جدتها وجدة زوجها، زاد في رواية: ( فلا تنكره علينا )؛لأنه يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس، بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها، أو ينظر لها بقصد لذة. قال ابن المنذر:" أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف، وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال، ولا تخمر، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر ؛فذكر ما هنا، ثم قال:" ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا كما جاء عن عائشة قالت:" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات؛ فإذا جاوزنا رفعناه "([21]). وروى ابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أمه قالت :" كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية ، فقلت لها : يا أم المؤمنين ،هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة ، فرفعت عائشة خمارها من صدرها فغطت به وجهها"([22]). وهذا الفعل من أم المؤمنين رضي الله عنها تأكيد على جواز ستر المرأة وجهها وتغطيته بغير النقاب .

وبهذا يتبين أن النقاب كان مشهوراً في عصر النبوة ، وفي القرن الأول الهجري ؛ فقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أحد فقهاء المدينة السبعة (توفي سنة 95ه، أي عاش في القرن الأول)أنه قال: " كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها"([23]).

واستمرت عادة نساء المسلمين على ستر وجوههن ومنه النقاب على مر الأزمان ، ومختلف العصور، وفي سائر أقطار البلاد الإسلامية ؛ وإليك البرهان من أقوال الأئمة والعلماء:

- قال الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي الرازي، الحنفي المذهب (305هـ- 370هـ، عاش  في القرن الرابع الهجري متنقلاً بين نيسابور وأصفهان وبغداد التي مات فيها) : " المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن"([24]).

- وقال ابن خويز منداد، المالكي المذهب ( توفي سنة 390هـ، عاش في القرن الرابع الهجري في العراق) :" إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك؛ وإن كانت عجوزاً أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها"([25]).

- وقال الباجي ، سليمان بن خلف القرطبي، المالكي المذهب ( توفي سنة 474ه، عاش في القرن الخامس الهجري في الأندلس ومكة ودمشق وبغداد) في شرحه لمعنى قول عائشة رضي الله عنها في صلاة النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر ( لا يعرفهن أحد من الغلس ):"  إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن، ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس؛ إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده؛ لكنهن أمن أن تدرك صورهن من شدة الغلس؛ فأبيح لهن كشف وجوههن"([26]).

- وقال أبو حامد الغزالي، الشافعي المذهب(450هـ -  505هـ، عاش في القرن الخامس الهجري  متنقلاً من طوس إلى نيسابور إلى بغداد إلى الشام ثم إلى خراسان التي توفي بها ): " لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات "([27]).

- وقال الإمام النووي ، يحي بن شرف النووي، الشافعي المذهب (المتوفى سنة 676هـ، عاش في القرن السابع الهجري ولد وتوفي في سورية): " ووجهه الإمام ( أي : إمام الحرمين الجويني ، عاش في القرن الخامس الهجري متنقلاً بين مصر والشام واستقر في نيسابور ) باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة؛ فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال.. "([28]).

- وقال أبو حيان، محمد بن يوسف بن حيّان الأندلسي( 654هـ- 745هـ، عاش في النصف الأخير من القرن السابع والأول من الثامن، ولد في غرناطة وانتقل إلى مالقة وتنقل حتى استقر بالقاهرة التي توفي فيها): " وكذا عادة بلاد الأندلس ، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة "([29]).

- وقال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، الشافعي المذهب (773- 852 هـ، عاش في النصف الأخير من الثامن والنصف الأول من التاسع أصله من عسقلان بفلسطين وولد ومات بالقاهرة وكان قد تنقل بين الحجاز واليمن):" ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب "([30]).

- وقال الإمام العيني ، محمود بن أحمد العيني، الحنفي المذهب (762 - 855 هـ، عاش في أواخر القرن الثامن وبداية التاسع الهجري تنقل بين حلب ودمشق وفلسطين والقاهرة التي مات بها ):" ويؤيد قول من قال بالجواز(نظر النساء إلى الرجال) استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا تراهم النساء؛ فدل على مغايرة الحكم بين الطائفتين"([31]).

- وقال ابن نجيم ، زين الدين ابن إبراهيم ، الحنفي المذهب ( توفي سنة 970هـ، عاش في القرن العاشر في مصر ):" وفي " شرح المُنية" قال مشايخنا:" تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة "([32]).

- وقال نظام الدين البرهانبوري، الحنفي المذهب ( عاش في القرن الحادي عشر الهجري)، ومعه مجموعة من علماء الهند في كتاب الفتاوى الهندية أو العالمكيرية على المذهب الحنفي ، والذي ألفها بطلب من السلطان عالمكير ، وقد عمل بها كقانون تسير عليه البلاد آنذاك: " اختلف المشايخ في جواز تحمل الشهادة على المرأة إذا كانت متنقبة: بعض مشايخنا قالوا: لا يصح التحمل عليها بدون رؤية وجهها. وبعض مشايخنا توسعوا في هذا وقالوا: يصح عند التعريف؛ وتعريف الواحد يكفي، والمثنى أحوط...إلى أن قال: فإنا أجمعنا على أنه يجوز النظر إلى وجهها لتحمل الشهادة، ثم على قول أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله تعالى: إذا أخبره عدلان أنها فلانة فذلك يكفي"([33]).

- وقال الكوثري، محمد زاهد ، وكيل المشيخة في الخلافة العثمانية(1296هـ- 1371هـ) في مقال له بعنوان " حجاب المرأة " : " وأما ما يروى عن أئمة الأمصار من جواز كشف المرأة وجهها وكفيها فمقيد بعدم الخوف من الفتنة ،وأين ذلك المجتمع المهذب الذي يأمن الإنسان فيه الفتنة عند خروج المرأة سافرة ؟!..إلى أن قال: ولتلك النصوص الصريحة في وجوب احتجاب النساء ، تجد نساء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في غاية المراعاة للحجاب منذ قديم ، في البلاد الحجازية واليمنية وبلاد فلسطين والشام وحلب والعراقين وبلاد المغرب الأقصى إلى المغرب الأدنى ، وصعيد مصر والسودان ، وبلاد جبرت والزيلع وزنجبار ، وبلاد فارس والأفغان والسند والهند . بل كانت بلاد الوجه البحري بمصر وبلاد الروملي والأناضول وبلاد الألبان قبل مدة في عداد البلدان التي تراعي فيها نساؤها الاحتجاب البالغ .." ([34]).

- وقال ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد التونسي، المالكي المذهب (المتوفى سنة 1393هـ، عاش في القرن الرابع عشر في تونس): " وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعا، وهم متفاوتون في ذلك على حسب العادات، لما أنشد النميري عند الحجاج بن يوسف الثقفي ( توفي سنة 95هـ، عاش في القرن الأول الهجري) قوله:

يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن جنح الليل معتجرات

قال الحجاج: وهكذا المرأة الحرة المسلمة"([35]).

- قال بكر أبو زيد ( كان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، توفي سنة 1429هـ):"لما نزلت هذه الآية (آية :فاسألوهن من وراء حجاب ) حجب النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه، وحجب الصحابة نساءهم، بستر وجوههن وسائر البدن والزينة المكتسبة، واستمر ذلك في عمل نساء المؤمنين، هذا إجماع عملي دال على عموم حكم الآية لجميع نساء المؤمنين"([36]).

- وقال عبد المحسن العباد ( من علماء المدينة المنورة المعاصرين) في شرحه سنن أبي داود في باب تغطية المحرمة وجهها : " أورد أبو داود باب المحرمة تغطي وجهها، أي: تغطي وجهها عند الرجال الأجانب. وأورد فيه حديث عائشة : (أنهن كن مع النبي صلى الله عليه وسلم وهن محرمات، فإذا حاذاهن الركبان سدلت إحداهن خمارها على وجهها، فإذا جاوزوهن) أي: تعدوهن الركبان، (فإنها تكشف وجهها)؛ لأن التغطية كانت من أجل ذلك وقد زال، إذاً فهن يغطين من أجل الركبان، ويكشفن إذا جاوزهن الركبان. وهذا الحديث فيه رجل متكلم فيه؛ لذا ذكره الألباني في ضعيف السنن، ولكنه حسنه في المشكاة، وفي كتاب حجاب المرأة المسلمة، وله شاهد عن أسماء رضي الله عنها من طريق صحيح، فهو حديث ثابت بشواهده([37]).

وبمشروعية النقاب كانت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، والتي كانت مكونة من : 1- العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رئيساً). 2- عبد الرزاق عفيفي (نائباً للرئيس). 3-  عبد الله بن قعود ( عضواً). 4- عبد الله بن غديان ( عضواً)؛ فقد جاء جواب اللجنة مقرراً لهذه المشروعية في الفتوى رقم ( 5438 ) عندما طرح عليها السؤال الآتي : ما حكم الإسلام في: النقاب؟ فأجابت اللجنة : أما النقاب فقد قال أبو عبيد في صفة النقاب عند العرب: هو الذي يبدو منه محجر العين، وكان اسمه عندهم الوصوصة والبرقع . وأما حكمه فالجواز، والأصل في ذلك ما جاء من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين »  رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي وصححه. وفي رواية قال: « سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى النساء في الإحرام عن القفازين والنقاب »  الحديث رواه أحمد وأبو داود ونهيه -صلى الله عليه وسلم- المحرمة أن تنتقب يدل على جوازه في غير حال الإحرام..".

وخلاصة القول من هذا الاستعراض الموجز لتاريخ النقاب : أن مشروعية ستر الوجه ومنه النقاب أمر واضح ومشهور في حياة الأمة الإسلامية عبر عصورها المتتابعة ، وفي مختلف أقطار عالمنا الإسلامي .

وهنا ننتقل للأصل الشرعي من الكتاب والسنة الذي استقت منه الأمة مشروعية النقاب، وعليه كانت عمدتهم في تطبيقه في واقعهم .

 

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

 

  1. ثالثاً: مشروعية النقاب في القرآن الكريم .

ستر الوجه عن الرجال الأجانب ثبت تقريره في الكتاب العزيز ضمن آيات الحجاب، واليك جملة منها :

الآية الأولى :

قول الله تعالى : (.. وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ..) (الأحزاب : 53 ).

هذه الآية الكريمة رغم أن سبب نزولها في حق أمهات المؤمنين –رضي الله عنهن – إلا أن نساء المؤمنين يدخلن معهن في هذا الخطاب؛ يدل على ذلك وجود القرينة في الآية الكريمة ، وهي الحكمة منه (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) ، ونساء المسلمين بحاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة؛ فهذه القرينة جعلت العلماء يقولون : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإليك ما يشهد لهذا من أقوال علماء التفسير:

يقول إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري(224-310هـ،عاش في القرن الثالث الهجري):" وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج، متاعًا؛(فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ). يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن؛(ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل"([38]).

وبهذا التفسير للآية الكريمة قال الماوردي، علي بن محمد (364هـ - 450هـ،عاش في نهاية القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس الهجري):" أُمرن وسائر النساء بالحجاب عن أبصار الرجال، وأمر الرجال بغض أبصارهم عن النساء"([39]).

- وقال الإمام ابن العربي، محمد بن عبدالله المالكي( 468 - 543هـ، عاش في النصف الثاني من القرن الخامس وأول السادس): " والمرأة كلها عورة ، بدنها ، وصوتها ، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة ، أو لحاجة ، كالشهادة عليها ، أو داء يكون ببدنها ، أو سؤالها عما يَعنُّ ويعرض عندها "([40]).

ومن علماء التفسير المتأخرين:

 يقول الإمام محمد الشوكاني (المتوفى سنة 1250هـ،في منتصف القرن الثالث عشر الهجري):" { أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } أي: أكثر تطهيراً لها من الريبة ، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء ، وللنساء في أمر الرجال . وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحلّ له ، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه"([41]).

والشنقيطي،محمد الأمين ( المتوفى سنة 1393هـ، عاش في القرن الرابع عشر الهجري):" إن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} ، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهنّ، وقد تقرّر في الأصول: أن العلّة قد تعمّم معلولها، وبما ذكرنا، تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علّته دليل على عموم الحكم فيه"([42]).

 

الآية الثانية :

قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الأحزاب : 59 )

فالآية الكريمة تحمل دلالة على صفة إدناء الجلباب المطلوبة ، وهذه الدلالة واضحة في ذكر أمهات المؤمنين اللائي عرف صفة حجابهن في الآية الأولى مع بناته ونساء المؤمنين . يقول محمد الأمين الشنقيطي( المتوفى سنة 1393هـ، عاش في القرن الرابع عشر الهجري): " إن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} ، يدخل في معناه ستر وجوههنّ بإدناء جلابيبهنّ عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} ، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب،كما ترى"([43]).

ولهذه الدلالة، فالآية الكريمة يسندها ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} ؛ فقد روى الإمام ابن جرير الطبري قال:حدثني عليّ، قال: حدثنا أَبو صالح، قال:حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس:" قوله:( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ )، أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة" .

وروى الإمام ابن جرير الطبري قال: حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيدة([44]) في قوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) فلبسها عندنا ابن عون، قال: ولبسها عندنا محمد، قال محمد: ولبسها عندي عبيدة، قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب".

وروى الإمام ابن جرير الطبري قال :حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا هشام عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله:( قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ) قال: فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه "([45]).

 

ومن هذه الروايات ندرك أن إدناء الجلباب من العين من تحت ومن فوق هو تفسير الآية الكريمة  في زمن الصحابة رضي الله عنهم، كما صرحت بذلك الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأيضاً كان هذا التفسير لدلالة الآية الكريمة في زمن التابعين، يشهد بذلك رواية عبيدة السلماني وارث علوم علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، وابن سيرين، وابن عون ، وقتادة، والسدي، وقد تناقل الأئمة الثقات هذا التفسير جيلاً بعد جيل.

وبهذا قال علماء التفسير، ومنهم  :

- الفراء ، أبو زكريا يحيى بن زياد (المتوفى سنة 207هـ، عاش في القرن الثاني وجزء من الثالث الهجري) حيث فسر قوله تعالى:{يدنين عليهن..}بما ورد عن ابن سيرين فحسب:" تُغَطّى إحدى عينيهَا وجبهتَها والشِّقّ الآخر، إلاّ العين"([46]).

- والزمخشري ، أبو القاسم محمود (المتوفى سنة 538هـ، عاش في القرن الخامس ومنتصف القرن السادس)، حيث قال: " ومعنى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } يرخينها عليهنّ ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ ، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك"([47]).

- وقال الإمام ابن العربي، محمد بن عبدالله المالكي( 468 - 543هـ، عاش في النصف الثاني من القرن الخامس وأول السادس): " قوله تعالى { يدنين عليهن }: قيل: معناه تغطي به رأسها فوق خمارها. وقيل : تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى" ([48]).

- وابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى سنة 597هـ، عاش في القرن السادس الهجري) حيث قال: " قوله تعالى : { يُدْنِينَ عليهنَّ من جلابيبهنَّ } قال ابن قتيبة : يَلْبَسْنَ الأرْدية . وقال غيره : يغطِّين رؤوسهنّ ووجوهن ليُعلَم أنهنَّ حرائر { ذلك أدنى } أي : أحرى وأقرب { أن يُعْرَفْنَ } أنهنَّ حرائر { فلا يؤذَين } ([49]).

  • والرازي، محمد بن عمر بن الحسن التيمي (المتوفى سنة 606هـ، عاش في القرن السادس) حيث قال: " وقوله : { ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يزنين؛ لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها؛ فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن" ([50]).

- وقال البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (المتوفى سنة 685هـ، عاش في القرن السابع الهجري):" يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة، ومن للتبعيض ؛فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض"([51]).

- وقال النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود (المتوفى سنة 710هـ، عاش في القرن السابع الهجري) : " ومعنى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن . يقال : إذا زلّ الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك . و «من» للتبعيض أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ، أو المراد أن تتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب وأن لا تكون المرأة متبذلة في درع وخمار كالأمة ولها جلبابان فصاعداً في بيتها ، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجّيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فضل بين الحرة والأمة ، وكان الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء ، وربما تعرضوا للحرة لحسبان الأمة؛ فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه فلا يطمع فيهن طامع"([52]).

- وقال أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان الأندلسي( 654هـ- 745هـ، عاش في النصف الأخير من السابع والأول من الثامن): " كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار ، وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء ، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة ، يقولون : حسبناها أمة ، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء ، بلبس الأردية والملاحف ، وستر الرؤوس والوجوه ، ليحتشمن ويهبن ، فلا يطمع فيهن"([53]).

- وجلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المتوفى سنة 864هـ، عاش في القرن التاسع الهجري)، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى سنة 911هـ، عاش في القرن التاسع الهجري وجزء من العاشر): {.. يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبهنَّ} جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة .أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عيناً واحدة {ذَلِكَ أَدْنَى} أقرب إلى {أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن حرائر "([54]).

- والبقاعي ، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر (المتوفى سنة 885هـ، عاش في القرن التاسع الهجري): " { قل لأزواجك } بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح { وبناتك } ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف ، وأخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن { ونساء المؤمنين يدنين } أي يقربن { عليهن } أي على وجوهن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئاً منها مكشوفاً { من جلابيبهن } ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظناً أن ذلك أخفى لهن وأستر ، والجلباب القميص ، وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ، والملحفة ما ستر اللباس ، أو الخمار وهو كل ما غطى الرأس ، وقال البغوي : الجلباب : الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ، وقال حمزة الكرماني : قال الخليل : كل ما تستتر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب ، والكل يصح إرادته هنا ، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي يديها ورجليها ، وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها وعنقها ، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها ، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين" ([55]).

- وأبو السعود العمادي، محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى سنة 951هـ، عاش في القرن العاشر الهجري): " فقيلَ : { قُل لأزواجك وبناتك وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } الجلباب ثوب أوسع من الخمار ودون الرِّداء تلويه المرأة على رأسها، وتُبقي منه ما ترسله على صدرها، وقيل : هي الملحفة وكل ما يُتستر به ، أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي . ومن للتبعيض لما مر من أن المعهود التلفع ببعضها وإرخاء بعضِها . وعن السُّدِّي : تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين { ذلك } أي ما ذكر من التغطي { أدنى } أقرب { أَن يُعْرَفْنَ } ويُميزن عن الإماء والقينات اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم { فَلاَ يُؤْذَيْنَ }"([56]) .

- ونقل الشوكاني،محمد بن علي بن محمد (المتوفى سنة 1250هـ، عاش في القرن الثالث عشر) قول الواحدي:" قال المفسرون : يغطين وجوههنّ ورؤوسهنّ إلاّ عيناً واحدة ، فيعلم أنهنّ حرائر فلا يعرض لهنّ بأذى . وقال الحسن : تغطي نصف وجهها . وقال قتادة : تلويه فوق الجبين وتشدّه ثم تعطفه على الأنف ، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه"([57]).

ومن علماء التفسير من ذكر قول ابن عباس وعبيدة السلماني في تفسير الآية الكريمة، مما يؤكد على مشروعية هذا الرأي عندهم؛ لذلك أوردوا هذا القول في تفاسيرهم، ومنهم :

- الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد (المتوفى سنة 450هـ، في منتصف القرن الخامس الهجري)، أورد رواية عبيدة السلماني ([58]).

- والبغوي،أبو محمد الحسين بن مسعود (المتوفى سنة 510هـ، عاش في القرن الخامس وجزء من السادس الهجري) ([59]).

- وأبو حيان الأندلسي،محمد بن حيّان ( 654- 745هـ، عاش في النصف الأخير من السابع والأول من الثامن) ([60]).

- وابن كثير (المتوفى سنة 774هـ، عاش في القرن الثامن الهجري) ([61]).

- و جلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (المتوفى سنة 911هـ، في بداية القرن العاشر الهجري) ([62]).

- والألوسي، محمود بن عبد الله (المتوفى سنة 1270هـ، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري) ([63]).

 

أما تفسير العلماء للجزء الآخر من الآية الكريمة نفسها،وهو قوله تعالى: ‏{‏ذلك أدنى أن يعرفن‏}‏؛ فهو يدور حول سبب نزولها ؛ فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏" كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا قيل له قال‏:‏ كنت أحسبها أمة؛ فأمرهن الله تعالى أن يخالفن زي الإماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ‏{‏ذلك أدنى أن يعرفن‏}‏ يقول‏:‏ ذلك أحرى أن يعرفن".

وإليك الصورة كما ينقلها الرازي، محمد بن عمر (المتوفى سنة 606هـ، عاش في القرن السادس الهجري) :"وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم ؛ فأمر الله الحرائر بالتجلبب.

وقوله : { ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } قيل: يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن، ويمكن أن يقال المراد يعرفن أنهن لا يزنين؛ لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها؛ فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن" ([64]).

ونزيد الصورة وضوحاً بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم الحراني ( 661- 728هـ، عاش في النصف الثاني من القرن السابع وجزء من الثامن الهجري): " وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش؛ فأرخى الستر ومنع أنساً أن ينظر، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه؛ فحجبها ؛ فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، و ( الجلباب ) هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى أبوعبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب؛ فكن النساء ينتقبن، وفى الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين؛ فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب؛ فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة؛ فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين"([65]).

 

الآية الثالثة:

قول الله تعالى : (.. وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ..) (النور : 31 ) .

يقول الإمام ابن جرير الطبري (224-310هـ،عاش في القرن الثالث الهجري):" ولا يُظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهنّ، وهما زينتان: إحداهما: ما خفي، وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد، والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنيّ منه بهذه الآية؛ فكان بعضهم يقول: زينة الثياب الظاهرة. وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه، قاله:ابن عباس ، وسعيد بن جبير، وعطاء.

أما من قال بالقول الأول (أي : أن المقصود بالزينة الظاهرة هي الثياب) :

- ابن مسعود رضي الله عنه ؛ فقد روى ابن جرير قال :حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: الزينة زينتان: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخَلْخَالان والقرطان والسواران.

- وإبراهيم النخعي ؛ فقد روى ابن جرير قال: حدثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله:( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) : قال: الثياب.

- والحسن البصري، فقد روى ابن جرير قال: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا بعض أصحابنا، إما يونس، وإما غيره، عن الحسن، في قوله:( إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) قال: الثياب"([66]).

- وقال الفراء، أبو زكريا يحي بن زياد ( المتوفى سنة 207ه، أي عاش في القرن الأول الهجري ، وجزء من الثاني): "{ إلا ما ظهر منها } مثل الكحل والخاتم والخضاب "([67]) .

- ونقل القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر (المتوفى سنة 671هـ، عاش في القرن السابع الهجري) قول ابن خويز منداد المالكي( توفي سنة 390هـ، عاش في القرن الرابع الهجري) عند تفسيره هذه الآية الكريمة: "وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك؛ وإن كانت عجوزاً أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها"([68]).

 - وقال البيضاوي، أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (المتوفى سنة 685هـ، عاش في القرن السابع الهجري):" { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له . { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم؛ فإن في سترها حرجاً ، وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية ، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر؛ فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتَحَمُّلِ الشهادة"([69]).

- وقال ابن كثير (المتوفى سنة 774هـ، عاش في القرن الثامن الهجري): " وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم.

وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قال: وجهها وكفيها والخاتم. ورُوي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم نحوُ ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله قال في قوله: { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } : الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار. وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سَمَّى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري: { إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه "([70]).

وخلاصة القول في مشروعية النقاب في القرآن الكريم :أن مشروعية ستر الوجه المرأة وجهها وتنقبها أمر مشروع بدلالة القرآن الكريم ، وهو ما قرره تفسير الصحابة كابن عباس في آية الجلابيب، وابن مسعود رضي الله عنه في آية الزينة ، وما قرره تفسير التابعين لهم كذلك ، وبه قال علماء التفسير على مر العصور .

 

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

 

  1. رابعاً: النقاب في المذاهب الفقهية الأربعة:

       إن الناظر في مصنفات الفقهاء وخاصة أئمة المذاهب الأربعة ومن أخذ بمذاهبهم من العلماء يجد نصوصهم في ستر الوجه ( ومنه النقاب) واضحة وجلية في كتبهم، ولم يعرف عن أحدٍ منهم إنكار مشروعيته ، بل كان خلافهم في أحكامه. وكان أكثر كلامهم عن هذه المسألة في عبادتي:

  1. الحج ( إحرام المرأة ).
  2. الصلاة ( أحكام لبس المرأة في الصلاة)..

ولكن لابد من تصوير للمسألة يمهد لفهم كل قول من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة، ويبين سبب تباين ما ذهبوا إليه :

أولاً: الحج ( إحرام المرأة )

 

تصوير المسألة : قول الفقهاء ( إحرام المرأة في وجهها ) وذلك في الحج والعمرة . وعمدتهم في ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ) ([71]) ؛ فأجمعوا على حرمة لبس المرأة المحرمة للنقاب والقفازين ، واختلفوا في (حكم ) و(صفة )سدل أو إسبال ساتر على وجهها حال وجود رجال أجانب حولها :

فبعض الفقهاء قاس وجه المرأة كرأس الرجل ، ورأس الرجل لا يجوز تخميره بمخيط ولا غير مخيط؛ وكذلك وجه المرأة؛ فيكون موجب هذا القياس: أن لا تخمر وجهها بشيء منفصل عنه كرأس الرجل؛ لذلك يقولون بمجافاة الستر عن الوجه إن احتاجت إليه(صفة الستر)، ويختلفون في حكم قيامها بذلك(الحكم) .

أما الفقهاء الذين يذهبون لجواز تخمير المرأة وجهها( الحكم )؛ فيقولون بعدم صحة قياس الفريق الأول، ويستندون لقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنهن كن يسدلن جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن، ولم تذكر مجافاتها ( صفة الستر)؛ فالأصل عدمه . ولأن النبي صلى الله عليه و سلم قال:( لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين )، فنهاها عن النقاب؛ لأنه أُعِد للعضو ومثله البرقع ، ولم ينهها عن تخمير الوجه مطلقا.

 والمهم هنا تقرير مشروعية ( ستر الوجه، ومنه النقاب ) ، فلم يقل أحدٌ من الفقهاء بعدم مشروعيته، بل كان الخلاف بينهم في حكمه وصفته . وإليك بيان أقوالهم :

 

  1. المذهب الحنفي :

- قال الإمام الشيباني، محمد بن الحسن بن فرقد (المولود سنة 132،والمتوفى سنة 189، عاش في القرن الثاني الهجري) في كتابه المبسوط : "والمرأة بمنزلة الرجل في جميع ما وصفناه، غير أنها تلبس ما بدا لها من الدرع والقميص والخمار والخف والقفازين، وتغطي رأسها ولا تغطي وجهها، ولا تلبس ....ولا رمل عليها في الطواف بالبيت، ولا سعي عليها بين الصفا والمروة، ولكنها تمشي مشيا، وتستر كل شيء منها إن أحبت إلا الوجه، وتسدل على وجهها إن أرادت ذلك، وتجافي عن وجهها"([72]).

- وقال الكاساني، أبي بكر بن مسعود الحنفي ( توفي سنة 587هـ، عاش في القرن السادس الهجري): " فدل الحديث ( حديث عائشة: كنا الركبان يمرون بنا ..) على أنه ليس للمرأة أن تغطي وجهها، وأنها لو أسدلت على وجهها شيئا وجافته عنه لا بأس بذلك"([73]).

- وقال المرغيناني ، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني ( توفي سنة 593هـ، عاش في القرن السادس الهجري): " والمرأة في جميع ذلك كالرجل، غير أنها لا تكشف رأسها وتكشف وجهها ، ولو سدلت شيئاً على وجهها وجافته عنه جاز"([74]).

- وقال عثمان بن علي الزيلعي (المتوفى سنة 743هـ، في النصف الأول من القرن الثامن): "ولو سدلت شيئاً على وجهها وجافته جاز؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها : كنا إذا مر بنا الركبان ....." ([75]).

- وقال منلا خسرو، محمد بن فراموز (المتوفى سنة 885هـ، أي في القرن التاسع الهجري):" قال الكمال : المستحب كما قالوا: أن تسدلَ على وجهها شيئًا وتجافيه ، وقد جعلوا لذلك أعواداً كالقبَّة توضع على الوجه وتسدل فوقها الثوب، ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن ابذال وجهها للأجانب بلا ضرورة، وكذلك دل الحديث، أي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كنا تمر بنا الركبان ....) "([76]).

- وقال شيخي زاده، عبد الرحمن بن محمد (المتوفى سنة 1078هـ، أي في القرن الحادي عشر): " والمرأة في جميع ذلك أي في جميع أحكام الحج كالرجل لعموم الأوامر ما لم يقم دليل الخصوص( إلا أنها تكشف وجهها )كالرجل، وإنما ذكره مع أن المرأة لا تخالف الرجل في كشف الوجه؛ لأن المتبادر إلى الفهم أنها لا تكشفه لما أنه محل الفتنة كما قيل: إنه عليه الصلاة والسلام لم يشرع للمرأة كشف الوجه في الإحرام خصوصا عند خوف الفتنة، وإنما ورد النهي عن النقاب والقفازين. ولا يتوهم عن عبارته اختصاصها لما تقدم أن الرجل يكشف وجهه ورأسه لا رأسها؛ لأن رأسها عورة .

 ( ولو سدلت ) أي أرسلت ، وفي بعض النسخ أسدلت، وهو لغة فليس بخطأ، كما قال المطرزي .( على وجهها شيئاً وجافته) أي باعدت ذلك الشيء عن وجهها ( جاز ) ذلك السدل.

وفي شرح الطحاوي : الأولى كشف وجهها ، لكن في النهاية : أن السدل أوجب . ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة "([77]).

- وقال ابن عابدين ، محمد أمين بن عمر (المتوفى سنة 1252هـ،أي في القرن الثالث عشر) في حاشيته: " قوله ( ولو سدلت شيئا عليه وجافته عنه جاز) باعدته عنه ...( جاز) أي من حيث الإحرام، بمعنى: أنه لم يكن محظوراً لأنه ليس بستر. وقوله (بل يندب) أي خوفاً من رؤية الأجانب .

 وعبر في الفتح بالاستحباب، لكن صرح في النهاية بالوجوب ، وفي المحيط : دلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة؛ لأنها منهية عن تغطيته لحق النسك لولا ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة "([78]).

خلاصة القول في المذهب الحنفي للمحرمة: مشروعية ستر الوجه عن الأجانب بغير النقاب، واستحباب مجافاته.

 

  1. المذهب المالكي :

 

- قال الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (93- 179هـ، عاش في آخر القرن الأول وغالب القرن الثاني الهجري): "قلت: أرأيت لو أن محرماً غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك: إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع بذلك افتدى، قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم، إلا أن مالكاً كان يوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل"([79]).

- وقال ابن عبد البر، أبو عمر، يوسف بن عبد الله القرطبي (المتوفى سنة 463هـ، في القرن الخامس الهجري):" وينبغي للمشهورة بالجمال ألا تطوف إلا ليلا، وإن طافت نهارا وأسدلت ثوبها على وجهها استحب ذلك لها، وطافت في ستر"([80]).

- وقال ابن عبد البر أيضا: "والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير القفازين والبرقع والنقاب، ولا تغطي وجهها، وإحرامها في وجهها وكفيها، ولا بأس بسدل ثوبها على وجهها لتستره من غيرها، ولتسدله من فوق رأسها ولا ترفعه من تحت ذقنها، ولا تشده على رأسها بإبرة"([81]).

- وقال الباجي ، سليمان بن خلف القرطبي ( توفي سنة 474ه، في القرن الخامس الهجري) : " قولها : (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) تريد أنهن كن يسترن وجوههن بغير النقاب على معنى التستر؛ لأن الذي يمنع النقاب أو ما يجري مجراه على ما ذكرناه، وإضافة ذلك إلى كونهن مع أسماء بنت أبي بكر؛ لأنها من أهل العلم والدين والفضل وأنها لا تقرهن إلا على ما تراه جائزاً عندها؛ ففي ذلك إخبار بجوازه عندها وهي ممن يجب لهن الاقتداء بها ، وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا ، بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر .." ([82]).

- وقال الدردير، أحمد بن محمد العدوي (المتوفى سنة 1201هـ، في القرن الحادي عشر): " (وستر وجه) أو بعضه (إلا لستر) عن أعين الناس فلا يحرم، بل يجب إن ظنت الفتنة بها (بلا غرز) بإبرة ونحوها (و) لا (ربط) أي عقد (وإلا) بأن فعلت شيئا مما ذكر بأن لبست قفازا أو سترت كفيها أو وجهها أو بعضه لغير ستر، أو غرزت، أو عقدت ما سدلته (ففدية) إن طال"([83]).

وخلاصة القول في المذهب المالكي للمحرمة : مشروعية ستر الوجه عن الأجانب بغير النقاب.

 

  1. المذهب الشافعي:

 

- قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ( سنة الولادة 150، سنة الوفاة 204، أي عاش في القرن الثاني الهجري ) : "ويكون للمرأة إذا كانت بارزةً تريد الستر من الناس أن ترخي جلبابها أو بعض خمارها، أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها ، وتجافيه عن وجهها، حتى تغطي وجهها متجافياً كالستر على وجهها ، ولايكون لها أن تنتقب "([84]).

-وقال الإمام الشافعي في موضع آخر: "  ولا تخمر وجهها ، وتخمر رأسها ، إلا أن تريد  أن تستر وجهها فتجافي الخمار ، ثم تسدل الثوب على وجهها متجافياً " ([85]).

- وقال إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى : 476 هـ، في القرن الخامس): " فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت على وجهها شيئاً لا يباشر الوجه؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ..." ([86]).

- وقال أبو زكريا ، يحيى بن شرف النووي (المتوفى : 676هـ، في القرن السابع الهجري): "قال الشافعي في الأم والأصحاب: يستحب للمرأة أن تسعى في الليل؛ لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة؛ فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره من غير مماسته البشرة"([87]).

وخلاصة القول في المذهب الشافعي للمحرمة: مشروعية ستر الوجه عن الأجانب بغير النقاب.

 

  1. المذهب الحنبلي :

 

- قال الخرقي ، عمر بن الحسين بن عبد الله (المتوفى سنة 334هـ، أي عاش في نهاية القرن الثالث والنصف الأول من الرابع) : " والمرأة إحرامها في وجهها فإن احتاجت سدلت على وجهها"([88]).

- قال ابن قدامة، عبد الرحمن بن محمد المقدس ( توفي سنة 682هـ،عاش في القرن السابع الهجري) : "(فصل) فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها فإنها تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها، روي ذلك عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ، ولا نعلم فيه خلافاً؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها؛ فإذا جاوزونا كشفناه) رواه أبو داود والأثرم؛ ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة"([89]).

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس (المتوفى : 728هـ، عاش في القرن السابع، وجزء من الثامن) : " وإحرام المرأة في وجهها ؛ قالوا: لأن وجه المرأة كرأس الرجل بدليل ما روي، ورأس الرجل لا يجوز تخميره بمخيط ولا غير مخيط؛ فكذلك وجه المرأة، لكن موجب هذا القياس أن لا تخمر وجهها بشيء منفصل عنه كرأس الرجل . وهذا غير صحيح، والذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه جواز الإسبال سواء وقع على البشرة أو لم يقع؛ لأن أحمد قال:" تسدل الثوب". وقال ابن أبي موسى: "إحرامها في وجهها فلا تغطيه ولا تتبرقع"؛ فإن احتاجت سدلت على وجهها؛ لأن عائشة ذكرت أنهن كن يدلين جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن، ولم تذكر مجافاتها؛ فالأصل عدمه، لا سيما وهو لم يذكر، مع أن الحاجة والظاهر أنه لم يفعل؛ لأن الجلباب متى أرسل مر ببشرة الوجه، ولأن في مجافاته مشقة شديدة، والحاجة إلى ستر الوجه عامة، وكل ما احتيج إليه لحاجة عامة أبيح مطلقا، كلبس السراويل والخف؛ فعلى هذا التعليل إن باشر لغير حاجة الستر.

 ولأن وجه المرأة كبدن الرجل وكَيَد المرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال:( لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، ولم ينهها عن تخمير الوجه مطلقا؛ فمن ادعى تحريم تخميره مطلقا فعليه الدليل، بل تخصيص النهي بالنقاب وقرانه بالقفاز دليل على أنه إنما نهاها عما صنع لستر الوجه، كالقفاز المصنوع لستر اليد، والقميص المصنوع لستر البدن"([90]).

- وقال المرداوي، علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي (المتوفى سنة 885هـ، في القرن التاسع الهجري): "قوله "والمرأة إحرامها في وجهها".هذا بلا نزاع؛ فيحرم عليها تغطيته ببرقع، أو نقاب، أو غيرهما، ويجوز لها أن تسدل على وجهها لحاجة. على الصحيح من المذهب. وأطلق جماعة من الأصحاب جواز السدل. وقال الإمام أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل"([91]).

- وقال الحجاوي، موسى بن أحمد بن موسى أبو النجا (المتوفى سنة 968هـ، في القرن العاشر الهجري): " والمرأة إحرامها في وجهها؛ فتحرم تغطيتة ببرقع أو نقاب أو غيره. فإن غطته لغير حاجة فدت. ولحاجةٍ: كمرور رجال قريباً منها، تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، ولو مس  وجهها ([92]).  

وخلاصة القول في المذهب الحنبلي للمحرمة: مشروعية ستر الوجه عن الأجانب بغير النقاب.

 

ثانياً : الصلاة ( أحكام لبس المرأة في الصلاة)

 

تصوير المسألة : قال ابن قيم الجوزية  (691- 751 هـ، عاش في القرن الثامن الهجري) مبيناً أحد أسباب اختلاف العلماء : "بعض الفقهاء ، سمع قولهم : إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها ؛ فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل ! وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر ؛ فإن العورة عورتان : عورة في النظر ، وعورة في الصلاة ؛ فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين ، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم"([93]).

وهو في ذلك يأخذ برأي شيخه الإمام ابن تيمية(المتوفى سنة 728هـ، عاش في القرن السابع وجزء من الثامن الهجري) حين قال : " فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة، هو الذي يستر عن أعين الناظرين، وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، ثم قال: {ولا يبدين زينتهن}؛ يعنى الباطنة: {إلا لبعولتهن}الآية. فقال يجوز لها، في الصلاة، أن تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة.

 والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:

- فقال ابن مسعود ومن وافقه هي: الثياب.

- وقال ابن عباس ومن وافقه هي: في الوجه واليدين؛ مثل الكحل والخاتم.

وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية؛ فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها. وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.

وقيل: لا يجوز. وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة، حتى ظفرها، وهو قول مالك"([94]).

وهذا التصور للمسألة قال به من الأئمة المتأخرين الإمام الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني (توفي سنة 1182هـ ، عاش في القرن الثاني عشر الهجري) ، عند كلامه عن شروط الصلاة : " ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي؛ فهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة "([95]).

وإليك بيان أقوال فقهاء المذاهب الأربعة التي نجد فيها تقرير ( مشروعية ستر الوجه، ومنه النقاب ) :

  1. المذهب الحنفي :

 

- قال شيخي زاده، عبد الرحمن بن محمد (المتوفى سنة 1078هـ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ): " وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( بدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها)....إلى أن قال: " وفي المنتقى: تمنع الشابة عن كشف وجهها؛ لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب، بل فرض لغلبة الفساد ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها:"جميع بدن الحرة عورة إلا إحدى عينيها فحسب"؛ لاندفاع الضرورة، وقدميها في رواية. أي في رواية الحسن عن الإمام، وهي الأصح؛ لأن المرأة مبتلاة بإبداء قدميها في مشيها إذ ربما لا تجد الخف، وفي رواية أنها عورة"([96]).

 

  1. المذهب المالكي :

 

- قال الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى سنة 179هـ، عاش في القرن الثاني الهجري): "وبلغني عن مالك في المرأة تصلي متنقبة بشيء؟ قال: لا إعادة عليها وذلك رأيي، والتلثم مثله ولا أرى أن تعيد ([97]).

 

  1. المذهب الشافعي:

 

قال أبو بكر (المشهور بالبكري) بن محمد شطا الدمياطي (المتوفى سنة 1302هـ، عاش في القرن الثالث عشر الهجري):" ويكره أن يصلي في ثوب فيه صورة أو نقش؛ لأنه ربما شغله عن صلاته. وأن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون بحضرة أجنبي لا يحترز عن نظره لها فلا يجوز لها رفع النقاب"([98]).

 

  1. المذهب الحنبلي:

 

 قال ابن مفلح،محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي الرامينى (المتوفى سنة 763هـ، في القرن الثامن الهجري) : " وجوَّز جماعة – وذكره شيخنا رواية – نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة، والمذهب : لا . ونَقَلَ أبو طالب( أي عن الإمام أحمد): ظفرُ المرأة عورة؛ فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها؛ فإن الخف يصف القدم ، وأحَبُّ إلي أن تجعل لكمها زرّاً عند يدها لا يبين منها شيء"([99]).

 

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

 

  1. سادساً: مشروعية النقاب عند أئمة الحديث.

بوب عدد من أئمة الحديث بما يدل على مشروعيته عندهم ؛ فعنونوا له (باب إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرجال)، أو ( باب المحرمة تغطي وجهها، أو تسدل على وجهها ) ؛ فمن هؤلاء الأئمة :

- ابن ماجة في سننه، وهو محمد بن يزيد القزويني (المتوفى سنة 273هـ، عاش في القرن الثالث الهجري).

- أبو داود في سننه، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى سنة 275هـ، عاش في القرن الثالث الهجري).

- ابن خزيمة في صحيحه، وهو محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري.(223 - 311 هـ، عاش في القرن الثالث الهجري).

- البيهقي في سننه ، وهو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي (384 - 458 هـ، عاش في القرن الخامس الهجري).

 

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

  1. الخاتمة :

أخي المسلم ..أختي المسلمة ..ها قد وصلنا معكم إلى ختام هذا البحث المختصر؛ والذي أسفر عن النتائج التالية :

أولاً: أن الحجاب شريعة ربانية، أجمعت الأمة الإسلامية على الإيمان به، والعمل به.

  ثانياً : أن صفة ( ستر المرأة لوجهها عن الرجال الأجانب - غير المحارم - ومنه النقاب) صفة مشروعة ، دل عليها :

  1. آيات الحجاب في القرآن الكريم ، حيث قال بذلك من الصحابة الكرام : ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير آية الجلابيب في سورة الأحزاب، وقال بذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في تفسير آية الزينة في سورة النور .

وبذلك فسرها من التابعين : عبيدة السلماني ( قال الذهبي في السير:أسلم عام فتح مكة باليمن ولم يرى النبي صلى الله عليه وسلم)، و محمد بن سيرين (قال الذهبي في السير:ولد قبل نهاية خلافة عمر بسنتين ، وقيل عثمان، وأدرك ثلاثين من الصحابة الكرام )، و عبد الله بن عون ( قال الذهبي في السير:ولد سنة 66هـ في حياة ابن عباس، و رأى أنس بن مالك ).

ثم جاء علماء التفسير عبر عصور الإسلام المتتابعة ليقولوا بهذا القول، أو ينقلوا لنا قول من قال بهذا القول ، وهو ما يدل على مشروعيته عندهم ، وإن لم يروا وجوبه. بدليل أنه لم يثبت عن أحدٍ منهم إنكار مشروعيته .

 

  1.  سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر من ناحية:

الناحية الأولى : حجب نساءه عن الناس بدليل ، سدله الستر بينه هو و زوجه زينب بنت جحش و بين أنس بن مالك ، و حجب صفية بنت حيي .

والناحية الثانية: فعل عائشة في قصة الإفك .

أما الناحية الثالثة: أقر النقاب في المجتمع الإسلامي ؛ دل على ذلك  " نهيه المحرمة عن النقاب " ؛ فمفهومه : أن النقاب لباس ترتديه المرأة المسلمة في عصره ، و هو صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه أو يحرمه ( و هذا إقرار ) ، و إنما نهى المرأة عن لبسه حال الإحرام فقط .

  1. التطبيق العملي ، المتمثل في فعل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، و فعل نساء الأنصار رضي الله عنهن بعد نزول آية النور ، و آية الأحزاب ، و شهود نساء الصحابة رضي الله عنهن لصلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم وهن متلفعات بمروطهن ، و عمل أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها و عن أبيها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد عملت به النساء في زمن التابعين بدليل فعل فاطمة بنت المنذر ومن معها مع أسماء.

واستمرار عمل نساء المسلمين بذلك في مختلف أقطار العالم الإسلامي ، وعلى مر العصور المتتابعة ، كما شهد بذلك علماء المسلمين في كتبهم ، وقد حرر البحث بعض ما كتبوه .

  1. إقرار أئمة الفقه في المذاهب الأربعة على مر العصور لمشروعيته ؛ و الخلاف بينهم كان في أحكام لبسه ؛ ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه أنكر مشروعيته ؛ لذلك يعد القول بإنكاره حادثة جديدة على الأمة الإسلامية يجب الحذر منه ؛ لأن نتيجته إبطال شريعة ربانية .
  2. تخريج أئمة الحديث للروايات المتعلقة بمشروعية النقاب ، بل و تبويب بعضهم بذلك .

 

ثالثاً: على المسلمين والمسلمات ، التجرد من الهوى ، و الحذر من التعصب عند النظر في أحكام النقاب ، وأن يتذكر كل مسلم ومسلمة أن اختيار مذهب أحد العلماء في المسألة ( دِين ) سيلقى المسلم أو المسلمة به ربه يوم القيامة .

رابعاً: من أهم علامات نضج المسلم والمسلمة في وعيه وتفكيره وأخلاقه معرفته بفقه الخلاف ،  و مراعاته أدب الخلاف ؛ لذلك :

  1. الخلافات الشرعية ، التي لها مبرراتها الشرعية بين علماء الأمة ، والتي تنطلق من احترام النص الشرعي دليل على حياة الاجتهاد في كيان الأمة ، وهي علامة على نضج أفراد الأمة عند عدم تأثير الخلافات سلباً على رباط الأخوة الإيمانية ، و تلاحم المجتمعات الإسلامية .
  2. لا تجعل من اختيارك لأحد مذاهب العلماء(دِيناً) سلاحاً توجهه لمن خالفك الاختيار(دِيناً) ؛ فتنتقصه ، أو تتهمه في عقله و دينه أو عرضه ، أو تستعدي عليه!
  3. الإسلام هو الحياة ، و وجود الخلاف لا يوقف هذه الحياة ، بل تستمر وإن استمر الخلاف ؛ فهاهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (كما جاء في صحيح البخاري) يختلفون في فهم دلالة النص النبوي الذي وجهه لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهائه من غزوة الأحزاب ، حين قال لهم: " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة "؛فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق؛ فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها . وقال بعضهم: بل نصلي ؛ لم يرد منا ذلك . فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم!

أخي المسلم ..أختي المسلمة .. لقد مضى الصحابة رضي الله عنهم ( رغم خلافهم في مسألة الصلاة ) يعملون في نصرة دين الله تعالى، ويجاهدون يهود بني قريظة، ولم يوقفهم الخلاف عن الحياة الجادة لخدمة الإسلام ؛ فهل يعي الدرس المسلمون اليوم .

 

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

  1. المراجع :
  2. القرآن وعلومه :
  • معاني القرآن للفراء .
  • تفسير الطبري جامع البيان في تأويل القرآن
  • تفسير الماوردي النكت والعيون
  • انظر معالم التنزيل للبغوي
  • الكشاف للزمخشري
  • أحكام القرآن لابن العربي المالكي
  • التفسير الكبير للرازي
  • زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي
  • تفسير البيضاوي أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف
  • مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي
  • تفسير القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن
  • تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
  • تفسير القرآن العظيم لابن كثير
  • تفسير الجلالين
  • نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي
  • تفسير الدر المنثور في التأويل بالمأثور للسيوطي
  • تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
  • روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي
  • التحرير والتنوير
  • فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
  • تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.
  • السنة وشروحها:
  • موطأ الإمام مالك
  • صحيح البخاري
  • سنن ابن ماجة
  • سنن أبي داود
  • صحيح ابن حبان
  • سنن البيهقي
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري
  • فتح الباري لابن رجب
  • شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك
  • الفقه :
    • المذهب الحنفي:
  • المبسوط للشيباني
  • بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني
  • بداية المبتدي للمرغيناني
  • تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي( نسخة إلكترونية).
  • البحر الرائق شرح كنز الدقائق
  • درر الحكام شرح غرر الأحكام للمنلا خسرو(نسخة إلكترونية).
  • الفتاوى الهندية
  • مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لشيخي زاده
  • رد المحتار على "الدر المختار لابن عابدين
    • المذهب المالكي :
  • المدونة برواية الإمام سحنون
  • الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر
  • حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير
    • المذهب الشافعي:
  • الأم للإمام الشافعي
  • المهذب للشيرازي
  • المجموع شرح المهذب للنووي
  • روضة الطالبين للإمام النووي
  • حاشية إعانة الطالبين
    • المذهب الحنبلي :
  • مختصر الخرقي
  • الشرح الكبير لابن قدامة
  • شرح العمدة في الفقه لابن تيمية(نسخة إلكترونية).
  • مجموع الفتاوى لابن تيمية
  • الفروع لابن مفلح
  • الإنصاف للمرداوي
  • الإقناع للحجاوي
    • أخرى :
  • إحياء علوم الدين
  • سير أعلام النبلاء للذهبي
  • إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية
  • الأعلام للزركلي
  • حراسة الفضيلة للعلامة بكر أبو زيد
  • شرح سنن أبي داود للشيخ :عبدالمحسن العباد(نسخة إلكترونية).

 

 

 

 

 


[1]- انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري( 4/53 ).

[2]- انظر حاشية السندي على النسائي( 5/133 ).

[3]- انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك(2/313).

[4]- رواه البخاري، كتاب التفسير، باب { لولا إذ سمعتموه قلتم ...}.

[5]- انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (8/479).

[6]- رواه أحمد، حديث رقم25551.

[7]- انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري( 8/490).

[8]- رواه أبو داود ،كتاب اللباس، باب قوله تعالى:{ يدنين عليهن من جلابيبهن }.

[9]- انظر فتح الباري لابن رجب (2/138).

[10]-  قال الألباني في الرد المفحم ص50: أخرجه أبو داود في " مسائله " ( ص 110 )، بسند صحيح جدا.

[11]- رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر.

[12]- انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال 2/222.

[13]- انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري(4/228).

[14]- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2/56.

[15]- رواه أحمد، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.

[16]- رواه البخاري، كتاب الحج ، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.

[17]- انظر : بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ( 3/1228).

[18]- رواه أحمد، وأبو داود في كتاب المناسك باب في المحرمة تغطي وجهها، وابن ماجة.قال الشيخ عبدالمحسن العباد( من علماء المدينة المنورة المعاصرين) في شرحه سنن أبي داود(9/445): وهذا الحديث فيه رجل متكلم فيه؛ لذا ذكره الألباني في ضعيف السنن، ولكنه حسنه في المشكاة حديث رقم 2690، وفي كتاب حجاب المرأة المسلمة، وله شاهد عن أسماء رضي الله عنها من طريق صحيح، فهو حديث ثابت بشواهده.

[19]- رواه الإمام مالك في الموطأ، حديث رقم 1050، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 1023.

[20]- انظر التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد(15/108).

[21]- انظر شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك(2/314).

[22]- أورد هذه الرواية الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (2/576). وبالنظر إلى ترجمة رجال هذه الرواية نجد: (ابن أبي خيثمة)قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان 1/147:أحمد بن زهير بن حرب بن شداد النسائي الأصل البغدادي أبو بكر بن أبي خيثمة، الحافظ الكبير بن الحافظ، ولد سنة خمس ومائتين، قال الخطيب: كان ثقة عالما متقنا حافظا ،بصيرا بأيام الناس وأئمة الأدب، أخذ علم الحديث عن أبيه ويحيى بن معين فأكثر عنه، وعن أحمد بن حنبل وغيرهم..مات في آخر سنة 98هـ .. كان الناس ينسبونه إلى القول بالقدر. أما (إسماعيل بن أبي خالد )مات سنة 154هـ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال:يروي عن ابن أبي أوفى وعمرو بن حريث وأنس بن مالك، وكان شيخاً صالحاً [انظر الثقات4/19].وقال عنه سفيان الثوري: حفاظ الناس ثلاثة إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد الانصاري .وقال عنه الشعبي : ابن أبي خالد يزدرد العلم ازدرادا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قال أبي: أصح الناس حديثا عن الشعبي ابن أبي خالد. وعن يحيى بن معين قال : ابن أبي خالد ثقة.وكان مروان بن معاوية يقول: كان إسماعيل بن أبي خالد يسمى الميزان. [انظر الجرح والتعديل 2/174].

[23]- الاستذكار 2/201.

[24]- انظر:أحكام القرآن للجصاص( 5/245).

[25]- انظر : تفسير القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن (12/208).

[26]- المنتقى شرح موطأ مالك 1/4.

[27]- انظر إحياء علوم الدين (2/49).

[28]- انظر روضة الطالبين للإمام النووي (6/16).

[29]- انظر تفسير البحر المحيط ، في تفسيره للآية 59 من سورة الأحزاب(8/504).

[30]- انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري،كتاب النكاح،باب الغيرة (11/675).

[31]- انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري، كتاب النكاح،باب نظر المرأة إلى الحبش وغيرهم(10/217).

[32]- انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق(1/284).

[33]- رواه انظر الفتاوى الهندية على المذهب الحنفي (3/452).

[34]- انظر مقالات الكوثري ص230-232.

[35]- انظر التحرير والتنوير ( 11/92).

[36]-  انظر حراسة الفضيلة ص60.

[37]- رواه انظر شرح سنن أبي داود للشيخ :عبدالمحسن العباد (9/445).

[38]- انظر تفسير الطبري جامع البيان في تأويل القرآن (19/166).

[39]- انظر تفسير النكت والعيون( 4/419).

[40]- انظر أحكام القرآن ( 3 / 1579).

[41]- انظر فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، تأليف محمد الشوكاني (4/394).

[42]- انظر تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تأليف : محمد الشنقيطي (6/584).

[43]- انظر تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/244).

[44]- تراجم رجال سند أثر عبيدة السلماني :

        - (حدثني يعقوب) هو يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي، ذكره ابن حبان في الثقات (الثقات لابن حبان:9/286).وقال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الحجة(سير أعلام النبلاء: 12/ 142). قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة متقنا.[تهذيب التهذيب لابن حجر :11/334].

         - (حدثنا ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية ، قال يحيى بن معين: إسماعيل بن علية ثقة.وقال أحمد بن حنبل : إسماعيل ابن علية إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.( الجرح والتعديل لابن حجر : 2/154).روى عنه خلائق من الأعلام، منهم ابن جريج، وإبراهيم بن طهمان، وشعبة، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدى، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن راهوية، وابن المدينى، وخلائق.[ تهذيب الأسماء للنووي :1/164)]. قال ابن المدينى: ما أقول إن أحدا أثبت في الحديث من إسماعيل. وقال أحمد:فاتني مالك فأخلف الله علي ابن عيينة، وفاتني حماد فأخلف الله على ابن علية.[ ميزان الاعتدال للذهبي(1/217].

         - (عن ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان ، ذكره ابن حبان في الثقات( الثقات 4/3 ). قال عنه يحيى بن معين : ابن عون ثبت. وقال ابن المدينى عند ذكر ابن عون عنده مع جمع من العلماء: ليس في القوم مثل ابن عون وأيوب.[ الجرح والتعديل لابن حجر: 5/130] .

       - ( عن محمد ) هو محمد بن سيرين ،قال عنه الذهبي: الإمام، شيخ الإسلام، أبو بكر الانصاري، سمع أبا هريرة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وعدي بن حاتم، وابن عمر، وعبيدة السلماني، وشريحا القاضي، وأنس بن مالك، وخلقا سواهم.وأدرك ثلاثين من الصحابة الكرام.[سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي: 4/606]. وقال أحمد بن حنبل:من الثقات. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن معين:سمع من ابن عمر حديثا واحدا. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.[ تهذيب التهذيب لابن حجر :9/190].

       - (عن عبيدة) عبيدة بن عمرو السلماني، قال عنه الذهبي :الفقيه المرادي، الكوفي، أحد الأعلام.أسلم عبيدة في عام فتح مكة بأرض اليمن، ولا صحبة له، وأخذ عن علي وابن مسعود، وغيرهما، وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث .(سير أعلام النبلاء: 4/40). قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عبيدة. قال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله.[تهذيب التهذيب لابن حجر : 8/78].

[45]- انظر تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل القرآن (19/181).

[46]- انظر معاني القرآن للفراء (2/349).

[47]- انظر الكشاف،تأليف:محمود الزمخشري (3/274).

[48]- انظر أحكام القرآن ( 3 / 1586).

[49]- انظر زاد المسير في علم التفسير (5/150).

[50]- انظر التفسير الكبير للرازي(25/230).

[51]- انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي (2/252).

[52]- انظر مدارك التنزيل وحقائق التأويل(3/313).

[53]- انظر تفسير البحر المحيط (8/504).

[54]- رواه انظر تفسير الجلالين، تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب.

[55]- انظر نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (6/135).

[56]- انظر تفسير أبي السعود، المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم(7/115).

[57]- انظر فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير(4/402).

[58]- انظر النكت والعيون ( 4/422).

[59]- انظر معالم التنزيل (2/754).

[60]- انظر تفسير البحر المحيط (9/174).

[61]- انظر تفسير القرآن العظيم (6/482).

[62]- انظر تفسير الدر المنثور في التأويل بالمأثور(8/208).

[63]- انظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، (22/89).

[64]- انظر التفسير الكبير للرازي(25/230).

[65]- انظر مجموع الفتاوى(22/110).

[66]- انظر تفسير الطبري جامع البيان في تأويل القرآن (19/156).

[67]- انظر معاني القرآن للفراء ( 2/249).

[68]- انظر تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن (12/152).

[69]- انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي (2/121).

[70]- انظر تفسير القرآن العظيم (3/244).

 

[71]- رواه البخاري، كتاب الحج ، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة.

[72]- انظر المبسوط للشيباني (2/384).

[73]- انظر : بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ( 3/1231).

[74]- انظر بداية المبتدي (1/47).

[75]- انظر تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (4/407).

[76]- انظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (3/105).

[77]- انظر مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/285).

[78]- انظر رد المحتار على "الدر المختار : شرح تنوير الإبصار"(3/551).

[79]- انظر المدونة ، رواية الإمام سحنون (توفي سنة 240هـ) عن الإمام عبدالرحمن بن القاسم (1/463).

[80]- انظر : الكافي في فقه أهل المدينة المالكي (1/368).

[81]- انظر: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي (1/388).

[82]- انظر: المنتقى شرح موطأ مالك 2/253.

[83]- انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/55).

[84]- انظر الأم( 2/149).

[85]- انظر الأم (2/219).

[86]- انظر المهذب (2/710).

[87]- انظر المجموع شرح المهذب ( 8/79).

[88]- انظر مختصر الخرقي (1/56).

[89]- انظر الشرح الكبير(8/356).

[90]-  انظر شرح العمدة في الفقه (3/270).

[91]- انظر الإنصاف (8/355).

[92]- انظر الإقناع (1/587).

[93]- انظر إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ( 2/ 47 ).

[94]- انظر مجموع الفتاوى (22/109).

[95]- سبل السلام شرح بلوغ المرام (1/274).

[96]- انظر مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/81).

[97]- انظر المدونة الكبرى ، رواية الإمام سحنون (توفي سنة 240هـ) عن الإمام عبدالرحمن بن القاسم(1/185).

[98]- انظر حاشية إعانة الطالبين ، وهو حاشية على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين  لزين الدين بن عبد العزيز المعبري المليباري (المتوفى سنة 987 هـ) 1/114.

[99]- انظر الفروع (8/186).