هل الشريعة الإسلامية غير صالحة لزماننا الحاضر


شبهة الشريعة الإسلامية غير صالحة لزماننا الحاضر

هناك من يقول: الشريعة الإسلامية غير صالحة لزمان مختلف عن زمان نزولها .

وهذه شبهة يتبناها دعاة العلمانية واللبرالية في بلاد المسلمين، ولبيان زيف هذه الشبهة يمكن الإشارة إلى الأساس الذي بنيت عليه هذه الشبهة:

وهو النظر إلى الإسلام باعتباره ديناً كهنوتياً كنسياً يحارب العلم والتقدم والاختراع والإبداع في الميادين التجريبية الكونية ، وهذا قياس مع الفارق – كما يُعَبِّر علماء الأصول – فشتان بين الإسلام الذي حث على العلم ،ورغب فيه ، وفتح للعقل ميدانه الذي يبدع فيه ، وأخرج للبشرية أفضل حضارة عرفها التأريخ ، وبَين الدين المسيحي الَّذي حُرف فحجر على العقل ، وحرّم النّظر في العلوم الكونيّة والتجريبية إلاَّ بمنظار البابوات ورجال الدِّين ، والذي وقف سداً منيعاً أمام العلم وفي وجه العلماء ([1])، وأُعدم في هذا السبيل كثير من أنصار العلم في أوربا قبل الثورة الصناعية التي انقلبت أوربا بعدها على الكنيسة ورجال الدين ؛الَّذين جُرِّدوا من كثير من المراكز التي كانوا يتربعون عليها .
 
إن الشريعة الإسلامية شريعة ربانية ثابتة في أصولها ومحكماتها وكلياتها ، جاءت بحفظ الضرورات الخمس التي قال عنها الإمام الشاطبي – رحمه الله - : ( قد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضرورات الخمس وهي : الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال ، والعقل ، وَعِلْمُها عند الأمة كالضروري ، ولم يثبت لنا بدليل معين ، ولا شهد لنا أصل مُعَيَّن يمتاز برجوعها إليه بل عُلمت ملاءمتها للشريعة بمجموعة أدلة لا تنحصر في باب واحد ... ) ([2])
 
وهذه الضرورات الخمس نص القرآن الكريم على أدلتها جملة وتفصيلاً ، قال تعالى : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} [الأنعام: 151، 152، 153]؛ قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - صاحب كتاب أضواء البيان في تفسير قول الله تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]:
 
" ... وبالجملة: فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاث:
 
الأولى: درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.

والثانية: جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات.

والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتميمات. وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعد لها.
 
فالضروريات التي هي درء المفاسد؛ إنما هي درؤها عن ستة أشياء:
 
الأوَّل ـ الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعد لها. كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] ، وفي سورة الأنفال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، وقال تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"([3]) الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"([4]) إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين.
 
والثاني ـ النفس، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها. ولذلك أوجب القصاص درءاً للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة: 179] ، وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، وقال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } [الإسراء: 33].
 
الثالث ـ العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 90، 91] ، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام" ، وقال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" كما قدمنا ذلك مستوفى «في سورة النحل» وللمحافظة على العقل أوجب صلى الله عليه وسلم حد الشارب درءاً للمفسدة عن العقل.
 
الرابع ـ النسب، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها. ولذلك حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت. لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب. قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، ونحو ذلك من الآيات، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم. وقال تعالى في إيجاب العدة حفظاً للأنساب: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، وقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [2/234]، وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين.
ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره. فمنع نكاح الحامل حتى تضع، قال تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
 
الخامس ـ العِرْض، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها. فنهى المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، وأوجب عليه إن رماه بفرية حد القذف ثمانين جلدة. قال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12] ، وقبح جلَّ وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح. بقوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } [الحجرات: 12] ، وقال: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] ، وقال في إيجاب حد القاذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4، 5].
 
السادس ـ المال، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها. ولذلك منع أخذه بغير حق شرعي، وأوجب على السارق حد السرقة وهو قطع اليد كما تقدم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] ، وقال: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ } [المائدة: 38] ، وكل ذلك محافظة على المال ودرء للمفسدة عنه" ([5]).
 
فالمقصود الأهم لفت أنظار المخالفين إلى أثر هذه المحكمات – الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل – في حفظ المجتمع المسلم ؛وتماسكه في ظل الشريعة الإلهية لا نِتَاجُ العقول الشرقية أو الغربية، فلا يوجد مجتمع على متن الأرض كلها يستطيع توفير هذه الكليات الخمس مهما بلغ في التقدم والرقي إلاّ في ظل الإسلام وشريعته ، وهذا التأريخ القديم والحديث شاهد على هذه الحقيقة التي قد يخفيها البعض أو يتغافل عنها .
 
ونقول للذين يطلبون الحق وينشدونه انظروا وتأملوا ، وكرروا النظر والتأمل ؛ في واقع المجتمعات الإسلامية من المحيط إلى المحيط وبخاصَّة في القرنين الأخيرين
 
– الرابع والخامس عشر الهجري– وقد جَرَّب الناس أنظمة شرقية وغربية ، اشتراكية ماركسية ، ورأسمالية غربية ، وانقلابات ونظم اقتصادية عديدة ، هل حققت الأمن والرخاء والرفاهية للشعوب الإسلامية وهل حققت للأمة تقدماً في ميدان من ميادين الحياة والكون ؟
وهل غيرت من واقع المسلمين فدفعت بهم نحو القيادة والريادة العالمية التي أُخرجت الأمة لها ؟
ونقول – أيضاً – لخصوم الشريعة الإسلامية خاصة في البلاد الإسلامية: لماذا تقفون في وجه دعاة الإسلام ، والراغبين من الشعوب في تطبيق الشريعة ، دعوهم وما اختاروا لأنفسهم استجابة لنداء ربهم – جل وعلا – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208]، ولماذا تصرون على اتباع خطوات الشيطان وتجرون آخرين لهذا السبيل ، و تتنكبون صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ؟
 
ألا يحسن بكم أن تعودوا لحياض الشريعة ، وتعاليم النُّبوَّة ، وقيم الإسلام الخالدة ، تحت راية الكتاب المبين ، والسنة الغرَّاء .
 
وفي الحقيقة ليس هناك إلاّ حكمين ؛ إمَّا حكم الجاهلية ، أو الإسلام ، حكم الله – تعالى – أو حكم الطاغوت ، شريعة الله المنزلة ، أو الهوى والشيطان { أَفحُكمَ الجَاهلية يبغُون ومن أحسنُ من الله حُكماً لِقَوْمٍ يُقِنون } [ المائدة : 50 ] .

 





ترجمة المقال