كتب النصارى تشهد بأن المسيح رسول الله


عند قراءة العديد من النصوص في الكتاب المقدس لدى النصارى والتي يحتجون بها على أن المسيح ابن الله ، لا نجد ما يدل على أن المسيح إله ، أو ابن الله !!
 
والذي يدفع لهذا القول ما يلي :
 
أولاً : عند قراءة بعض نسخ الإنجيل..نجد كلمة تتكرر على لسان عيسى ( عليه السلام ) وهي : ( أبي )، ( الأب)،( والدي) ..
فإن قلتم إنه يثبت للمسيح بأقواله هذه أنه ابن الله.
 
فالجواب:
إن كان الإنجيل أنزل على هذه الألفاظ لم يبدل ، فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ( المنعم عليه) ابنا، وقد سماكم الله جميعا بنيه، وأنتم لستم في مثل حاله. ومن ذلك: أن الله قال لإسرائيل في سفر الخروج ( 4/22) : " فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: اسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ" .
وسمى الحواريين أبناء الله، فقد جاء في متى ( 5/ 45) : " لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ..." .
ونجد ذلك أيضاً في إنجيل يوحنا (20/17) : " قَالَ لَهَا يَسُوعُ: « لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُم " .
وتأمل قول المسيح عليه السلام : " وإلهي وإلهكم ".
ونجد في إنجيل يوحنا (8/38) : " أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ" .
فإن زعمتم أن المسيح إنما استحق الإلهية بأن الله سماه ابنا؛ فنلتزم ذلك ، ونشهد بالإلهية لكل من سماه ابنا، وإلا فما الفرق؟!
 
ثانياً : أما ما جاء في إنجيل يوحنا ( 14/ 9): " قال له يسوع انا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس.الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول انت أرنا الآب " .
معنى قوله أنا وأبي واحد:
إنما يريد به أن قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله، كما يقول رسول الرجل أنا ومن أرسلني واحد، ويقول الوكيل أنا ومن وكلني واحد؛ لأنه يقوم فيما يؤديه مقامه، ويؤدي عنه ما أرسله به، ويتكلم بحجته ويطالب له بحقوقه، وكذلك قوله ، "من رآني فقد رأى أبي" يريد بذلك أن من رأى هذه الأفعال التي أظهرها فقد رأى أفعال أبي . فإنه يثبت أن الوحدة هنا لا تفيد أن صاحبها هو الله تعالى نفسه ـ تعالى الله عن ذلك ـ و إنما هي وحدة مجازية . و
بيان ذلك بما يلي :
هذا التعبير الذي أطلقه المسيح ( عليه السلام ) على نفسه ، بأنه و الآب واحد، أطلقه بعينه تماما على الحواريين عندما قال في نفس إنجيل يوحنا (17/ 20 ـ 23): ( و لست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذي يؤمنون بي بكلامهم ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب فـيَّ و أنا فيك ، ليؤمن العالم أنك أرسلتني ، و أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ، ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد . أنا فيهم و أنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد ) .
إذن فالوحدة هنا ليس المقصود منها معناها الحرفي ، أي الانطباق الذاتي الحقيقي الذي يكون فيه حالة امتزاج، و إنما هي وحدة مجازية أي الاتحاد بالهدف و الغرض و الإرادة، و هذا ظاهر جدا من قوله : ( ليكونوا هم أيضا واحدا فينا )، و قوله : ( ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد، أنا فيهم و أنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد ). و يدل على صحة ذلك: أن إنسانا لو كان له صديق موافق لغرضه و مراده بحيث يكون محباً لما يحبه و مبغضاً لما يبغضه كارهاً لما يكرهه، جاز أن يقال : أنا و صديقي واحد.
 
ثالثاً: لو كان المسيح ( عليه السلام ) كما يقولون إلها لأفصح عن نفسه بأنه إله كما أفصح بأنه عبد، ولكنه ما ذكره ولا ادعاه، ولا دعا إليه، ولا ادعته له كتب الأنبياء قبله، ولا كتب تلامذته ولا حكي عنهم، ولا أوجبه كلام جبريل الذي أداه إلى مريم، ولا قول يحيى بن زكريا. و
يدل على صحة ذلك ما يأتي : نجد في إنجيل يوحنا( 8/ 28) :فقال لهم يسوع:
(( متى رفعتم ابن الإنسان عرفتم أني أنا هو وأني لا أعمل شيئا من عندي بل أقول ما علمني الآب)).
فاعترف بأنه لا يعمل شيئا من عند نفسه ، ولا يقول إلا ما علمه الله ، وهذا دليل على أنه بشر مخلوق يعلمه الله لأنه نبي مرسل من الله .
نجد أن المسيح ( عليه السلام ) قال لتلامذته، كما في إنجيل مرقس ( 9/37):
(( من قبل واحدا من اولاد مثل هذا باسمي يقبلني ومن قبلني فليس يقبلني انا بل الذي ارسلني )).
فبين ها هنا أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه. وقال متى التلميذ في إنجيله يستشهد على المسيح بنبوة إشعيا عن الله عز و جل، كما في إشعياء ( 42/1): (( هوذا عبدي الذي اعضده مختاري الذي سرّت به نفسي.وضعت روحي عليه فيخرج الحق للامم)) . فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول ، فقد أوضح الله أمره وسماه عبدا، وأعلم أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح.
وقال شمعون الصفا رئيس الحواريين في الفصل الثاني من قصصهم في سفر اعمال الرسل( 2/22):
((ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال.يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون)) فأي شهادة أبين وأوضح من هذا القول، وهو أوثق التلاميذ عندكم، يخبر كما ترون أن المسيح رجل، وأنه من عند الله، وأن الآيات التي ظهرت منه بأمر الله أجراها على يديه.
وقال داود في المزمور الثاني في زبوره مخاطبا لله ومثنيا على المسيح، كما في مزامير ( 8/4-5):
(( فمن هو الانسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده.5 وتنقصه قليلا عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله)) .
وقال في المزمور الثاني ، كما في المزامير (2/7-8):
(( اني اخبر من جهة قضاء الرب.قال لي انت ابني.انا اليوم ولدتك 8 اسألني فاعطيك الامم ميراثا لك واقاصي الارض ملكا لك)). فقوله ولدتك دليل على أنه حديث غير قديم، وكل حادث فهو مخلوق، ثم أكد ذلك بقوله "اليوم" فحد باليوم حدا لولادته أزال به الشك في أنه ما كان قبل اليوم، ودل بقوله "سلني فأعطيك" على أنه محتاج إلى المسألة غير مستغن عن العطية.

رابعاً :لو كان المسيح ابن الله، أو هو اله ؛ فلماذا يسميه تلاميذه ( معلم )؟ ولماذا ينادونه بذلك ؟ ولماذا يقبل عيسى ( عليه السلام ) بذلك ؟
انظر إلى تلاميذ عيسى ( عليه السلام ) ، وكيف كانوا ينادونه ، نجد ذلك في إنجيل يوحنا ( 4/31): (( وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ سَأَلَهُ تلاَمِيذُهُ: «يَا مُعَلِّمُ كُلْ» )).
ونجد في إنجيل متى ( 22/ 16): ((16 فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلاَمِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ )).
ونجد في إنجيل يوحنا (3/2) : (( .. جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللَّهِ مُعَلِّماً لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ)) .
ونجد في إنجيل متى ( 9/ 11-13) : (( فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه لماذا ياكل معلمكم مع العشارين والخطاة .فلما سمع يسوع قال لهم : لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى. 13 فاذهبوا وتعلّموا ما هو.اني اريد رحمة لا ذبيحة.لاني لم آت لادعو ابرارا بل خطاة الى التوبة )). وتأمل في النص قال لهم في آخره: " لاني لم آت لادعو ابرارا بل خطاة الى التوبة " ومعناه : أنه أتى ليدعوا الذين يخطئون إلى التوبة ، ولم يقل أنه سيذبح من أجلهم !
 
 وأختمها بخاتمتين: 
 الخاتمة الأولى: إن تساءل إنسان فقال: وما الهدف من هذا كله؟ فليكن عيسى ابن الله ! وليكن عيسى إلها ! فما الضرر؟ وأين المشكلة؟
فالجواب:
إن أعظم ما يغضب الله ويعاقب عليه أشد العقوبة هو أن تجعل له شريكا ؛ لأن هذا الشريك ناقص من كل وجه ، والله كامل من كل وجه ، فأعظم الظلم والافتراء أن تساوي بينهما.

الخاتمة الثانية: إنني مسلم .. أؤمن أن عيسى ( عليه السلام ) نبي كريم .. من أفضل الرسل .. جعل الله خلقه من غير أب آية تدل على قدرته سبحانه ، كما خلق آدم من غير أب ، ومن غير أم . كما أنني أؤمن : أن الله أرسله ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده ، ولا يشركوا به شيئا ، وقد قام المسيح عيسى( عليه السلام ) بأداء هذه العبادة كما أمره ربه ؛ فقد جاء في إنجيل لوقا ( 6/12) : (( .. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ لِلَّهِ)).

إني أحب الخير لكل المسيحيين في العالم.... لذلك أتمنى منكم أن تقرؤوا هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم بتدبر:

قال الله في القرآن الكريم :

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ  
فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ
إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وكِيلاً )
(سورة النساء ، آية رقم : 171 ) .
 إعداد : متعب الحارثي .





ترجمة المقال