هل لهذا الكون إله ؟


هل لهذا الكون إله ؟

أنا وأنت سنشترك في رحلة البحث عن الحقيقة ( هل الله موجود؟ ).

وأعتقد أنها أهم رحلة فكرية في حياتك .
 
إنها رحلة ممتعة في النفس البشرية ، وفي هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين ؛ لنحرك  الملاحظة الدقيقة في حواسنا ، وننشط التفكير في عقولنا ، ونوقظ القلب لتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير.
 
 
وستكون أدوات بحثنا وتقصينا للحقائق هي ما نملكه من حواس تعيننا على الملاحظة الدقيقة ، وعقل يعيننا على التفكير والتأمل والاستنتاج ، وقلب ينبض بالمشاعر والأحاسيس الصادقة.
 
 
ولن نكلف أي باحث معنا عن الحقيقة فوق طاقته ، ولن نكلفه البحث عن وسائل يتوقف عليها الوصول إلى الحقيقة ؛ لأنه من حق كل إنسان مهما كان مستواه العقلي والثقافي والاجتماعي أن يصل إلى الحقيقة حتى ولو لم يعرف شيئاً عن تركيب خلية جسم الإنسان، ومكونات الذرة ، وتحولات الطاقة، ولم يتعلم شيئاً عن حقائق الفلك ونظرياته.
 
وسيكون بحثنا عن الحقيقة فيما ندركه بحواسنا من حقائق في :

1- أنفسنا البشرية.

2- الكون من حولنا.
 
 
وهذه الحقائق معروضة لحواسنا آناء الليل وأطراف النهار . لا تحتاجان إلى علم غزير ، ولا إلى تفكير طويل ، ولا إلى وسائل تكبير دقيقة ومعقدة.
 
فلنبدأ رحلة البحث عن الحقيقة ..من محطتنا الأولى:

 

  • حقائق في الأنفس :

 
 
قف معي مع ( حقيقة الحياة وسلبها  ) ؛ فالإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كل لحظة ، المعروضتان لحس الإنسان وعقله . وهما - في الوقت نفسه - السر الذي يحير ، والذي يلجئ الإدراك البشري الجاءً إلى مصدر آخر غير بشري . وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق .
 
إننا لا نعرف شيئاً عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة . ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات .
ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق . .
 
إنك حي. فمن الذي أنشأ لك هذه الحياة؟
 
من الذي أوجد هذه الظاهرة الجديدة الزائدة على ما في الأرض من جماد ميت؟
إن طبيعة الحياة شيء آخر غير طبيعة الموت المحيط بها في الجمادات . فمن أين جاءت؟
 
من أين جاءت هذه الحياة التي تسلك في الأرض سلوكا آخر متميزاً عن كل ما عداها من الموات؟ . . لقد جاءت من عند الله . . هذا هو أقرب جواب . . وإلا فليقل من لا يريد التسليم : أين هو الجواب!
 
 
وهذا « دارون » من أكبر علماء الحياة يظل ينزل في نظريته بالحياة درجة درجة ، ويتعمق أغوارها قاعاً قاعاً ، حتى يردها إلى الخلية الأولى . . ثم يقف بها هناك .
إنه يجهل مصدر الحياة في هذه الخلية الأولى . ولكنه لا يريد أن يسلم بما ينبغي أن يسلم به الإدراك البشري ، والذي يلح على المنطق الفطري إلحاحاً شديداً . وهو أنه لا بد من واهب وهب الحياة لهذه الخلية الأولى . لا يريد أن يسلم لأسباب ليست علمية وإنما هي تاريخية في صراعه مع الكنيسة! فإذا به يقول : « إن تفسير شؤون الحياة بوجود خالق يكون بمثابة ادخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت! » . .
أي وضع ميكانيكي يخص الخالق !
إن كانت الميكانيكية في المخلوقات فهي أبعد شيء عن خالقها؛ فهو يبرئ روح المخلوقات فتحيا وتموت ولا نعلم كيف ذلك .
وإنه - هو نفسه – ليهرب من ضغط المنطق الفطري ، الذي يلجئ الإدراك البشري إلجاء إلى الاعتراف بما وراء الخلية الأولى ، فيرجع كل شيء إلى « السبب الأول »! ولا يقول : ما هو هذا السبب الأول؟ ما هو هذا السبب الذي يملك إيجاد الحياة أول مرة ، ثم يملك - حسب نظريته هو وهي محل نظر طويل - توجيه الخلية الأولى في طريقها الذي افترض هو أنها سارت فيه صعوداً ، دون أي طريق آخر غير الذي كان! إنه الهروب والمراء والمكر!!!
 
إن سر الحياة وحده لمعجز ، كان وما يزال؛ معجز في معرفة منشئه وكيف جاء ، ولا يعقل أن يحاوله أحد أو يدعيه ، ولا تفسير له إلا أنه من صنع خالق .
 
إنك ترى  كيف يبدأ الخلق! تراه في النبتة النامية ، وفي البيضة والجنين ، وفي كل ما لم يكن ثم يكون؛ مما لا تملك قدرة البشر مجتمعين ومنفردين أن يخلقوه أو يدعوا أنهم خالقوه!
 
فهل خُلق البشر من غير شيء؟ أم هم الخالقون ؟

 

ثم انظر أيها الباحث عن الحقيقة إلى نفسك ..وتأمل وتفكر فيها ..
 
 
الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض . إنه عجيبة في تكوينه الجسماني : في أسرار هذا الجسد . عجيبة في تكوينه الروحي : في أسرار هذه النفس . وهو عجيبة في ظاهره وعجيبة في باطنه . وهو يمثل عناصر هذا الكون وأسراره .
 
وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير . تكوين أعضائه وتوزيعها . وظائفها وطريقة أدائها لهذه الوظائف . عملية الهضم والامتصاص . عملية التنفس والاحتراق . دورة الدم في القلب والأوعية الدموية . الجهاز العصبي وتركيبه وإدارته للجسم . الغدد وإفرازها وعلاقتها بنمو الجسد ونشاطه وانتظامه . تناسق هذه الأجهزة كلها وتعاونها ، وتجاوبها الكامل الدقيق . وكل عجيبة من هذه تنطوي تحتها عجائب . وفي كل عضو وكل جزء من عضو خارقة تحير الألباب .
 
إدراكه للمدركات وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها . هذه المعلومات والصور المختزنة . أين؟ وكيف؟ هذه الصور والرؤى والمشاهد كيف انطبعت؟ وأين؟ وكيف تُستدعى فتجيء . .
 
ثم أسرار هذا الجنس في توالده وتوارثه . خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص؛ وتحمل معها خصائص الأبوين والأجداد القريبين!
فأين تكمن هذه الخصائص في تلك الخلية الصغيرة؟
 
وكيف تهتدي بذاتها إلى طريقها التاريخي الطويل ، فتمثله أدق تمثيل ، وتنتهي إلى إعادة هذا الكائن الإنساني العجيب؟!
 
وإن وقفةً أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض ، وهو ينفصل عن أمه ويعتمد على نفسه ، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة . إن وقفة أمام هذه اللحظة وأمام هذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب ، وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإيمان ، لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان!
وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات . بل أمام النطق ذاته . نطق هذا اللسان . وتصويت تلك الحنجرة . إنها عجيبة . عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيراً . ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها . إنها خارقة . خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا لخالق .
 
وكل جزئية في حياة هذا المخلوق تقفنا أمام خارقة من الخوارق ، لا ينقضي منها العجب..
 
وكل فرد من هذا الجنس عالَمٌ وحده .ومرآة ينعكس من خلالها هذا الوجود كله في صورة خاصة لا تتكرر أبداً على مدار الدهور . ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعاً لا في شكله وملامحه ، ولا في عقله ومداركه ، ولا في روحه ومشاعره . ولا في صورة الكون كما هي في حسه وتصوره . ففي هذا المتحف البشري العجيب الذي يضم ملايين الملايين ، كل فرد نموذج خاص ، وطبعة فريدة لا تتكرر . يمر من خلالها الوجود كله في صورة كذلك لا تتكرر . كما لا توجد بصمة أصابع مماثلة لبصمة أصابع أخرى في هذه الأرض في جميع العصور!
 
وإنها للحظات ممتعة حقاً تلك التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم وعاداتهم ، بعين المتجرد في بحثه عن الحقيقة .. فمن خلق هذا الإنسان العجيب؟
 
والآن أنتقل معك أيها الباحث عن الحقيقة إلى محطتنا الثانية في أهم رحلة للإنسان في حياته..

  • إنها ( الحقائق الكونية ) ..

 
فحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته - في حدود ما يطيق - في جنبات هذا الوجود الكبير تتجلى له آثار تلك القدرة المبدعة المدبرة في كل كائن صغير أو كبير . من الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام ، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الكون .
 
هذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا ؛ وكل كائن فيه يتفاعل أو يتعامل مع الكائنات الأخرى . . وكلها تعمل منفردة ومجتمعة داخل إطار الأسرار المودعة في فطرتها وتكوينها وفي توافق وانتظام بلا تعارض ولا خلل ولا فتور في لحظة من اللحظات!
 
فإن طبيعة هذه المخلوقات توحي بأن الأمر ليس عبثاً ولا مصادفة ولا جزافاً . .
 
فمن وهب الوجود لكل موجود؟

ومن خلق فيها هذا الجمال ؟

ومن  صاحب هدايتها للوظيفة التي خُلق لها؟
 
انظر أيها الباحث عن الحقيقة إلى هذه الأرض ..
 
هذا الكوكب المعد للحياة ، المجهز بكل مقومات الحياة لاستقبالها وحضانتها بكل خصائصه ، على نحو يكاد يكون فريداً في المعروف لنا في محيط هذا الكون الهائل ، الحافل بالنجوم الثوابت والكواكب السيارة . التي يبلغ عدد المعروف منها فقط - والمعروف نسبة لا تكاد تذكر في حقيقة الكون - مئات الملايين من المجرات التي تحوي الواحدة منها مئات الملايين من النجوم . والكواكب هي توابع هذه النجوم!
 
ومع هذه الأعداد التي لا تحصى فإن الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته . ولو اختلت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكثيرة جداً لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها . .
 
لو تغير حجمها صغراً أو كبراً ، لو تغير وضعها من الشمس قرباً أو بعداً . لو تغير حجم الشمس ودرجة حرارتها .
 
لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا .
 
لو تغيرت حركتها سرعة أو بطأ .
 
لو تغير حجم القمر - تابعها - أو بعده عنها .
 
لو تغيرت نسبة الماء والهواء واليابس فيها زيادة أو نقصاً . . . لو . لو . لو . . . إلى آلاف الموافقات المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته .

أليست هذه حقائق ماثلة أمام حواسنا في كل يوم ؟

فمن خلق الأرض ؟

ومن أعطاها كل هذه الخصائص ؟
 
 
ثم . هذه الأقوات المذخورة في الأرض للأحياء التي تسكنها . تسكن سطحها ، أو تطير في أجوائها ، أو تسبح في مائها ، أو تختبئ في مغاورها وكهوفها ، أو تختفي في مساربها وأجوافها . . هذه الأقوات الجاهزة المركبة والبسيطة والقابلة للوجود في شتى الأشكال والأنواع هذه الأقوات الكامنة في جوفها ، والساربة في مجاريها ، والسابحة في هوائها ، والنابتة على سطحها ، والقادمة إليها من الشمس ومن عوالم أخرى بعضها معروف وبعضها مجهول ، ولكنها تتدفق وفق تدبير المشيئة المدبرة التي خلقت هذا المحضن لهذا النوع من الحياة ، وجهزته بكل ما يلزم للأنواع الكثيرة التي لا تحصى .

فمن منحها هذه الأرزاق؟
 
تفكر أيها الباحث عن الحقيقة في تنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها ، حيثما امتد الطرف ، وحيثما تنقلت القدم . وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفد : من وهاد وبطاح ، ووديان وجبال؛ وبحار وبحيرات ، وأنهار وغدران . وقطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل. .
 
كل مشهد من هذه المشاهد تتناوله يد الإبداع والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير . ويمر به الإنسان وهو مجدب فإذا هو مشهد ، ويمر به وهو خصيب فإذا هو مشهد آخر ، ويراه إبان الحصاد حين يهيج ويصفر فإذا هو مشهد آخر . وهو هو لم ينتقل باعاً ولا ذراعاً في المكان!

فمن أبدع هذه المشاهد؟
 
وتفكر في الخلائق التي تعمر هذه الأرض من الأحياء . نباتاً وحيواناً . وطيراً وسمكاً ، وزواحف وحشرات . .
هذه الخلائق التي لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها بعد - فضلاً على إحصاء أعدادها وأفرادها وهو مستحيل - وكل خليقة منها أمة! وكل فرد منها عجيبة .
كل حيوان . كل طائر . كل زاحفة . كل حشرة . كل دودة . كل نبتة : لا بل كل جناح في يرقة ، وكل ورقة في زهرة ، وكل قصبة في ورقة!
من صنع هذا التنوع العجيب؟

قف معي وانظر إلى السماء ..
 
انظر إلى مشهد النجوم في السماء جميل . جميل جمالاً يأخذ بالقلوب . وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه بتعدد أوقاته؛ ويختلف من صباح إلى مساء ، ومن شروق إلى غروب ، ومن الليلة القمراء إلى الليلة الظلماء . ومن مشهد الصفاء إلى مشهد الضباب والسحاب . . بل إنه ليختلف من ساعة لساعة . ومن مرصد لمرصد . . ومن زاوية لزاوية . . وكله جمال وكله يأخذ بالألباب .
 
وهذا الفضاء الوسيع الذي لا يمل البصر امتداده ، ولا يبلغ البصر آماده ..إنه الجمال . الجمال الذي يملك أي إنسان أن يعيشه ويتملاه ، ولكن لا يجد له وصفاً فيما يملك من الألفاظ والعبارات!
 
فهذه السماء بما فيها من لمسات الجمال قائمة أمامك أيها الإنسان سؤالاً حياً يتطلب جواباً على وجوده!
وهنا أقف معك أيه الباحث عن الحقيقة في محطتنا الأخيرة ..
 
فبعد جولتنا بحواسنا وعقولنا وقلوبنا في حقائق النفس البشرية وفي حقائق الكون من حولنا ..
 
نتوجه إليك بأهم سؤال يمر عليك في حياتك .. ولا شك أنه يتكرر عليك دائما ..

هل وجد البشر هكذا من غير شيء؟

أم هم الخالقون لأنفسهم؟

من خلق السماوات والأرض ؟
 
إن قضية الخلق لا يدّعيها مخلوق . وإذا كان هذا الفرض لا يقوم بحكم منطق الفطرة ؛ فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن . وهي أنهم جميعاً من خلق الله الواحد الذي لا يشاركه أحد في الخلق والإنشاء ؛ فلا يجوز أن يشاركه أحد في الألوهية . .

ذلك هو الله ، وهذه هي آثار ألوهيته ودلائلها . هذه هي في صفحة الكون المنظور . وفي نشأة الإنسان وأطواره التي يعرفها الناس ، والتي يطلعهم عليها الله في كتابه الحق المبين .
 
هذه الخلائق المتعددة الأنواع والأجناس والأحجام والأشكال والخواص والمظاهر والاستعدادات والوظائف ، الخاضعة كلها لناموس واحد ، المتناسقة كلها في نشاط واحد ، المتجهة كلها إلى مصدر واحد تتلقى منه التوجيه والتدبير ، وتتجه إليه بالطاعة والاستسلام .

الله . . هو وحده الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما . . فهو الحقيق سبحانه بهذا الوصف العظيم . .الله خالق كل شيء..

- جمع وتنسيق:متعب الحارثي.