القرآن كلام الله تعالى


يؤمن المسلمون بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى ، ويشعرون بأنهم مقصرون – رغم جهودهم الكبيرة والمتواصلة - في وصف القرآن الوصف الكامل له ؛ وذلك لما يجدون له من أثر بالغ في حياتهم ، وهم يرون أن في القران سمة الصلاحية لكل زمان ومكان.
فما الذي جعل المسلمين يعتقدون أن القرآن كلام الله ؟
إنهم يؤمنون بأن القرآن هو معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - العظيمة الخالدة ؛ فمحمد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، فكيف يأتي بكتاب بهذه العظمة ، وهذا الإعجاز ؟!

إن القارئ للقرآن لينبهر بتنوع موضوعاته :

من حسن عرضه للقصص مع اختلافها ، وجمال وصفه للكون بسماواته وما يجري فيها من أفلاك ، وأرضه وما يدب على ظهرها من مخلوقات ، وما يعيش في أعماق بحرها ، وما يطير في جوها !
وينبهر لدقة وصفه لجسم الإنسان ، ومراحل نموه وحياته كلها !
ويعجب لدقة وصفه النفس البشرية ،و .... ،و....

إنها أوجه متعددة للإعجاز يتميز بها القرآن ..

فهل يمكن لرجل من العرب مهما كان ذكاؤه ، ومهما كانت بلاغته ، ومهما كانت قدراته أن يأتي بهذا القرآن ؟!

هل يمكن لرجل من العرب يعيش في بيئة صحراوية ، يرعى الغنم بين جبالها ، وكان مقيما بمكة لم يخرج من بين ظهرانيهم ، ولم يسافر قط إلا سفرتين إلى الشام : خرج مرة مع عمه أبي طالب قبل الاحتلام ، ولم يكن يفارقه ، ومرة أخرى مع ميسرة في تجارته ، وكان ابن بضع وعشرين سنة ، مع رفقة كانوا يعرفون جميع أحواله ، ولم يجتمع قط بعالم أخذ عنه شيئا لا من علماء اليهود ولا النصارى ولا من غيرهم ، لا بحيرى ولا غيره ، ولكن كان بحيرى الراهب لما رآه عرفه ، لما كان عنده من ذكره ونعته ، فأخبر أهله بذلك ، وأمرهم بحفظه من اليهود ، ولم يتعلم لا من بحيرى ، ولا من غيره كلمة واحدة ، وقد دافع الله تعالى عن نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – في كتابه رداً على من يزعم تعليم البشر له بقوله :
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }[ سورة النحل الآية :103].
ففي الآية تكذيب لهم ، لأن لسان الذي نسبوا إليه تعليم النبي – صلى الله عليه وسلم- أعجمي لا يفصح ، والقرآن عربي غاية في الوضوح والبيان (1 ).

فكيف بمن كان هذا تاريخه ..أن يأتي بكتاب معجز كالقرآن من عند نفسه ؟!
إنه لو كان من عند محمد لكان موضوعه حياة المجتمع العربي ( القرية ، والبادية ) ، وما استوعبه اهتمام الرجل العربي في ذلك الزمان !
الشاة والبعير والفرس ، والقبائل العربية وما يهمها من مشاكل قلة المياه والأمطار ، وغيرها من قضايا الإنسان الاقتصادية والسياسية في تلك الحقبة التاريخية !

لكن القارئ للقرآن يجد غير ذلك !

يجد كتاباً معجزاً في فصاحته وبيانه ، ومعجزاً في شموله لكل جوانب الحياة ، فهو يهدي للتي أقوم في حياة الفرد الخاصة والعامة ، وهو مليء بالتوجيهات الأسرية والاجتماعية ، ومليء بالتنظيمات السياسية والاقتصادية ، ومليء بالعلوم الطبيعية والطبية والفلكية ، ومليء بالعلوم التاريخية والجغرافية ، و....و....و...

وهو مع هذا كله يعرضها في صورة رائعة البيان والبلاغة ، وفي سرد سلس سهل غير ممل مهما قرئ !
وفي إطار تشريعي فريد يتناسب مع كل ظروف الإنسان المكانية والزمانية ، ويتلاءم مع التغيرات في حياته وتطورها!

كل هذا وهو سالم من التعارض والاختلاف ، يصدق بعضه بعضاً !

والأعجب أن هذه المميزات والخصائص صاحبت القرآن طوال فترة رسالة محمد ( ثلاثة وعشرين عاما ) ، والتي تعد من أوجه إعجاز القرآن ؛ والذي كان يتنزل حسب ما يستجد من أحداث في حياة الناس ، فلو كان من عند محمد – صلى الله عليه وسلم - لجاء بكتاب واحد يتلوه عليهم في كل وقت ، وهذا خلاف ما كان عليه شأن القرآن ، الذي استغرق نزوله ثلاثة وعشرين عاماً.

وزاد الأمر إعجازاً ؛ ما جاء في القرآن من تحدٍ لقريش ومعها العرب ؛ بل وللناس جميعاً في أي زمان أن يأتوا بمثل القرآن أو بعض ما فيه !
فهذا التاريخ عبر( 14 ) قرناً من الزمان لم يأت أحد ولو بآية تشبه ما في القرآن ، فما زال التحدي قائماً لكل الناس، ولن يأتي بها إلى قيام الساعة.
قال الله في القرآن :
{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }الإسراء88.

إن حب القرآن والإيمان به ، والتأثر به لم يكن قاصراً على الفترة التي عاش فيها محمد ، بل استمر بعد موته وأصبح الناس يقبلون القرآن ويؤمنون به من كل الأمم ، حتى من غير الأمة العربية فالمسلمون اليوم منهم أكثر من العرب !

فهل يعقل أن كتاباً من عند بشر ينال هذا القبول الواسع والمستمر من سائر الأمم ؟!

إن الدلائل والبراهين لتثبت أن القرآن هو كلام الله تعالى ، وليس من عند محمد ، وإليك مزيداً من تلك الدلائل :

1- لو كان القرآن من عند محمد فكيف يأتي بآيات فيها التهديد والوعيد له إن كذب في شيء من القرآن ،
قال الله في القرآن : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين } سورة الحاقة ، من الآية 44-47 .
{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ }الرعد37.
فلو كان من عند محمد ؛ أكان سيترك مثل هذه الآيات في القرآن ؟!
وتأمل هذا الوعيد الشديد ،
قال الله في القرآن :{وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً .إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً }الإسراء من الآية 73- 75.
فلو كان من عنده ؛أكان سيترك مثل هذه الآيات في القرآن ؟!
- بل جاءت الآيات محذرة لمحمد – صلى الله عليه وسلم - من التقصير في إبلاغ الناس ،
قال الله في القرآن : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }المائدة67.
أرأيتم لو كان من عند محمد ؛ أكان سيترك مثل هذه الآية في القرآن ؟!
- ولو كان من عند محمد فكيف يترك الآيات التي فيها عتاب له ،
قال الله في القرآن : { عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى .أو يذكر فتنفعه الذكرى .}سورة عبس ، من الآية 1-4.

- وجاء في القرآن الخبر بما يخفي محمد في نفسه ، في قصة زواجه من زينب بنت جحش ،
قال الله في القرآن : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً }الأحزاب37.

- أما الحديث عن قوة القرآن في تحديد مهام النبي ، وأهمية الدين الذي أرسل ليبلغه ، وتأكيد بشريته ، وأنه لا يملك للخلق نفعا ولا ضرا ، وأنه لا يريد من دعوته حظا من متاع الدنيا ، أو مكانة بين الناس، أو ملكاُ وجاهاً!لهو من أعظم الدلائل أن القرآن ليس من عند محمد بل هو كلام الله المنزل عليه ؛ فتأمل معي :

1- خطاب القرآن له بأن يحدد مهمته للناس ، ويعرفهم ببشريته :
- {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }الأنعام50.
- {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف188.
- {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }الأعراف158.
- {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104.

2- أمر القرآن لمحمد باتباع ما يوحى إليه :
- {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ }يونس109.
- {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18.

3- أمره القرآن بالاستقامة على الدين الذي دعا الناس إليه :
- {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }هود112.
- {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }الشورى15.

4- تخويف القرآن له بعاقبة المعصية لأمر الله تعالى :
- {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ *قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }الأنعام14-15.

5- وجهه القرآن إلى ملازمة أتباعه المؤمنين والصبر على ذلك :
- {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28. 

- إن هذه الأوامر والتوجيهات التي تتكرر في القرآن لمحمد – صلى الله عليه وسلم - لمن أعظم البراهين على أنه كلام الله .
ومن البراهين العقلية على أن القرآن كلام الله ما أسفرت عنه الاكتشافات الحديثة:
" فالإنسان يتكلم عما هو معروف من المعتقدات والعلوم في عصره ، فيسرد ما وجده في زمنه سواء وقع كلامه في دائرة الشعور أو اللاشعور؛ ولذلك لا نجد كتابا مضى عليه حين من الدهر إلا وهو مملوء بالأغلاط والأخطاء من سائر نواحيه ، نظرا إلى الكشوف الجديدة في كل الميادين.. ولكن مسألة القرآن الكريم تختلف تمام الاختلاف عن هذه الكلية! 

فهو حق وصادق في كل ما قال كما كان في القرون الغابرة. ولم يطرأ على مقاله أي تغير رغم مضي قرون وعصور طويلة. وهذا في نفسه دليل على أنه كلام الله خالق كل شيء ، وهو يعلم سائر الحقائق في صورها النهائية والحقيقية ، ولا يخضع علمه ومعرفته لحواجز الزمان والمكان والأحوال.
ولو كان هذا الكلام صادرا عن بشر محدودي النظر والعلم لكان الزمان قد أبطله منذ عصور عديدة ، كما يحدث لكل كلام إنساني في مستقبله.
لقد كان هنالك أشياء كثيرة كان الأقدمون يعرفون عنها بعض المعارف الجزئية وكانت معرفتهم هذه ناقصة جدا بالنسبة إلى المعرفة التي أتيحت للإنسان اليوم ، بفضل الاختراعات الحديثة. 

لذلك كان من إعجاز القرآن أنه تكلم في لغة العلم قبل كشفه ؛ كما أنه استعمل كلمات وتعبيرات لم تستوحشها أذواق الأقدمين ولا معارفهم على حين أحاطت بكشوف العصر الحديث!

فمن الأمثلة على ذلك :

أ‌- قال الله في القرآن :{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا .. }الرعد2.
وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الإنسان في الماضي ؛فإنه كان يشاهد عالما كبيرا قائما بذاته في الفضاء مكونا من الشمس والقمر والنجوم ، ولكنه لم ير لها أية ساريات أو أعمدة ، والإنسان المعاصر يجد في هذه الآية تفسيرا لمشاهدته ، التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي ، بيد أن هنالك (عمدا غير مرئية) ؛ تتمثل في قانون (الجاذبية) وهي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء في أمكنتها المحددة.

ب- جاء في القرآن عن الشمس والنجوم: {.. وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }يس40 .
وكان الإنسان في العصر الغابر يشاهد أن النجوم تتحرك وتبتعد عن أمكنتها بعد وقت معين. ولذلك لم يكن هذا التعبير القرآني موضع دهشتهم واستغرابهم ، ولكن البحوث الحديثة قد خلعت على هذه التعبيرات ثوبا جديدا ؛ فليس هنالك تعبير أروع ولا أدق من (السباحة) لدوران الأجرام السماوية في الفضاء البسيط اللطيف!

ج- وجاء في القرآن الكريم عن الليل والنهار:{..يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ..}الأعراف54 . إن هذه الآية الكريمة تشرح للإنسان القديم سر مجيء الليل بعد النهار. ولكنها تحوي إشارة رائعة إلى دوران الأرض محوريا ، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجيء الليل والنهار طبقا لمعلوماتنا الحديثة.
فمن بين المشاهدات التي أدلى بها رجل الفضاء الروسي (جاجارين) بعد دورانه في الفضاء حول الأرض :
أنه شاهد (تعاقبا سريعا للظلام والنور على سطح الأرض بسب دورانها المحوري حول الشمس). وهناك بيانات كثيرة جدا من هذا القبيل في القرآن الكريم ". ( 2)

- ومن إعجاز القرآن ما جاء في قوله تعالى : {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ }القيامة4.

فلماذا خص (البنان) بالذكر؟ ماذا فيه؟ فيه بصمات الأصابع، هذه المعجزة الإلهية العجيبة، كم على ظهر الأرض من ناس؟! ومع ذلك ليس فيهم اثنان تتفق بصمة أحدهما وبصمة الآخر.

إنها ظاهرة عجيبة، لكنها عرفت من قريب، لم يكن يعرفها أحد على عهد محمد ولا في القرون العشرة التي تلت عهد محمد.

فلا بد إذن أن يكون محمد قد تلقاها من عند الله، ولا بد أن يكون القرآن كلام الله، وفي القرآن مئات من أمثال هذه الإشارة، لا نزال نجد كل يوم من يتنبه إلى واحدة منها، كلما درس القرآن دارس، بدت له من إعجازه جوانب لم يدركها الأولون، لأنه لا تفنى عجائبه ( 3).

وللتأكيد على ما ذكر في أول الموضوع : من أن المسلمين لم يحيطوا بكل أوجه إعجاز القرآن - بل عرفوا جزءا منها دلهم على أنه كلام الله تعالى - أنتقل معكم إلى براهين من نوع آخر :

1- ما كان يخبر به القرآن عن الغيب المستقبل ( أي الأمور التي تحدث في المستقبل )،وسأذكر شاهدين على ذلك :

أ- أخبر القرآن بأن أبا لهب – وهو عم النبي محمد – لن يؤمن ، وأنه سيموت على الكفر ، وكان هذا الرجل حياً عند نزولها وسمع الآيات التي نزلت فيه ومع هذا لم يؤمن ، ولم يدع أنه مؤمن ! ولو من أجل أن يطعن في صدق القرآن !! 

ب- أما الشاهد الآخر فهو إخباره بأن الروم بعد هزيمتهم من الفرس سيغلبون الفرس وينتصرون عليهم ، وكان أتباع محمد – صلى الله عليه وسلم – يراهنون المعارضين من أهل مكة على وقوع ذلك لإيمانهم بصدق نبوة محمد ، ثم وقع ما أخبر به القرآن من انتصار الروم على الفرس وظهر صدق القرآن (4 ).

2- ما كان يخبر به عن الأمم الماضية ، خاصة في الفترة الزمنية التي عاشها محمد – صلى الله عليه وسلم- في المدينة ؛فقد كانت مليئة بالتحديات التي أسفرت عن إعجاز القرآن وأنه من عند الله ، فقد كان اليهود يعيشون في المدينة وهم أهل كتاب ، فقد كان القرآن يرد على أهل الكتاب في بعض ما حرفوه ، مثل : دعواهم أن المسيح - عليه السلام - صلب ، وقول بعضهم إنه إله ، وقول بعضهم إنه ساحر ، وطعنهم على سليمان - عليه السلام - وقولهم إنه كان ساحراً.

وكان القرآن أيضاً يخبر عن قصص الأنبياء - عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام - واليهود يسمعون القرآن ، ويسمعون ما يقصه عن نبيهم موسى عليه السلام ، ومع ذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه كذب ما جاء به القرآن في ذلك ، أو عارضه ! ( 5)

3- ومن إعجاز القرآن اتساق معانيه ، وائتلاف أحكامه ، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق ، فإن ذلك لو كان من غير الله – تعالى - لاختلفت أحكامه ، وتناقضت معانيه ، وأبان بعضه عن فساد بعض،
قال تعالى :{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }[ سورة النساء الآية : 82] (6 ).

4- أن الله تكفل بحفظه ، وحمايته من التبديل والتحريف والتغيير، وهذا ما نجده اليوم ، فكل المسلمين لا يوجد عندهم إلا نسخة واحدة من القرآن ، فالتي يقرأها المسلم العربي هي نفسها النسخة التي يقرأها المسلم الهندي أو المسلم الصيني أو المسلم الأمريكي والأوربي ، أو المسلم الفارسي ، أو ...أو ... .

5- سهولة حفظه حتى ممن لا يتكلمون اللغة العربية !

- أيها الباحث عن الحقيقة :

لقد كان أثر القرآن في لفت انتباه العرب إليه عظيما ؛ وهم الذين اشتهروا بالبلاغة والبيان وليس كل كلام يستدعي انتباههم ، بل تعدا الأمر بهم مرحلة السماع إلى الإنصات لعباراته ! والسؤال عنها ، وتدارسها فيما بينهم !
كل ذلك كان يحدث في نفس الوقت الذي كانت المجابهة للنبي محمد ودعوته على أشدها ، وهذا يعطي ميزة جديدة لقوة القرآن وإعجازه !
وقصة الثلاثة من زعماء قريش خير دليل على ذلك ، وهم : أبو سفيان ابن حرب ، وأبو جهل ابن هشام ، والأخنس بن شريق .
وتبدأ أحداث هذه القصة بأن كل واحد منهم وجد جاذبية للقرآن في نفسه فرغب في استماعه ، ثم خرج متخفياً تحت ستر ظلام الليل كي لا يراه أحد - فكل واحد منهم قد تزعم المعارضة لمحمد ودعوته !
فكيف سيكون حاله أمام الناس إذا عرف أنه يستمع للقرآن ؟!
ثم اتجه كل واحد منهم نحو بيت محمد ليستمع قراءته للقرآن وهو يصلي ، فجلس كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل واحدِ منهم لا يعلم بما يفعله الآخران ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا اقترب الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق ! وعرف كل منهم بما فعله صاحباه !
فلام بعضهم بعضاً ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ؛ فلوا رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ، ثم انصرفوا .
فهل ياترى وقف الأمر عند هذا الحد ؟
لقد كان تأثير القرآن قوياً لدرجة أن الأمر نفسه تكرر منهم في الليلة التي تليها ، وكل واحدٍ منهم يظن أن لا أحد معه ، ثم يلتقون مرة أخرى في الطريق بعد سماعهم للقرآن !
ويتعاتبون فيما بينهم ، ويعقدون العزم على عدم العودة ، ثم تغلب قوة القرآن ما توصوا به!
ويتكرر الأمر مرة ثالثة !!
وبعدها رأوا أنه لابد من أن يعاهد بعضهم بعضاً بعدم العودة إلى ذلك فتفرقوا.
فلولم يكن القرآن معجزاً لما بهر خصومه ليتخذوا شتى السبل لسماعه !
ولم يقف الأمر إلى هذا الحد بل أخذ الأخنس بن شريق يسأل صاحبيه عن رأيهما فيما سمعه من محمد ؟
فقال أبو جهل : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف – يقصد قبيلة محمد - من قبائل قريش – الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ،حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ؛ فمتى ندرك مثل هذه ؟
والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه !!.
ولما بدأ عدد المسلمين يزداد ، قام أحد أبرز المعارضين لدعوة الإسلام و بطلب من زعماء قريش بمحاولة للتأثير على محمد وإقناعه بترك دعوته على أن يعطوه ما يشاء من مال أو ملك أو نساء ، فقام رجل من سادة قريش يقال له عتبة بن ربيعة ، وقدم تلك العروض المغرية لمحمد !
فقال له محمد : أفرغت يا أبا الوليد ؟
قال : نعم .
فقال له محمد : فاسمع مني . فأخذ يتلو عليه من آيات القرآن ، فما كان من عتبة إلا أن أنصت له ووضع يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ، حتى فرغ !
وقال له : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك .
فقام عتبة إلى أصحابه ، فلما رأوه قالوا : لقد جاءكم عتبة بغير الوجه الذي ذهب به !!
فقد كان أثر القرآن فيه عجيبا ، يظهر ذلك في جوابه لهم عندما سألوه : ما وراءك ؟
قال : ورائي أني قد سمعت قولاً ( يعني القرآن ) ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ماهو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأعظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ؛ فقالوا : سحرك والله يا عتبة بلسانه !
فقال عتبة : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم (7 ).

وأكتفي بهذين الشاهدين على قوة أثر القرآن كدليل على إعجازه وأنه من عند الله .

فالقرآن آية بينة معجزة من وجوه متعددة كما عرضنا بعضها : وهو معجز من جهة اللفظ ،ومن جهة النظم ، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى ، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله -تعالى -وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك ، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل ، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية ، التي هي الأمثال المضروبة كما قال تعالى : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً }[سورةالإسراء الآية: 89 ] (8 ).

إن إعجاز القرآن الحقيقي بما جاء به من شريعة كاملة ، تكفل الحياة السعيدة التي ينشدها كل إنسان يعيش على هذه الأرض ، وهذا ما يفسر قبول الناس له وحبهم له ، وإيمانهم بأنه من عند الله الذي يعلم وحده ما يصلح حال الناس في كل زمان ومكان ، فقد جاء القرآن بشريعة تميزت بما يحلم به كل إنسان ،
ولعل هذه الخصائص والمميزات تفسر سبب دخول الناس في دين الإسلام ، وإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم – نبياً ورسولا، وإيمانهم بأن القرآن كلام الله أنزله على محمد ، فقد كان المسلمون من العرب وغيرهم أكثر بعد موته ، وهم في تزايد مستمر ،وذلك لما رأوا من عدل ورحمة ويسر الشريعة التي جاء بها ، ولما وجدوا من حسن أثر القرآن في حياة المؤمنين به ( 9).

والأعظم من ذلك كله ، والذي نزل القرآن من أجله ،
هو
هداية الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لاشريك له ،
الخالق ، المالك ، المدبر
ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ،
قال الله في القرآن العظيم :

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ
وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً }
[ سورة النساء الآية: 170 ].
وقال تعالى :

{وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ } سورة النمل92.