المناظرة الكبرى بين الشيخ رحمة الله و القِسِّيس فندر


بسم الله الرحمن الرحيم

جرت بين

الشيخ رحمة الله الهندي والقِسِّيس فندر الإنكليزي

في عام 1270هـ  ، الموافق 1854م

 

   كانت وقائع هذه المناظرة الكبرى في الفترة الزمنية التي كانت الهند تحت الاحتلال الإنجليزي، حيث أخذ نشاط علماء النصارى ودعاة التنصير يزداد بمرور أربعين عاماً على الاحتلال الإنجليزي ؛ فأخذوا يكتبون الرسائل ، ويؤلفون الكتب ، ويلقون الكلمات والمحاضرات في الأماكن العامة وحيث يجتمع الناس .

وكان كتاب ( ميزان الحق ) الذي ألفه القسيس فندر أبرز الكتب التي اعتنى  بها المنصِّرون طباعةً ونشراً وترجمة؛ فقد طبع سنة 1833م بالإنجليزية، وترجم سنة 1849م إلى اللغة الفارسية، وترجم إلى الأردية سنة 1850م ، وترجم فيما بعد إلى التركية والعربية .

وسبب عناية  و احتفاء المنصِّرين و القُسُس بهذا الكتاب شموله جميع الشبه و الافتراءات على دين الإسلام ، كما أنه يعد جامع لأوجه الرد و الدفاع عن العقائد النصرانية ؛ فأصبح هذا الكتاب المرجع الرئيسي للكتاب الذين يطعنون في الإسلام .

وقد تصدى علماء المسلمين في الهند لمواجهة التنصير آنذاك ؛ فكان من تلك الجهود الرد على كتاب " ميزان الحق " وتفنيد شبهه ، و كشف افتراءاته ، حيث ألفت عدة كتب منها : ميزان الميزان ، و الاستفسار ، و لسان الصدق ، و أدلة اليقين ، و رد الشيخ رحمة الله بثلاثة كتب بلغات مختلفة هي: إزالة الأوهام ، و معدِّل اعوجاج الميزان ، و إظهار الحق .

ونتيجة لهذه الردود قام فندر بإخراج نسخة جديدة منقحة ، غيَّر فيها أشياء كثيرة زيادة ونقصاً وتبديلاً، ثم أخذ الكتاب يصدر في الأزمنة اللاحقة بنسخٍ يتضح فيها الحذف والإضافة والتغيير والتبديل .

لذلك كله طلب الشيخ رحمة الله الهندي مناظرة عامة أمام الناس مع كبير الحملة التنصيرية في الهند القسيس فندر ، و جرت المناظرة في مدينة أكبر آباد بالهند ، في شهر رجب سنة 1270هـ ، الموافق نيسان/ إبريل 1854م .

 

  1. أطراف المناظرة : 

أولاً: الشيخ رحمة الله ابن خليل الرحمن الكَيرانوي العثماني ، ينتهي نسبه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان وصول أسرته إلى الهند في عهد السلطان محمود الغزنوي الذي عين جده الرابع عبدالرحمن السَّرخسي قاضياً للعسكر . نشأ رحمة الله في أسرة واسعة الثراء والجاه ، حفظ القرآن الكريم في الثانية عشر من عمره وأتقن اللغة الفارسية ، قرأ الكتب الإسلامية واللغة العربية على يد آبائه ، وتتلمذ في مدينة العلم والحضارة لكهنؤ على يد المفتي سعد الله المراد آبادي ، ودرس الأدب الفارسي و الطب و علوم الرياضيات والهندسة . تصدَّر مجالس العلم والتدريس و الإفتاء نتيجة نبوغه وتفوقه في العلوم الشرعية . كان لازدياد النفوذ التنصيري في الهند أثره في توجهه للتأليف والرد على المنصّرين . وكان لدور علماء الهند الجهادي في إشعال الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي أثره في سعي الإنجليز لاعتقاله ؛ لكنه نجا بأعجوبة و خرج خفية وسافر بحراً إلى اليمن ، ومنها براً إلى مكة سنة 1278هـ ، الموافق 1862م ، ولما عرفه الناس وخاصة الشيخ أحمد بن زيني دحلان صار له دوره العلمي في مكة، وطلب منه دحلان التأليف . ولما علم السلطان العثماني عبد العزيز بخبره و خبر المناظرة دعاه إلى إستانبول و أكرمه وطلب منه التأليف عن المناظرة ؛ فألف كتاب " إظهار الحق " . وعاش بقية حياته بمكة التي توفي بها عام 1308هـ، الموافق 1890م.

 

أما مساعد الشيخ رحمة الله وشريكه في مناظرته فهو الحكيم محمد وزير خان الأكبر آبادي ، الذي درس الطب في لندن ، وتخرج عام 1832م، وكان يتقن الإنجليزية و اليونانية، واطلع على المسيحية في مصادرها الأصلية ، وأحضر معه مكتبة زاخرة عن النصرانية بلغاتها الأصلية . كان له دوره العلمي الدعوي في الهند ، هاجر إلى مكة ، وتوفي بالمدينة المنورة ، ودفن بالبقيع .

 

الطرف الثاني : القِسِّيس فندر Pfander :

 

كان مستشرقاً أمريكياً كاثوليكياً ، تحول إلى البروتستانتية رغبةً في استيطان إنكلترة ، و طمعاً في رئاسة المنصرين في الهند كما بين ذلك صديقه القسيس فرنج French ، وكان يعده المنصِّرون ثالث أخطر منصِّر يدخل الهند .

 

فقد سبقه القس اليسوعي جيروه كزافييه  Jerome Xavier ، المتوفى سنة 1026هـ ، الموافق 1617م .

ثم جاء المنصِّر هنري مارتين Henry Martin ، الذي ترجم الإنجيل إلى الفارسية والأردية .

 

أثار فندر بكتابه " ميزان الحق " والذي ألفه عام 1248هـ ، الموافق 1833م ، أثار مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في دلهي ، و أكرا ، و لكهنؤ، وكان له إطلاع على اللغتين الفارسية والأردية . وكان له دوره في تزعم الحملة التنصيرية في الهند ؛ فكان يتنقل بين المدن الهندية يلقي المحاضرات ، ويقيم الندوات ، ويدرب المنصِّرين الذين كان من جهودهم إلقاء محاضرات باللغة الإنجليزية على المسلمين المتنورين .

 

أما كتابه " ميزان الحق " والذي يوهم عنوانه القارئ أنه قد وازن بين العقائد بأسلوبٍ علمي فوجد الصواب فيما دونه في هذا الكتاب . فقد أصبح مرجع الكتَّاب الذين يريدون الطعن في الإسلام . وأصبح أيضاً في نظر علماء الإسلام دليلاً على صحة دين الإسلام ، على عكس ما أراد فندر ؛ فأثبت تحريف التوراة و الإنجيل من حيث يريد إثبات سلامتهما ، وعمل على هدم دينه من أساسه من حيث يريد بناءه .

أما مساعد و شريك القسيس فندر في المناظرة فهو صديقه القسيس فرنج  French .

 

  1. التهيئة للمناظرة :

دارت عدة مكاتبات بين الطرفين الرئيسيين في المناظرة من أجل الإعداد لها وتحديد شروطها ؛ وأسفرت عن الاتفاقات التالية :

 

- مكان ، وموعد المناظرة .

- تحديد الزمن لجلساتها .

- تحديد محاور المناظرة ؛ فكانت خمسة محاور ، وهي أمهات المسائل بين المسلمين والمسيحيين ؛ فكان الاتفاق على ترتيب مباحثتها على النحو الآتي :

1-  النسخ  . 2-  التحريف  . 3-  التثليث  . 4-  نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  . 5-  حقيقة  القرآن الكريم .

 

يكون الشيخ رحمة الله معترضاً في المسائل الثلاث الأولى و القسيس فندر مجيباً ؛ أما في المسألتين الأخيرتين فالشيخ رحمة الله مجيباً و القسيس فندر معترضاً .

 

 

  1.  وقائع المناظرة الكبرى :

 

v الجلسة الأولى: في مبحث النسخ

 

انعقدت جلسة المباحثة الأولى في الحادي عشر من رجب سنة 1270 من الهجرة ، و العاشر من نيسان/ إبريل الإفرنجي سنة 1854 من الميلاد ، يوم الإثنين وقت الصبح في خان عبد المسيح .

 

وكان من حضور تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني [ رئيس الديوان ] أي: مشير الضبطية [ حاكم وزارة العدل ] ، وكرسجن سكرتير صدر بورد - مستشار النظارة المالية [وزارة المال] ، ووليم William حاكم المعسكر- أي حاكم قشله [ ثكنة، أو معسكر]،  وليدلي Laidly ، و القسيس وليم كلين William Clean ، والمفتي الحافظ رياض الدين ، والفاضل فيض أحمد سرتشته دار صدر بورد- أي باشكاتب النظارة المالية [ أمين سر وزارة المال ] ، والفاضل حضور أحمد ، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares ، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد ، و الكاتب خادم علي صاحب " مطلع الأخبار "،  و [ الصحفي ] الفاضل سراج الحق [ بن فيض أحمد ] ؛ وكان أناس آخرون غيرهم أيضا من المسلمين و المسيحيين و مجوس الهند ، زهاء خمسمئة أو ست مئة .

 

فقام القسيس فندر Pfander  أولا ،  وقال رافعاً صوته:

 

أيها الحاضرون! اعلموا أن هذه المباحثة تقررت باستدعاء الفاضل (يعني الفاضل رحمت الله )، و قبلتها باستدعائه ، و إن لم تكن عندي مفيدة إفادة يعتد بها ، وأردت أن أوضح دلائل حقيقة الدين المسيحي بين أيدي المسلمين ، وتكون هذه المباحثة في النسخ ، و التحريف ، و ألوهية المسيح و التثليث ، و نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، و حقيقة القرآن ، ويكون هذا العبد مجيباً في المسائل الأربع الأولى، ويكون الفاضل معترضاً، وفي المسألتين الأخيرتين يكون الفاضل مجيباً، وهذا العبد معترضا.

 

ثم جلس القِسِّيس .

 

فاعترض الشيخ رحمة الله الهندي على العبارتين من الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب " ميزان الحق "  العبارة الأولى في الصفحة 14 (من النسخة المطبوعة سنة 1850 في لسان أردو) هكذا :

 

" يَدَّعي القرآنُ و المفسِّرون في هذا الباب ( أي النسخ ) أنّه كما نُسِخَ التوراة بنزول الزَّبور ، و نُسِخَ الزبور بظهور الإنجيل ؛ فكذلك نُسِخَ الإنجيل بسببِ القرآن ". انتهت .

 

والعبارة الثانية في الصفحة 20 (من النسخة المذكورة) هكذا :

 

" لا أصلَ لادِّعاء الشخص المحمدي بأن الزبور ناسخٌ للتوراة ، و الإنجيلَ ناسخٌ لهما ". انتهت .

 

وقال: إنَّكم نَسبتُم هذه الدعوة إلى القرآن و المفسِّرين ، ولا يوجَد ذِكرها في موضعٍ من القرآن ولا في تفسير من التفاسير ، بل صرَّح خلافَه في التفسير "فتح العزيز" ( للمحدث عبد العزيز الدهلوي ) ذيل تفسير الآية الحادية والثمانين من سورة البقرة ؛ أعني ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ...) [ و الصواب أنها الآية السابعة والثمانون من سورة البقرة ]  الآية ؛ قَفَّينا موسى عليه السلام بالرسل، مثل: يوشع، و إلياس ، و اليسع ، و شموئيل ، و داود ، و سليمان ، و شعيباً ، وأرميا ، و يونس ، و عزير ، و حزقيل ، و زكريا ، و يحيى ، وغيرهم عليهم السلام ، وكانوا أربعة آلاف ، وكانوا كلُّهم على شريعة موسى عليه السلام ، وكان المقصود من إرسالهم إجراء أحكام تلك الشريعة التي كانت تَندَرِسُ بسبب تكاسل بني إسرائيل وتهاونهم، وتتغيَّر وتتبدل بسبب تحريفات العلماء السوء منهم. انتهى .

 

وفي "التفسير الحسيني" ذيل تفسير الآية 161 من سورة النساء (.. وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) [ والصواب: آية: 163 من سورة النساء ] ، أعطينا داودَ كتاباً اسمه زبور، وكان مشتملاً على الحمد والثناء ، وخالياً عن الأوامر ، و كان شريعة داود عليه السلام شريعة التوراة بعينها . انتهى.

 

وهكذا، في الكتب الأخرى الإسلامية .

 

قال القسيس: أتقولون: إن الإنجيلَ منسوخٌ ، أم لا ؟

 

قال الشيخ رحمة الله : نحن نعتقدُ نسخَه بالمعنى الذي سَيُذكَرُ ، لكن المطلوب منكم ههنا تصحيح النقل ، و إظهار أن ادِّعاءكم في الموضعين غلط ؛ ( فإن الزبور ليس بناسخ للتوراة ، ولا بمنسوخ من الإنجيل ) .

 

قال القسيس: سمعتُ من بعض الذين وقع اتفاقُ البحث معهم .

 

قال الشيخ رحمة الله : هذا بعيدٌ من إنصافِكم أن القول الذي تسمعونه من أحدٍ من المسلمين تنسِبونَه إلى القرآن و التفاسير ، وبالجملة، لا شك أنه ( أي: ادِّعاء كون الزبور ناسخاً للتوراة و منسوخاً من الإنجيل ) غلط .

 

قال القسيس: نعم !

 

قال الشيخ رحمة الله : هل اطَّلعتم على معنى النَّسخِ المصطلح عليه فيما بين أهل الإسلام ومحلّه أم لا ؟

 

قال القسيس: بيِّنوا !

 

قال الشيخ رحمة الله : هذا النسخ عندنا إنما يَرِدُ على الأوامِرِ و النواهي ؛ في التفسير" معالم التنزيل " [ للبغوي ]:" النَّسْخُ إنما يعترضُ على الأوامر و النواهي دون الأخبار"، ومحصّله أنه لا يعترضُ على القصص و الأخبار ، بل على الأوامر والنواهي فقط؛ فلا نعتقده في القصص و الأخبار ، وكذا ألا نعتقده في الأمور العقلية القطعية ، مثل: أن الله موجود ؛ ولا في الأمور الحسية ، مثل: ضوء النهار ، و ظلمة الليل ؛ وفي الأوامر والنواهي أيضا تفصيل ؛ لأنه لا بد أن تتعلق بحكم عمليّ يحتمل الوجود والعدم ؛ فالحكم الواجب مثل الإيمان بالله ، أو الممتنع مثل الشرك والكفر ؛ ليس بمحَلِّ النَّسخ .

والحكم العمليّ المحتَمَل للوجود والعدم قسمان:

مؤبَّدٌ ، مثل قوله تعالى: (.. وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ..) (النور : 4 )؛ فهو ليس بمحل النسخ أيضا.

وغير مؤبد ، وهذا أيضا قسمان:

مؤقت ، مثل قوله تعالى: (.. فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ..) (البقرة : 109 )، وهذا ليس بمحل النسخ قبل وقته المعين .

وغير مؤقت ، ويسمى الحكم المطلق ، وهو محل النسخ ؛ بمعنى أن الله كان يعلم أن هذا الحكم يكون باقيا على المكلفين إلى الوقت الفلاني، ثم ينسخ ؛ فإذا جاء الوقت أرسل حكماً آخر هو مخالف للحكم الأول، ظهر منه انتهاء الحكم الأول، ولما لم يكن الوقت مذكورا في الحكم الأول؛ فعند ورود الثاني يتخيل لقصور علمنا أنه تغيير للحكم الأول، لكنه في الحقيقة، وبالنسبة إلى الله بيان انتهائه .

ونظيره بلا تشبيه أن يأمر الأمير الخادم الذي يعلم حاله بخدمة من الخدم، ويكون عزمه أن يأخذ من هذا الخادم هذه الخدمة إلى سنة مثلا؛ فإذا مضت المدة عزله من هذه الخدمة؛ فهذا بحسب الظاهر عند الخادم تغيير، وأما في الحقيقة، وبالنسبة إلى الأمير، ليس بتغيير؛ أو نظيره أن حكام الوقت يأمرون في موسم الحر لأهل دِرْبار [ كلمة فارسية ، المقصود منها: المراجعون وأصحاب الأعمال ] أن يحضروا وقت الصبح ، ويكون قصدهم أن هذا الحكم يبقى إلى انتهاء الموسم، وإن لم يصرحوا في الظاهر؛ فإذا انقضى الموسم، وصدر عنهم حكم آخر خلافه؛ فهذا الحكم الثاني، ليس مغيرا للأول في الحقيقة، بل مبين لانتهائه؛ و النسخ المصطلح لأهل الإسلام عبارة عن بيان انتهاء مدةِ الحكم العمليّ الشرعي المحتمل للوجود والعدم المتخيل دوامه بحسب أوهامنا .

 

قال القسيس : أيُّ حكم من أحكام الإنجيل منسوخٌ عندكم بهذا المعنى؟

 

قال الشيخ رحمة الله : مثل حرمة الطلاق ونحوها .

 

قال القسيس : أليس الإنجيلُ كلُّه منسوخاً بهذا المعنى عندكم ؟

 

قال الشيخ رحمة الله : لا! لأنَّه وقع في الباب الثاني عشر من إنجيل مرقس Marc هكذا : ( اسمع يا إسرائيل : إنَّ الرَّب إلهَنا ربٌ واحدٌ ، وأنْ تُحبَّ الرَّبَ إلهك بقلبِك كلِّه ، و روحِك كله ، و إدراكِك كله ، و قِواك كلها ، هذا هو الحكم الأول ، و الثاني مثله ، وهو أَنْ تُحِبَّ جاركَ كنفسك وليس حكمٌ آخرٌ أكبرَ من هذَين ). ونحن لا نعتقد نسخ هذين الحكمين .

 

قال القسيس : لا يمكن نسخ الإنجيل قطعا ؛ لأن قول المسيح في الآية العدد 33 من الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا Luc هكذا :( السماءُ و الأرضُ تزولان و كلامي لا يزولُ ).

 

قال الحكيم محمد وزير خان : هذا القول ليس بعام ، بل خاصٌ بالخبر عن الحادثة التي أخبر عنها المسيح عليه السلام قبل تلك الآية ، و معناه : لو زالتِ السماءُ والأرضُ بالفَرَض ، لكن كلامي هذا لا يزولُ عن الحادثةِ التي أخبرتُ به عنها .

 

قال القسيس : إنّ هذا القول ليس بخاص بل عام .

قال الحكيم محمد وزير خان : انظروا إلى عبارة تفسر دوالي ورجرد مينيت George Doyly & Richard mant ذيل شرح الآية العدد 235 من الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى Matthieu، وهذه الآية العدد مطابقة لآية إنجيل لوقا Luc ، وترجمة تلك العبارة هكذا:

قال القسيس بيرس Pearce : " مرادُهُ : تقعُ الأمور التي أخبرتُ عنها يقينا ".

وقال دين استاين هوب Dean Stanhope : " إنَّ السماءَ و الأرضَ ، وإن كانتا غير قابلَتَين للتبدل بالنسبة إلى الأشياء الأُخَر ، لكنهما ليستا بِمُحْكَمتَين مثل إحكام إخباري بالأمور التي أخبرتُ عنها، فتلك كلها تزول ، و إخباري بالأمور التي أخبرت عنها لا يزول ، بل القول الذي قلتُه الآن لا يتجاوزُ شيءٌ منه عن مطلَبِه ". انتهت.

 

قال القسيس : عبارَتُهما لا تنافي دعوانا ؛ لأن هذين المفسِّرَين لا يقولان: إنَّ إخباري عن الحوادث الأنسية لا يزول و غيره يزول .

 

قال الحكيم : لا علاقة لتحرير هذا الأمر بالآية المذكورة ليصرِّح به المفسِّران .

قال القسيس: لا ! و قولُ المسيح عام .

 

قال الحكيم: أورَدنا لإثبات ادِّعائنا شاهدَين ، وأنتم تصرون على دعوى العموم بلا شاهد .

 

فَسَكَتَ القسيسُ و ما أجاب عن هذا ، بل قال : إنّ بطرس Pierre قال في الآية 23 من الباب الأول من الرسالة الأولى هكذا: ( أنتم مولودون ثانية ، لا عن زرعٍ يَفنى ، بل مما لا يَفنى بكلِمةِ الله الحيِّةِ الباقية إلى الأبد ) ؛ فثبتَ من هذا القول أنَّ كلام الله يَبقى إلى الأبد و لا يُنسَخُ .

 

قال الشيخ رحمة الله : وقع في الآية العدد 8 من الباب الأربعين من كتاب أشعيا مثل كلام بطرس Pierre ، وقد نقلتموه في كتاب " ميزان الحق " مع كلام بطرس ، وهو هكذا: ( يبسَ الحشيشُ ، و سقطَ الزهر ، و كلمةُ ربِّنا تدومُ إلى الأبد )؛  ففي هذا القول أيضا: ( و كلمة ربنا تدوم إلى الأبد )؛ فيلزم أن لا ينسخَ أمرٌ أو نهيٌ من أحكام التوراة ، وقد نُسِخَ مئاتٌ منها في الملة المسيحية .

 

قال القسيس : نعم ! التوراةُ منسوخٌ ، لكن كلامنا ليس في التوراة .

 

قال الشيخ رحمة الله : إنّ مقصودَنا أنَّ مقصودَكم لا يثبتُ من كلام بطرس ؛ لأن أشعيا عليه السلام أيضا قال مثل قوله ، وقد اعترفتم بنسخِ التوراة ؛ فالعذر الذي يكون من جانبكم في كلام أشعيا فهو العذرُ بعَيِنهِ من جانِبنا في كلام بطرس .

 

قال القسيس : نقلتُ قولَ بطرس على طريق السَّند ، و دليلُنا هو قول المسيح .

 

قال الشيخ رحمة الله : إنَّ هذا القول في حق الخبر المذكور الذي مرَّ ذِكرُه ( وليس بعام ليكون مفيداً لكم)؛ على أنه وقعَ في الآية الثامنة عشر من الباب الخامس من إنجيل متى قولُ المسيح عليه السلام في حق التوراة هكذا: ( فإنِّي الحقَّ أقولُ لكم ، إلى أنْ لا تزول السماءُ و الأرضُ لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموسِ حتى يكمُلَ الكل ) وقد نَسَخَ أحكامَ التوراة .

 

وقال القسيس: ليس كلامنا في التوراة .

 

قال الحكيمُ : لِمَ لا يكونُ كلامكم في التوراة وعندنا التوراةُ و الإنجيلُ مستويان ؟! وقد صرَّحتم في عنوان الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب " ميزان الحق " : إنَّ الإنجيل وكُتُبَ العهد العتيق لم تُنْسخ في وقتٍ من الأوقات!

( فلا بد لكم من التأويل والاعتذارِ في الآية المذكورةِ أيضاً ، وبمثل ذلك التأويل و الاعتذار نُؤَوِّلُ و نعتذر قول المسيح الذي تمسكتم به) .

 

قال القسيس: نعم ! كتبت هناك، لكنَّ كلامي مع الفاضل في هذا الوقت في الإنجيل فقط .

 

قال الحكيم: إنَّ الحواريين لمَّا نَسَخوا أحكامَ التوراة في زمانهم ، ما بقي منهما إلا أربعة أحكام : حرمة قرابين الأوثان ، و الدم المخنوق ، و الزنا ، ولم يبق الآن حرمة هذه الأشياء غير الزنا؛ فوقع النَسخُ في الإنجيل أيضا.

 

قال القسيس: إنّ حرمة هذه الأشياء مُختلَف فيها بين علمائنا ، قال البعض: إنها منسوخة ، و قال البعض : لا ؛ ونحن نحرِّم قرابين الأوثان إلى الآن .

 

قال الشيخ رحمة الله : إن مقدَّسَكُم بولس Paul قال في الآية العدد الرابعة عشر من الباب الرابع عشر من الرسالة الرومية هكذا: " إنِّي عالمٌ و مُتَيَقِّنٌ في الرَّبِّ يَسوع ، أنَّ ليس شيءٌ نجساً بذاتهِ إلا من يحسبُ شيئاً نجسا ، فله هو نجِس ".

وقال في الآية العدد الخامسة عشر من الباب الأول من رسالته إلى طيطوس هكذا: " كلُّ شيء طاهرٌ للطاهرين ، و أما المنجَّسين و الغير المؤمنين فليس شيءٌ طاهرا ". ويُعلم من هذين القولين حِلَّيَةُ هذه الأشياء( بل هما نصَّان فيها؛ فكيف تكون حِليَّتُها مختلَفاً فيها؟ وكيف تُحرِّمون قرابين الأوثان؟).

 

فتحيِّرَ القسيسُ وقال: أفتى بعض العلماء بِحِلِّيةِ هذه الأشياء نظراً إلى تلك الآيات.

 

قال الشيخ رحمة الله : إن قولَ المسيح في حق الحواريين في الباب العاشر من إنجيل متى هكذا: ( إلى طريقِ أُمَمٍ لا تمضوا ، و إلى مدينةٍ للسَّامريين لا تدخلوا ، بل اذهبوا بالحَرِيِّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضَّالَّة )،  وفي الباب الخامس عشر من إنجيل متى وقع قوله في حق نفسه هكذا:  ( لم أُرسَل إلاَّ إلى خِراف بيت إسرائيل الضالة )؛ فأقر بخصوص نبوته إلى بني إسرائيل ، ووقع قوله في خطابهم في الآية الخامسة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس Mac هكذا :( اذهَبُوا إلى العالم أجْمَع ، وأكرزوا بالإنجيل للخليقَة )؛ فالقولُ الثاني ناسخٌ للأول .

 

قال القسيس: إن المسيحَ نفسَه نَسَخَ الحكم الأول .

 

قال الشيخ رحمة الله: قد ثَبتَ هذا القدر أنّ النسخَ في كلام المسيح عليه السلام جائزٌ ، وأنه نَسخَ هو بنفسه ؛ وإذا ثبتَ قدرَتُه على النسخ فأبوه أقْدَرُ ؛ لأنه أعظم منه على اعترافِه في الآية الثامنة والعشرين من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا ، قول عيسى عليه السلام هكذا: ( إنَّ أبي أعظَمُ منّي )، وأهل الإسلام يقولون: إن أبا المسيح الذي هو أعظمُ منه بشهادتِهِ نَسَخَ أحكامَ الإنجيل بالقرآن ، ولا يقولون: إنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم نَسَخَها بنفسه ؛ فلا بد أن لا يكون بَعدَها (شك) في نسخ أحكام الإنجيل بالقرآن ، وأن يكون تمسككم بقول المسيح : إن السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول باطلاً قطعا، وأن يكون معناه كما قال المفسِّر دوالي وروجردمينيت George Doyly & Richard mant ، وبقيت في قولكم خدشةٌ أخرى أُبَيِّن إن أَجزتم .

 

قال القِسيس: بيِّنوا .

 

قال الشيخ رحمة الله : إنكم كتبتم في الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب " ميزان الحق ": إنَّ ادِّعاء نسخ الإنجيل و كُتُب العهد العتيق بِظُهُور القرآن باطلٌ من وجهين :

الوجه الأول: يلزم من قبول النسخ أمران:

الأول : أنَّ الله أراد أن يفعل أمراً حسناً بإعطاء التوراة ، لكنه لم يتيسر؛ فأعطى أفضل منه ، وهو الزَّبور ، ولما لم يحصل منه مرامه أيضا، نَسَخَهُ وأعطى الإنجيل ، ولما صارَ حالُه أيضاً مثل ما سبق ولم يحصل منه فائدة حصلَ مرامُه عاقِبَةَ الأمر من القرآن ؛ وإنْ جُوِّزَ هذا الأمر والعياذُ بالله تَبطلُ حِكمةُ الله و قدرَتُهُ ، ويكونُ الله مثل السلطان الإنساني ، ضعيفَ العقل ، عديمَ الفهم ، وهذا يمكن في الذات الإنسانية الناقِصة لا في ذات الله الكاملة .

 

والأمر الثاني: لو كان القول الأول غير ممكن لزم من قانون النَّسخ هذا التصور: إنّ الله أراد عمداً ، بالنظر إلى مصلحته وإرادته ، أن يعطى شيئاً ناقصاً غير مُوصِلٍ إلى المطلوب ويُبَيِّنه ، لكنّه كيف يمكن أن يتصور أحدٌ مثل هذه التصورات الناقصة الباطلة في ذات الله القديمة الكاملة الصفات ؟!.انتهى.

وهذان الأمران لا يلزمان على المسلمين نظراً إلى معنى النسخ المصطَلَح عليه فيما بينهم ؛ نعم ، يلزم على المسيحيين وعلى مقدَّسِكُم بولس Paul ؛ لأنه قال في الآية الثامنة عشر [ في الأصل الثانية عشر] من الباب السابع من الرسالة العبرانية هكذا :" فإنه يصير إبطالُ الوصيِّةِ السابقة  – أي: التوراة - من أجل ضعفِها و عدم نفعِها ". ثم قال في الباب الثامن من الرسالة المذكورة هكذا:" فإنه لو كان ذلك الأوَّل بلا عيبٍ لما طُلِبَ موضعٌ لِثانٍ "." فإذا قال جديداً عَتقَ الأول ، وأما ما عَتقَ فهو قريبٌ من الاضمحلال ". فأطلق مقدَّسُكُم على التوراة أَنَّهُ ضعيفٌ ، عديمُ النَّفع ، و مَعِيبٌ ، وقريبٌ من الاضمِحلال.

فَسَكَتَ القسيسُ بعد سماعه، ولم يجب بشيء؛ ثم قال الشيخ رحمة الله : إنَّ هذه الصفحات المعدودة التي كَتبتم في إثبات امتِناع النسخ واجبةُ الإخراج ؛ لأنها لا مناسَبَةَ لها بالمعنى المصطلح لأهل الإسلام.

 

قال القِسِّيسُ فرنج  French : قد قلنا في السابق - يعنى في المباحثة السابقة - أنه نُسخَ من التوراة أحكامٌ كانت أظلالاً للمسيح ، وكان نَسْخُها مناسباً ؛ لأن المسيحَ كمَّلها ؛ وأمَّا البشاراتُ التي كانت في حق المسيح فهي غير منسوخة .

 

ثم أخذ الإنجيلَ ، وقرأ هذه الآيات من الباب العاشر من الرسالة العبرانية: ( لِأَنَّ الناموسَ إذْ له ظِلُّ الخيراتِ العتيدةِ لأنفُسِ صورةِ الأشياء لا يقدِرُ أبداً بنَفْسِ الذَّبائح كلّ سنة التي يُقدِّمونها على الدوام أنْ تكمِّلَ الذين يقدِّمون ) 2( و إلا أَفَما زالت تُقدَّم من أجلِ أن الخادِمِين وهم مُطهَّرون مرةً لا يكون لهم أيضاً ضميرُ خطايا ) 3( لكن فيهما كلَّ سنةِ ذِكرُ خطايا )4 ( لأنَّه لا يُمكن أنْ دمَ ثيران و تُيوس يرفعُ خطايا ) 5(  لِذلك عند دخولِه إلى العالم يقول: ذبيحةً و قرباناً لم ترد ، ولكن هُيِّئَتْ لي جَسَدا ) 6( بِمُحرقات و ذبائح للخطيئة لم تُسِرّ ).

وقال: إن التوراة ، وكتب أخرى ، كانت بهذا القول إشارةً إلى المسيح ، وكملت بمجيئه ، وإن الله ما كان راضيا عن القرابين ، ولا يوجد في الإنجيل إشارةٌ إلى أحدٍ ليصير الإنجيل منسوخاً بمجيئه .

 

قال الحكيم: لو سُلِّمَ أن أحكام التوراة كمُلَت بمجيء المسيح ؛ فلا بد من إقرار النَّسخ في الأحكام التي نُسخِت قبلَ المسيح .

 

قال القسيس فرنج: أيُّ حُكم هذا ؟

 

قال الحكيم: حكم الذبح مثلا ؛ لأنه مصرَّحٌ في الباب السابع عشر من سفر الأحبار ونُسِخ بالآية 15و 20و 22 من الباب الثاني عشر من الاستِثناء ،  وقد أقَرَّ هورن Horne  في الصفحة 619 من المجلد الأول من تفسيره المطبوع سنة 1822م  في ذيل شرح هذه الآيات بِمَنْسوخِيَّة هذا الحُكم ، وصرَّح أنّ هذا الحكم نُسِخَ في السنة الأربعين من هجرتِهم من مصر قبل دخول فلسطين .

وقرأ العبارة ؛ فلما سمع القسيس فرنج French هذه العبارة سَكَت .

 

قال الحكيم : كلامُنا إلى هذا الحين كان في إمكان النَّسخ ، وكان مقصودنا في هذا الوقت هذا القدر فقط: إنَّ كونَ كلامِ الله منسوخاً ليس بِمُحالٍ كما يدَّعيه القُسُسُ عموماً ، وأنتم في " ميزان الحق" خصوصاً؛  فَثََبَتَ إمكانُه ، و يثبت وقوعُه بالفعل في الإنجيل بعد ثبوت نبوَّة خير البشر صلى الله عليه وسلم ؛  وفرقٌ عظيم بين إمكان النَّسخ و بين وقوعه بالفعل .

 

قال القسيس فندر Pfander : نحن نفرِّق أيضاً بين إمكانِه العهدوقوعِه بالفعل ، وتَمَََّ الكلام في النَّسْخ ؛ فاشرعوا في مبحث التحريف.

فجاء الكلامُ فيه :

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

•       تنبيه :

 

ثبت عند الناظر الخبير من مبحث النسخ ثلاثةُ أمور :

الأول : أن كون كلام الله منسوخاً ممكن .

الثاني : أن النسخ وقع بالفعلِ في أحكام التوراة على اعترافهم .

الثالث : أنه وقع بالفعل في بعض أحكام الإنجيل أيضاً عندهم .

وظهر أن ما قال صاحب " الميزان " في الفصل الثاني من الباب الأول في إثبات امتناع النسخ تمويهٌ صِرف وكلام لغو ، وأن تمسكَه وقتَ المناظرة بقول المسيح المندرج في الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا Luc كان لغواً بلا شُبهة ، وباطِلاً محضاً ، والحمد لله .

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

 

 

  1. o المبحث الثاني : التحريف

قال المناظر الشيخ رحمة الله : التِماسنا أولاً أن تُبيِّنُوا أن التحريفَ بأيِّ وجهٍ يثبُتُ عندكم ، ليثبت على ذلك الوجه (ويتم عليكم)؟

فما أجابَ القسيس بجوابٍ واضح .

 

ثم قال الشيخ رحمة الله : كيف اعتقادكم في كون مجموع كُتُب العهدَين إلهامياً ؟ أكلُّ فقرةٍ وكلُّ لفظ من هذا المجموع من أوّل باب سفر الخليقة إلى آخر باب كتاب المشاهدات كلام الله أم لا ؟

 

قال القسيس: لا نقولُ في حق كلِّ لفظ ٍلُفِظَ شيئاً ، لأنا نعترف بسَهوِ الكاتب .

 

قال الشيخ رحمة الله  : أتْرُكُ الألفاظَ التي وقع فيها سَهو الكاتب ، وأسألُ عن غيرها من الألفاظ والفقرات .

 

قال القسيس: لا نقولُ في حق الألفاظ شيئاً .

 

قال الشيخ رحمة الله : إن يوسى بيس Eusebe المؤرِّخ ، قال في الباب الثامن عشر من الكتاب الرابع من تاريخه : " ذكر جستن  Justin  الشهير في مقابَلََةِ  طريفون Triphon اليهودي عدَّة بشارات ، وادّعى أن اليهود أسقَطُوها من الكتب المقدَّسة ) انتهى.

 

وقال واتسن Watson في الصفحة 32 من المجلد الثالث هكذا: " إني لا أشكُّ في هذا الأمر أنّ العبارات التي ألزَمَ فيها جستن اليهود في مباحَثَةِ طريفون بأنهم أسقطوها ، كانت تلك العبارات في عهد جستن وإرينيوس Irenee موجودة في النسخة العبرانية والترجمة السبعينية وأجزاء من الكتاب المقدس وإنْ لم توجد الآن في نُسَخِهما ، سِيَّما العبارة التي قال جستن إنها كانت في كتاب إرمياء Armia  . كَتَبَ سلبرجيس Salbergius في حاشية جستن ، و كتب داكتر كريب  Dr.Grabe  في حاشية إرينيوس ( إنَّه يعلم أنَّ بطرس Pierre لما كَتَبَ الآية السادسة من الباب الرابع من الرسالة الأولى كانت هذه البشارة في خَيالِه )انتهى.

 

وقال هورن Horne في الصفحة 62 من المجلد الرابع من تفسيره المطبوع سنة 1822م  هكذا : ( ادعى جستن في كتابه في مقابلة طريفون اليهودي ، أن عِزْرَا قال للناس : إنَّ طَعَامَ عيدِ الفصح طعامُ رَبِّنا المنجِّي ، فإن فهمتُم الربّ أفضل من هذه العلامة  – يعني : الطعام - وآمنتُم به ، فلا تكونُ هذه الأرضِ غير معمورة ؛ وإنْ لَمْ تسمعوا وعظَه تكونوا سَبَبَ استهزاء للأقوام الأجنبية . قال وائي تيكر Whitaker : الغالب أن هذه العبارة كانت ما بين الآية الحادية والعشرين والثانية والعشرين من الباب السادس من كتاب عِزرا ، وداكتر أدم كلارك Dr. Adam Clarke  يصدّق جستن ) انتهى .

 

فظََهرَ من هذه العبارات أن جستن Justin الشهير ادَّعى أن اليهود أسقطوا عدة بشارات من الكتب المقدّسة بالتحريف ،  وأيَّد إرينيوس دعوى جستن بعدما ذكر عبارة إرمياء ، وصَدَّقَ كريب Grabe في حاشية كتاب إرينيوس وكذا صدق سلبرجيس في حاشية كتاب جستن هذه الدعوى ، وكذا صدقها وائي تيكر وأي كلارك وواتسن أيضاً ؛ والظنّ الغالب أنّ هذه العبارات كانت موجودة في النسخة العبرانية والترجمة السَّبعِينيَّة ؛ فيلزَمُ أحدُ الأمرين :

إمّا أن يكون جستن صادِقاً في دعواه أو كاذباً ؛ فإن كان صادقاً ثبت ما قُلنا ، وثَبَتَ تحريفُ اليهود ، وإن كان كاذباً فوا أسفي! إنَّ ذلك أعظم قدمائهم كان كذّاباً ، اختَرَعَ من جانبه عباراتٍ ، وادّعَى أنها أجزاءُ كلامِ الله !

( وبالجملة تحريف أحد الفريقين لازِم البَتَّة ) .

 

قال القسيس: إن جستن Justin  كان رجلا ًواحداً ، وسَها.

 

قال الشيخ رحمة الله: إن جامِعي تفسير هنري واسكات Henry & Scott صَرَّحوا في المجلد الأول أنّ أكستائن Augustin كان يُلزِمُ اليهودَ بالتَّحريف في إعمار الأكابر ، ويقول: إنهم حَرَّفوا النسخة العبرانية ؛ وكان جمهورُ القدماء أيضاً يقولون مثل ما قال ، وكانوا يقولون بالاتِّفاق: إنَّ هذا التحريف وقع في سنة 130 مئة وثلاثين من الميلاد .

 

قال القسيس: ماذا يكونُ بتحريرِ هنري واسكات Henry & Scott  ؟! لأنهما مفسِّران ، والمفسرون غيرُهم مِئون .

 

قال الشيخ رحمة الله: إن هذَيْن المفسرَين ما كتَبَا آراءهما فقط ، بل بَيِّنا مذهبَ جمهور القُدماء .

 

قال القسيس: إن المسيحَ شهِدَ في حق كُتُب العهد العتيق ، وشهادَتُهُ أزيد قبولاً من شهادة غيره ، وهي هذه الآية 46 من الباب الخامس من إنجيل يوحنا Jean ، هكذا : ( لو كُنتم تصدِّقون موسى لكنتم تصدِّقونني ؛ لأنه كَتَب عني ) ، والآية 27 من الباب 24 من إنجيل لوقا Luc : ( ثُم ابتَدأَ من موسى ومِنْ جميع الأنبياء يُفَسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّةَ به في جميع الكُتب )، والآية 31 من الباب 16 من إنجيل لوقا : ( فقال له : إنْ كانوا لا يسمعون من موسى و الأنبياء ، ولا إنْ قامَ واحدٌ من الأمواتِ يُصدِّقون ) .

 

قال الحكيم: العَجَبُ كلُّ العجب أنكم تستدلون بالكتاب الذي هو متنازَعٌ فيه إلى الآن ، و ندَّعي تحريفَه ؛ فما لم يحصل الانفصالُ في حق هذا الكتاب فالاستدلال به ليس بصواب ؛ على أنّا لو قطعنا النظر عن هذا القول يثبتُ من تلك الشهادة هذا القدر فقط ، أنَّ هذه الكتب كانت موجودةً في ذلك الزمان ، وأمَّا تواتُرُ ألفاظِها فلا يثبُتُ بها ؛ وبيلي Paley الذي ذكرتم في كتاب " حل الإشكال " كتابَه في كتُب الإسناد قد أقَرَّ ( في الباب السادس من القسم الثالث من كتابه المطبوع سنة 1850م في البلد لندن )؛ أنَّهُ يثبتُ بشهادةِ المسيح هذا القدر فقط ، أنَّ هذه الكتب كانت موجودةً في ذلك الزمان ، ولا يثبتُ بها تصديقُ كلِّ جملة جملة وكل لفظ لفظ منها .

 

قال القسيس: لا نُسَلِّمُ لبيلي Paley في هذا الموضع .

 

قال الشيخ رحمة الله: إنْ لم تُسلموا لبيلي Paley في هذا الموضع لا نسلم قولكم في هذا الباب ، وقولُنا هو قولُ بيلي Paley  .

 

قال الحكيم : قال يعقوب في الباب الخامس من رسالته: ( قد سمعتُم صبرَ أيُّوب ، و علمتم مقصودَ الرّب ) ومع ذلك لا يُسَلِّم أحدٌ أن كتابَ أيّوب Job  إلهامي ، بل وقع النزاعُ بين أهلِ الكتاب سَلَفا وخلَََفاً أن أيوب اسمٌ فَرَضي ، أوكان مسماه أيضاً موجوداً في سالف الزمان ، و رُبَّ مماني ديز Maa monide الذي هو من أعظم علماء اليهود ، و ليكرك Leclerc و ميكايليس Michaelis و سملر Semler و استاك وغيرهم من العلماء المسيحية ؛ قالوا: إن أيوب اسم فرضي ، و كتابه قصة باطلة .

 

قال القسيس: عندنا أيوب كانَ شخصاً ، و كتابُهُ إنْ دَخَلَ في شهادة المسيح فهو إلهامي أيضاً .

 

قال الحكيم: إن بولس Paul كتَبَ في الرسالة الثانية إلى طيموثاؤس أن ياناس و يمبراس خالفا موسى عليه السلام ، ولم يعلم أنه نقل عن أيّ كتاب جَعْلي ؛ فالنقل عن كتاب ما لا يدلّ على أنَّ المنقولَ عنه إلهامي.

 

قال القسيس: ليس كلامنا في الكتب الجعلية ، وأوردتُ قولَ المسيح لتصديق كُتُبِ العَهد العتيق ، فما لم يثبُت أن الإنجيلَ محرفٌ تكون شهادةُ المسيح بهذا الأمر كافيةً ووافية .

 

قال الشيخ رحمة الله : إن كلامنا على مجموع كُتُب العهدين ؛ فيبعدُ من إنصافِكم أنْ تستدلّوا بجُزءٍ من أجزاء هذه الكتب على أهل الإسلام ، وما لم تُثبتوا بالأدلَّة الأخرى عدم تحريف هذا المجموع لا يتمّ قول منها حجة علينا ، على أنَّه لا يثبُتُ مقصودُكم من شهادة المسيح بوجهين:

 

أما أولا: فلأنَّ حالَ هذه الشهادة كما حقَّق بيلي Paley .

وأما ثانياً : فلأنها لا تنافي التحريف الذي وقع بعدها كما وقع في مدة أعمار الأكابر بعد مئة سنة على اعتراف جمهور القدماء المسيحية .

 

قال القسيس: أوردنا لِكتُبِ العهد العتيق شهادةَ المسيح ، فعليكم إثبات تحريفِ الإنجيل .

 

قال الحكيم : إن قولكم هذا ، وإن كان غير صواب - لما علمتَ فيما مضى - لكنكم إن كنتم مشتاقين لثُبوت تحريف الإنجيل ؛ فاسمعوا .

 

وأخذ الإنجيل، وقرأ الآية السابعة عشرة من الباب الأول من إنجيل متى Matthieu ، وهي هكذا:

( فجميعُ الأجيالِ من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً ، ومن داودَ إلى سَبي بابل أربعة عشر جيلا ، ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا ).

 

وقال: بيَّنوا أنَّ الأجيال الأربعة عشر تتمّ على أيّ اسم في الطبقة الثانية ؟

 

قال القسيس: لا غرض لنا من هذا ، بل لا بد أن تبيِّنوا أن هذه العبارة توجد في النسخ كلِّها هكذ أم لا ؟

 

قال الحكيم : توجد في النسخ المستعملة الآن ، ولم نعلم أنها كانت موجودة في النسخ القديمة أم لا ، لكنها غلطٌ يقيناً .

 

قال القسيس: الغلطُ أمرٌ والتحريفُ أمرٌ آخر .

 

قال الحكيم: إن كان الإنجيل كلُّه إلهامياً ، ولا مجال للغلط في الإلهام ، فلا شكّ أنه يكون لسبب التحريف فيما بعد ؛ وإن لم يكن إلهامياً يثبُتُ مطلبٌ آخر ، وهو أنَّ هذا الإنجيل ليس بكتابٍ إلهامي على رأيكم أيضاً .

 

قال القسيس: إن التحريف لا يثبتُ إلا إذا ثَبتَ أنَّ عبارةً لا توجد في النسخ القديمة وتوجد في النسخ الجديدة . فأحال الحكيم إلى الآية السابعة والثامنة من الباب الخامس من الرسالة الأولى ليوحناJean . [ وهي كما في نص الترجمة اليسوعية، رسالة القديس يوحنا الأولى 5/7 و 8 : ( والذين يشهدون ثلاثةٌ : الرُّوحُ والماءُ والدمُ ، وهؤلاء الثلاثةُ متَّفِقون ) ].

 

قال القسيس: إن التحريف وقَعَ ههنا، وكذا في موضع أو موضعَيْن آخرين.

ولما سمع إسمت حاكم صدر ديواني ، أي: مشير الضبطية ، وكان جالساً في جنب القسيس فرنج French سأله باللسان الإنجليزي : ماذا هذا القول ؟

 

قال القسيس فرنج : إنّ هؤلاء أخرجوا من كتب هورن Horn وغيره من المفسرين ستة أو سبعة مواضع فيها إقرار التحريف .

ثم التفت القسيس فرنج إلى الحكيم ، وقال في لسان أردو: إن القسيس فندر أيضاً يُسلِّمُ أن التحريفَ قد وقَعَ في سبعة أو ثمانية مواضع  .

فقال الفاضل قمرُ الإسلام إمامُ الجامع الكبير في أكبر آباد للكاتب خادم علي ، مهتم " مطلع الأخبار" :  اكتبوا أنّ القسيس أقرَّ بالتحريف في سبعة أو ثمانية مواضع ، ( واطبَعوا في جريدتكم ).

 

قال القسيس بعد استماعه: نعم! اكتُبوا.

ثم قال: ما يلزم النقصان في الكتب المقدسة وإن وقع التحريف بهذا القدر ، وقد اختلفَت العباراتُ يقيناً بسهو الكاتبين .

 

قال الحكيم: إنَّ اختلافات العبارة عند البعض مئة ألف وخمسون ألفاً ، وعند البعض ثلاثون ألفاً ، فمختاركم أيّ قولٍ من هذين القولين ؟

 

قال القسيس فرنج : التحقيقُ أن هذه الاختلافات أربعون ألفاً .

 

وجعلَ القسيس فندر يقول : إنه لا يلزم النقصان من هذا القدر في الكتب المقدسة ، فلينصف واحدٌ أو اثنان من أهل الإسلام ، وكذا من المسيحيين .

والتفَتَ إلى المفتي الحافظ رياض الدين ، وقال مراراً أنصفوا أنتم !

 

فقال المفتي: إذا ثبت الجَعْلُ في مَوْضِعٍ من الوثيقة لا تبقى هذه الوثيقة معتبرة ، ولما ثَبَتَ بإقرارِكم الجَعْلُ والتحريف في سَبعة أو ثمانية مواضع ، فكيف يُعتَمَدَ عليها ؟! وهذا الأمر يعرفه الحكام الذين هم حاضرون في هذه الجلسة معرفة جيدة .

وأشار إلى إسمت مشير الضبطية ؛ فقال: اسألوه .

لكنه ما قال في هذا الباب شيئاً ، ثم قال المفتي : إذا كان اختلافُ العبارات مسلَّماً عندكم، فإذا وجدت العبارتان مختلفتين، فهل تقدرون أن تعيّنوا إحداهما أن هذه كلام الله جزما أم لا ( تقدرون ، بل كلتاهما مشكوكتان ! ).

 

قال القسيس: لا نقدِرُ أن نعيِّن إحداهما جزْماً .

 

قال المفتي: إنَّ دَعوى أهلِ الإسلام هذه ، أن هذا المجموعَ الموجودَ المستعمَل الآن من كتب العهدَين ليس كله كلام الله جَزْماً ، وقد ثبتَ بإقراركم هذا المعنى أيضاً .

 

قال القسيس: زادَ على الوقت الموعودِ نصفُ ساعة ، فتكون المباحثة غداً .

 

قال الشيخ رحة الله : أقْرَرْتُم بالتحريف في ثمانية مواضع ، ونحن نثبته إن شاء الله في خمسين أو ستين موضعاً بإقرار العلماء المسيحية ؛ فإن كانت المباحثةُ مقصودةً لكم فلا بُدَّ من مراعاة ثلاثة أشياء:

 

الأول : نطلب منكم السندَ المتصل لبعض الكتب ، فلا بُد من بيانِه .

 

والثاني: لا بد من تسليم خمسين أو ستين موضعاً التي أقرَّ فيها العلماء المسيحية بالتحريف ، أولا بُدَّ من تأويلها ، ولا نقولُ: إنَّهُ يلزمكم تسليم قول هورن Horne طَوعاً أو كرهاً ، وأنتم أدونُ من هورن ، بل نقول لا بُد أولاً من استماع هذه المواضع ثم اختيار أحد الأمرين ، أعني: التسليم أو التأويل .

 

والثالث: ما لم تفرغوا من تسليم هذه المواضع الخمسين أو الستين أو تأويلها لا تستدلّوا بهذا المجموع علينا .

 

قال القسيس: نقْبَلُ بشرط ، هو أنِّي أَسألُ غدا: إن الإنجيل الذي كان في عهد نبيكم أيّ إنجيل كان ؟

 

قال الشيخ رحمة الله: هذا الشرطُ مقبول ، ونبيِّنُ غداً .

 

قال الحكيم: إنْ قبلتم نُبَيِّنُ الساعة .

 

قال القسيس: الآن طالتِ المدة ، وأسمَعُ غداً .

 

ثم قام الفريقان، وتمت الجلسة الأولى .

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

 

 

  1. o الجلسة الثانية : في مبحث التحريف

انعقدت هذه الجلسة يوم الثلاثاء الثاني عشر من رجب سنة 1270 هـ من الهجرة، والحادي عشر من نيسان/ إبريل الفرنجي سنة 1854 من الميلاد، وقتَ الصباح، في المكان المعهود؛ واجتمع فيه الخواص والعوام أزيد من الجلسة الأولى.

وكان من حضَّار تلك الجلسة: إسمت حاكم صدر ديواني[ رئيس الديوان ] أي: مشير الضبطية[ حاكم وزارة العدل ]، وريد Red حاكم صدر يورد- أي مشير النظارة المالية [ حاكم وزارة المال]، ووليم William حاكم المعسكر، والقسيس وليم كلين William Clean ، والقسيس هارلي Harly ، وغيرهم من أمراء الإنكليز، والمفتي محمد رياض الدين، والفاضل أسد الله قاضي القضاة، والفاضل فيض أحمد سرشته دار صدر يورد- أي باشكاتب النظارة المالية[ أمين سر وزارة المالية ] ، والفاضل حضور أحمد، والفاضل أمير الله وكيل راجه بنارس Benares ، والفاضل قمر الإسلام إمام الجامع الكبير في أكبر آباد، والفاضل أمجد علي وكيل الدولة الإنكليزية- أي: دعو به ناظري – و[ الصحفي ] الفاضل سراج الحق [ بن فيض أحمد ]، والكاتب خادم علي مهتم " مطلع الأخبار "، وغيرهم من رؤساء البلد من عوام المسلمين والمسيحيين والمشركين زهاء ألف رجل، وكانت الكتب الدينية أيضاً بين أيدي الفريقين أزيد من الجلسة الأولى.

 

فقام القسيس فندر على آخر ست ساعات ونصف ، وأخذ كتاب " ميزان الحق " بيده ، وشرع في قراءة العبارات التي فيها عدة آيات من القرآن من الفصل الأول من الباب الأول ، لكنه لما كان يغلطُ في قراءة الآيات ؛ قال قاضي القضاة : اكتفوا على الترجمة ؛ لأنّ المعنى يتبدلُ بتبدُّل الألفاظ .

 

قال القسيس: اعفونا ؛ لأنَّ هذا من قصور لساننا .

 

والعبارة هذه: ( .. وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ...) (الشورى : 15 ) ، وأيضا في سورة العنكبوت: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (العنكبوت : 46 )، وأيضاً في سورة المائدة: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ..) (المائدة : 5 ).

ثم قال: وهذا الأمر ظاهرٌ على كل فرد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إن الفِرَقَ التي أُعطوا الكتاب ولُقِّبوا بأهل الكتاب المسيحيون و اليهود كما ورد في حقهم في سورة البقرة : (..وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ..) (البقرة : 113 ) ، وهذا الأمرُ أيضاً معلومٌ من القرآن ، ومشخص أنَّ الكتبَ التي أُعطيها اليهود و المسيحيون التوراة و الإنجيل ، وفي سورة آل عمران: (.. وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ ..) (آل عمران : 3- 4 ) . ثم قال: في هذه الآيات ذِكرُ الكتاب و أهل الكتاب ، والمراد بأهل الكتاب اليهود و النصارى ؛ فعُلِمَ أن التوراةَ و الإنجيل كانا موجودَين في عهد محمد صلى الله عليه وسلم ، و إنَّ المحمديين جعلوهما هاديي الدين بعد تسليمهما ، وأن التحريف لم يقع فيهما إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم !.

 

قال الشيخ رحمة الله : يثبُتُ من هذه الآيات هذا القدرُ فقط : إنَّ كلام الله نَزَلَ في الزمان السالِف ؛ فليؤمَن بهِ ؛ وإن التوراة و الإنجيل نزلا في الزمان السالف ( كما يُفهَمُ من هذه الآيات ) وكانا موجودَين في عهد محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنْ كانا محرَّفَيْن كما تدل عليه الآيات الأخرى .

ولا يثبُتُ من هذه الآيات بوجهٍ ما أنْ يكونَ التحريفُ لم يقع في هذه الكتب إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، كيف وقد شنَّعَ اللهُ على أهل الكتاب في مواضعَ من القرآن لأجْلِ تحريفهم ؟ فكما نُؤمن بحكم الآيات القرآنية أنّ كلامَ الله نزلَ في الزمان السالف ؛ فكذلك نؤمنُ أن التحريفَ قد وقع فيه ، ولذا جاءَ في الحديث:  "  لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذَّبوهم  "[ البخاري، رقم : 4485].( فالذي يوجد بين يدي أهل الكتاب ، مثل التوراة و الإنجيل ؛ محرّف ) .

 

قال القسيس: لا تذكروا في هذا الوقت الحديث ، بل اذكروا آيات القرآن فقط .

 

قال الشيخ رحمة الله : يثبُتُ من الآيات أيضاً الأمرانِ المذكوران كما أقررتم بهما أيضاً في " ميزان الحق " .

قال القسيس: يعلم من آيات سورة البَيِّنة أن التحريفَ لم يقع قبل زمان محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ من الفصل الثالث من الباب الأول هذه العبارة: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (البينة :1- 4 ) .

 

وقال: يُعلَم من هذه الآيات أن اليهود و المسيحيين حَرَّفوا كتبهم بعد ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وشروع دعوته لا قبلهما .

ثم قال: إن صاحب " الاستفسار" الذي تعرفونه أنه الفاضل آل حسن بَيَّن هذه الآية في الصفحة 448 هكذا:

لم ينعَزِلوا عن اعتقاد النبي المنتظر ، أو لم يختلفوا ولم يتفرّقوا في اعتقاده إلا إذا جاء هذا النبي . فهذا المعنى يمكن أن يقال: إنَّ التبديل و التحريف لم يقعا في بِشارات هي آخر الزمان إلى ظهوره .

 

قال الشيخ رحمة الله : إن ترجمة هذه الآيات على ما اختاره جمهور المفسرين واختاره حضرة عبد القادر المحدث الدهلوي في ترجمته هكذا: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) أي: اليهود و النصارى. ( وَالْمُشْرِكِينَ )  أي: عابدي الأصنام . ( مُنفَكِّينَ ) عن أديانِهم ورسومِهم القبيحة وعقائدهم الفاسدة ، مثل عدم اعتقاد نبوّة عيسى عليه السلام كما كان لليهود ، أو اعتقاد التثليث كما كان للنصارى ونحوهما . ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ . رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) في أديانهم ورسومهم القبيحة وعقائدهم الفاسدة ؛ بأن تَركَها البعض واختاروا الإسلام ، وقام البعض عليها تعصُّباً وتعنّتاً ، ( إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) أي: رسول الله والقرآن .

 

وقال سيدنا حضرة عبد القادر في الحاشية على آخر الآية الأولى: ضَلَّ جميعُ أهل الملل قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان كلٌ منهم معذوراً على غَلَطِه، وما كان ممكناً أن يحصل لهم الهداية بواسطة حكيمٍ أو وليٍّ أو سلطان عادل مالم يأْتِ رسولٌ عظيمُ القدرِ ومعه كتابٌ من الله ومَدَدٌ قوي ، بحيث امتلأت الأقاليم بالإيمان في عدة سنين . انتهى .

 

فحاصلُ هذه الآيات هذا القدر فقط ، أنَّ أهل الكتاب والمشركين ما امتنعوا عن رسومهم القبيحة مالم يأتِهم رسولٌ عظيمُ الشأن ، ومن خالَفَ بعد مجيئه فمخالفَتُهُ لأجلِ التعصب الغير الحق والعناد ؛ فاستدلالُكم بهذه الآيات في هذه الصورة ليس بصحيح ، وجواب صاحب "  الاستفسار " تنزيليٌّ كما تدل عليه عبارتُه هذه: لو سُلِّم  صحةُ الاستدلال يثبت منه هذا القَدر فقط... الخ؛ ومقصود صاحب "الاستفسار" أن استدلالَكم أولاً ليس بصحيح ، ولو سُلِّم صحتُهُ يثبُتُ منه هذا القدر فقط : إن بشاراتِ محمد صلى الله عليه وسلم لم تحرَّف ؛ لأنَّ التحريف لم يقع في موضعٍ من كُتُب العهدَين ، وصاحبُ"الاستفسار" يصيحُ في كتابه كلِّه بوقوع التحريف.

قال القسيس: بيِّنوا الآن أنَّ الإنجيل الذي جاء ذكرُهُ في القرآن أيّ إنجيل كان ؟

 

قال الشيخ رحمة الله : لم يثبتْ براويةٍ ضعيفةٍ أو قويةٍ تعينهُ حتى يتبين أنَّه إنجيل متى أو يوحنا أو شخص آخر، وما كُنَّا مأمورين بتلاوتِه ليُعلم حاله .

أشارَ القسيس إلى أمراء الإنكليز ، وقال: هؤلاء الجالسون كلُّهم أهلُ الكتاب ؛ فاسألوهم: أيّ إنجيل كان ؟

 

قال الحكيم: إنّ الثابت بالقرآن هذا القدر فقط: إن الإنجيلَ نَزلَ على عيسى عليه السلام ، ولا يعلم أنَّه أيّ إنجيل كان ، وكان الأناجيلُ الكثيرةُ مشتهرةً في ذلك الزمان ، مثل إنجيل  برناباه  Barnabas  ، و بَرْتُولُمَا  Bartholomew  وغيرهما .

 

فالله أعلم أن المراد أيّ إنجيل من هذه الأناجيل ، وكان في ذلك الزمان فرقة ماني كيز [ المانوية ]  التي ما كانت تسلِّم مجموع هذا الإنجيل المشهور ، وكان في ذلك الزمان فرقة (  تسمى : كولي ري دينس )، كانت تقول: إن الآلهة ثلاثة: الأب والابن ومريم  ؛ لعلّ هذا الأمر كان مكتُوباً في نُسختِهم ؛ لأن القرآن كَذَّبَهم ، ولا يثبت من موضعٍ أن كتاب أعمال الحواريين ورسائلهم وكتاب المشاهدات داخلة في ذلك الإنجيل !

 

قال القسيس فرنج : أنتم لا تسلِّمون الكتب المندَرِجَة في هذا الإنجيل التي هي ليست قول عيسى عليه السلام ، وقد سَلَّم مجلس لوديسية  Concile de Loadicee  هذه الكتب غير المشاهدات ، وقرَّرها واجب التسليم ، وكبار علمائنا الذين اعتبارُهم عندنا في الغاية ، مثل كليمنس إسكندريانوس Clement of Alexendria ، و ترتولين Tertullian ، وأُرجن Origene ، و سائي برن Cyprien وغيرهم ، قرَّروا كتابَ المشاهدات أيضاً واجب التسليم ، لكن سندَهُ المتَّصِل لا يوجد عندنا بسبب الفتن والخصومات والمحاربات التي كانت في الزمان السالف .

 

قال الحكيم: إن كليمنس Clement في أي زمان كان ؟

قال القسيس فرنج: في آخر القرن الثاني .

 

قال الحكيم: إنَّ نقلَ كليمنس فقرتين من كتاب المشاهدات يُثْبِتُ منه هذا القدر فقط ، إن كليمنس سلَّم في آخر القرن الثاني أن كتاب المشاهدات من تصنيف يوحنا Jean ، لكن سَنَدَهُ لم يوجد قبل زمانه ، مع أنَّ التواتُرَ اللفظي لجميع الكتاب لا يثبت من فقرتين ، و ترتولين وغيره كانوا بعد كليمنس ؛ لأن ترتولين كان برسبتركار تهيج [ أسقط قرطاج = راعيها وكاهنها ] في سنة 200 م ، وأُرجن Orgene كان في وسط القرن الثالث ،  وشرع هو في إصلاح الترجمة السبعينية في سنة 231م .

وقال كيس Caius برسبتر الروم Presbyter de Rome [أي: أسقف رومة ] الذي كان في سنة 212م : إنه تصنيف سرن هتس Cerinthe المُلحِد ، وصرح ديونيسيش Dionysus : أخرج بعض القدماء ، قال : إنه من كلام سرن هتس المُلحِد .

 

قال القسيس فرنج : كيس Caius عندنا ليس من العظام ، وما ذكَرَ ديونيسيش Dionysus اسمَ بعض القدماء ، ولا بأس بمخالفة واحد أو اثنين .

قال الحكيم: لا نذكر واحداً أو اثنين بل نقدِرُ على إظهار أسماء مئين من المنكرين ، مثل يوسي بيس Eusebe ، و سرل Cyrill ، و كنيسة يروشالم [ القدس ] كلها في عهده وغيرهم ، وردّه علماء محفل لوديسيا Concile de Loadicee أيضاً ، وبعض الكنائس كانوا يردون في عهد جيروم Jerome أيضاً .

قال القسيس فندر: هذا الكلام خارج عن المبحث ، وكلامنا الآن في الإنجيل الذي كان موجوداً في عهد محمد .

 

والتفت إلى الشيخ رحمة الله ، فقال : أظهرنا مذهبَنا ؛ فإن علمتم أن هذا ليس بمذهب أهل الإسلام ، فاذكروا دليلاً على هذا ، وإلا فسلِّموه ، ونحن نُقِرُّ أنَّ كلام الله نزلَ على عيسى عليه السلام ، لكنَّا نُنكرُ أنه عبارة عن مجموع هذا العهد الجديد ، وأنَّه لم يقع التغيّر والتبديل فيه ، وكلام الحواريين عندنا ليس بإنجيل ، بل الإنجيل الذي نَزَلَ على عيسى عليه السلام .

 

وقال صاحب " تخجيل مَنْ حَرَّف الإنجيل " في الباب الثاني من كتابه في حق هذه الأناجيل المشهورة: إنها ليست هي الأناجيل الحق المبعوث بها الرسول ، المنَزَّلة من عند الله تعالى. انتهى كلامه بلفظه.

 

ثم قال في الباب المذكور: والإنجيل الحق إنما هو الذي نطق به المسيح . انتهى كلامه بلفظه .

ثم قال في الباب التاسع في " بيان فضائح النصارى ": وقد سَلَبَهُم بولس Paul هذا من الدين بِلَطِيف خداعِه ، إذ رأى عقولَهم قابلة لكُلِّ ما يُلقى إليها ، وقد طمسَ هذا الخبيث رسومَ التوراة . انتهى كلامه بلفظه.

 

وقال الإمام القرطبي في الباب الثالث من كتابه المسمى بكتاب " الإعلام بما عند النصارى من الفساد والأوهام ": إن الكتاب الذي بيَدِ النصارى الذي يسمونه بالإنجيل ليس هو الإنجيل الذي قال الله فيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: (.. وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ ..) .انتهى كلامه بلفظه .

 

ومثلها صرَّح العلماء الآخرون سلَفا وخلَفاً، ولمِّا لم يثبُت من روايةٍ ما أنَّ أقوالَ المسيح مكتوبةٌ في الإنجيل الفلاني ، لا نقدِرُ على تعيين هذا الأمر، وما نُقِلَ في هذه الأناجيل الأربعة مَنْزِلَتُهُ منزلة آحاد الأحاديث ، ولم تُنقل روايةٌ معتبرةٌ عن مؤمِني القرنِ الأول ؛ ومن جملة أسبابه هذا السبب أيضاً: أن البابا كان في ذلك العهد متسلطاً تسلطاً تاماً ، ولا تكون الإجازة العامة لقراءة الإنجيل في فرقَتِه ، فقلّما رأى المسلمون نُسَخَ الإنجيل بهذا السَّبب ، وكان أكثرُ المسيحيين في نواحي العرب غالباً من هذا القسم ، أو من الفرقة النسطورية .

 

فغضب القسيس فرنج على هذا، وقال: نَسَبْتُم العيبَ العظيمَ إلى إنجيلنا والبابا لم يفعل فيه فساداً ما .

 

وشَرَعَ القسيس فندر في بيان حال إحراقِ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بعضَ نُسخِ القرآن ؛ فقال الشيخ رحمة الله : إن هذا الكلام كان خارجاً عن المبحث ، لكنَّكم لما شَرَعتُم فيه ؛ فاسمعوا الجوابَ عنه .

 

قال القسيس: لمِّا اعترضتم على الإنجيل عرضتُ أيضاً ؛ فارجعوا الآن إلى أصل المطلب .

 

ولمَّا كان أصلُ المطلب أن القسيسَ بعد سؤال حال الإنجيل يراعي ثلاثة أشياء كما تقرَّر في آخر الجلسة الأولى،

 

قال الشيخ رحمة الله : كلامنا من الأول وعلى ما تقرر أمس على مجموع كُتُبِ العهدَين لا على الإنجيل فقط ؛ فنطلب منكم السندَ المتَّصلَ لبعض كُتب هذا المجموع .

قال القسيس: تكلموا على الإنجيل .

قال الشيخ: كلامنا على المجموع ، و تخصيصُ الإنجيل لغوٌ .

فسكت القسيس .

والظاهر أنه لم يستَحسِن بيانَ السند المتصل لهذه الكتب ، وانجرَّ الكلام إلى الغَلَط والتحريف ، ثم أخرج القسيس فرنج طوماراً [ صحيفة ] طويلاً كان معه ، وقرأ، وكان ملخّصه أنَّ علماءنا وجدوا اختلافاتِ العبارة ثلاثين ألفا أو أربعين ألفاً ، لكنها ليست في نسخةٍ واحدةٍ ، بل في نسخ كثيرةٍ ، ولو فرَّقناها على النسخ يكون في مقابلة كل نسخة منها أربع مئة أو خمس مئة ، وإنْ وقَعَ بعض الأغلاط من تصرّفات المبتدعين ، ووجد داكتركريسباخ Greisbach  في إنجيل متى ثلاث مئة وسبعين سهواً في الآيات والألفاظ ، منها سبعة عشر شديدة الثقل ، واثنان وثلاثون أيضاً ثقيلة لكنها خفيفة بالنسبة إلى الأولى ، والبواقي خفيفة ، وصحَّحَ علماؤنا هذه الأغلاط في أكثر المواضع ؛ لأن هذا الأمر قريبُ القياس ، إنّ الكتاب الذي تكون نسخُهُ كثيرةٌ فتصحيحه مُمكن ، والكتاب الذي تكون نسخته واحدةٌ فتصحيحه عسيرٌ ، مثلاً نسخة ترنس و نسخة بتركيولس ، يوجد لأحدهما عشرون ألف نسخة ؛ فصححها علماؤنا ، وللأخرى نسخة واحدة ؛ فعدّوا تصحيحها متعسِّراً ، وإذ كانت نُسَخُ الإنجيل موجودةً بالكثرة فتصحيحه ليس بمُمْتَنِعٍ ، ونحن الآن نُبَيِّنُ عدةَ وجوهٍ من قوانين التصحيح :

الأول: إن العلماء المذكورين كانوا إذا وجدوا عبارتين ، إحداهما دقيقة والأخرى سلسة فصيحة ، اختاروا الدقيقة ؛ لأن مقتضى الاحتياط والعقل والقياس أنَّ العبارة السلسة لعلها تكون جعْلِيَّة .

 

والثاني: كانوا إذا وجدوا عبارتين ، إحداهما مطابقة للقاعدة والأخرى مخالفة لها ، اختاروا المخالفة ؛ لأن المطابقة تحتمل أنْ يكون عمل أحد من مَهرة القواعد ، وأدرجَها وكَتَب العلماء المشار إليهم بعدما نَبَّهوا على هذه الأغلاط أنَّه لا يوجد غَلَط سواها ، وأنه لا يلزم في المقصود الأصلي نقصانٌ ما مِنْ هذا القَدر من الأغلاط ، كما قال داكتركني كات Dr. Kennicott  : أنَّا لو أخْرَجنا بالفَرَض هذه العبارات المحرّفة كلها لا يلزم نقصان في مسألة معتبرة من مسائل الملة المسيحية ، وكذا لو أدخلنا هذه العبارات المحرّفة لا يلزم منها زيادة في مسألة معتبرة من مسائل الملة .

 

فأرادَ الحكيمُ أن يجيبُ ؛ فمَنَعَهُ القسيس فندر ، وكلما أرادَ الحكيم أنْ يجيب كان القسيس فندر يمنعه ويقول: لا !

 

ثم التفتَ القسيس إلى الشيخ رحمة الله ؛ فقال المفتي رياض الدين: لابُدَّ أن يُبَيِّن أولاً معنى التحريف ، ثم يُباحث عليه لينكشف الحال للحاضرين حق الانكشاف .

فأراد القسيس أن يقول شيئاً في هذا الباب ، فقال المفتي: هذا ليس منصبكم ، بل الذين يدعون التحريف عليهم البيان .

 

فالتفت الشيخ رحمة الله إلى القسيس، وقال: معنى التحريف ( المتنازع فيه ) عندنا ( وفي اصطلاحنا ):

التغيير( الواقع في كلام الله )، سواءٌ كان بسبب الزيادة أو النقصان أو تبديل بعض الألفاظ ببعض آخر ، وسواء كان منشأ هذا التغيير الشرارة والخبث أو الإصلاح ، باعتبار غلبَةِ الوهم ، ونَدَّعي أن التحريفَ وقعَ في الكُتُب المقدّسة باعتبار هذه الأمور كلّها ؛ فإن أبَيتُم فعلينا الإثبات .

 

قال القسيس فندر: نحن نعتَرِفُ أيضاً بسهوِ الكتّابِ في الكتب المقدسة .

 

قال الشيخ رحمة الله : إنَّ سهواً لِكاتب عندنا أنْ يريدَ شخصٌ كتابَةَ اللام فيكتب سهواً بدلها الميم ، أو يريدَ أن يكتب الميم فيكتب سهواً بدلها النون ، فهل المراد بالسَّهو عندكم أيضا هذا السهو ؟ أو هذه الأمور أيضا داخلة فيه أنْ يُدْرِجَ أحدٌ عبارةَ الحاشية في المتن أو يزيدَ قصداً من جانبه الجمل أو يسقطها ؟!

اضطرب القسِّيس من سماعِ لفظ الجُمَل ؛ لعلَّهُ فَهِمَ الجملةَ بمعنى مجموع الكتاب ، وقال: لا تقولوا الجُمَل ، بل قولوا: أنْ يزيدَ آياتٍ أو يسقطها .

 

قال الشيخ رحمة الله :إنِّ إطلاق الجملة عندنا يجئُ على مثل: زيد قائم ، لكنِّي أتركُ هذا اللفْظَ الآن ، وأقولُ كما أَمرتُم: أو يزيد قصداً من جانبه الآيات أو يُسْقِطُ أو يُلحِقُ شيئاً بطريقِ التفسير أو يبدل لفظاً بلفظٍ آخر .

 

قال القسيس: إن هذه الأشياء كلّها داخلةٌ عندنا في سهو الكاتب ، سواءٌ كان وقوعُها قصداً أو سهواً أو جهلاً أو غلطاً ، لكن مثل هذا السهو يوجد في الآيات في خمس أو ست ، وفي الألفاظ في مواضع كثيرة .

قال االشيخ رحمة الله : لما كان زيادةُ الآيات وإسقاطُها وتبديلُ بعض الألفاظ ببعض ، سواء كانت هذه الأشياء قصداً أو سهواً؛ داخلة في سهو الكاتب (على اصطلاحكم ) ، ووقع مثلُ هذا السهو ( المصطلح ) في الكتب المقدّسة ، وهذا هو التحريف عندنا ؛ ما بقي بيننا وبينكم إلا النزاع اللفظي فقط؛  لأن الأمر الذي ندَّعيهِ أنه تحريف تقولون: إنَّه سهو الكاتب ! ( فالاختلاف في التعبير والاسم لا في المعبَّر عنه والمسمى )، ونظيرُه أنَّ رجلاً أعطى أربعة مساكين دِرهما ، وكان أحدُهم رومياً، والثاني حبَشياً، والثالث هندياً، والرابع عربياً، واتَّفقوا على أن يشتروا بها شيئاً، فالرومي ذكر اسم العِنَب في لسانه، وأنكر الحبشي وذكر هو أيضا اسمه في لسانه، فأنكر الهندي وذكر هو اسمه في لسانه، فأنكر العربي وقال: لا نشتري إلا عِنَباً ! فتخاصموا، وتشاتموا لأجل عَدَمِ فهم كُلٍّ مقصودَ الآخر لسَبَبِ اختلاف الاسم فقط ، فكما كان بين هؤلاء الأربعة نِزاعٌ لفظيٌّ ، وكان مقصودُهم في الحقيقة واحداً ؛ فكذا حال سهو الكاتب والتحريف ؛ لأن الشيءَ الذي نسمِّيه تحريفاً تسمونه سهوَ الكاتِب .

 

ثم قال الشيخ رحمة الله بالصَّوت الرفيع مخاطباً للناس: إنَّ النزاع الذي بيننا وبين القسيس كان نزاعاً لَفْظِياً فقط ؛ لأن التحريفَ الذي كُنَّا نَدَّعِيه قَبِلَهُ القسيسُ ، لكنَّهُ سمَّاه سَهوَ الكاتب .

 

قال القسيس: لم يلزم نقصانٌ في المتن من مِثل هذا السّهو .

فسأل قاضي القضاة محمد أسد الله متحيِّرا: المتن ماذا ؟

قال القسيس فندر ساخطاً من هذا السؤال: بَيَّنتُ مراراً ، وإلى كم مرة أُبَيِّن ؟!

 

ثم قال: إنه عبارة عن ألوهية المَسيح و التثليث ، وكونه كفارة وشافعاً ، وعن تعليماته .

 

قال الشيخ رحمة الله: ادَّعى جامعو تفسير هنري و اسكات أيضاً مثل ادِّعائكم أيضاً بأنَّ المقصودَ الأصلي لم يَقعْ فيه تفاوتٌ ما من هذه الأغلاط ، لكنَّا لا نفهَمُه ؛ لأنه إذا ثبت التحريفُ ، فأيُّ دليلٍ على أنه لم يقع فيه تفاوتٌ ما من هذه الأغلاط ؟

لأنه إذا ثبت التحريفُ ( بجميع أنواعهِ قصداً وسهواًً وإصلاحا وهميا من المبتدعين ومن أهل الديانة كما ستعرف بعد اختتام المباحثة إن شاء الله تعالى )؛ فأيُّ دليلٍ على أنه لم يقع في تسع أو عشر آيات فيها ذِكرُ التثليث ؟!

لأن المحرِّفين الذين حرَّفوا المواضِعَ الغير المقصودة قصداً وسهواً وإصلاحاً ، كيف يُرجى منهم عدم التحريف في المواضع المقصودة مع أنها أهم بالتحريف من الأولى؟!

 

قال القسيس: إن تحريفَ المتنِ يثبُتُ إذا وجدتُم نسخةً عتيقةً لا يكون فيها ذكر ألوهية المسيح عليه السلام ويوجد في هذه النسخة المتداولة الآن ، ولا يكون فيها ذكر كفّارة المسيح ويوجد في هذه .

 

قال الشيخ رحمة الله: كان على ذِمَّتِنا هذا القدر فقط، أن نُثبِتَ كونَ هذه النسخة مشكوكة؛ فثبت بحمد الله، وصارَ الكتابُ كلُّه بهذا الإثبات مشكوكاً، لكنَّكم لما ادَّعَيتم سلامة بعض المواضع عن التحريف مع اعتراف وقوعه في بعض آخر؛ فإثبات تلك السلامة على ذِمَّتِكم لا على ذِمَّتِنا.

وبقي أمرٌ آخر قابلٌ لأن يُسألَ عنه، وهو هذا: أَتُسَلِّمون أنّ سهواً من هذه السهوات التي هي مسلَّمة عندَكم ، وهي تحريفات بعينها عندنا، يوجد في جميع النُّسَخ أم لا؟

 

قال القسيس: نعم! مثل هذا السهو يوجَدُ في جميع النُّسَخ .

 

فاعترض عليه القسيس فرنج ؛ فقال القسيس فندر: غلطتُ ، ورأي القسيس فرنج أحسن .

 

قال قاضي القضاة : لا فائدة في الرجوع ؛ لأن قولكم الأول صارَ معتبراً .

 

قال القسيس: لا ! غلطتُ أنا ، ولا أقولُ جزماً ، لعل هذا السهو لا يكون في المتن العبري ، ويكون في اليوناني ، أو بالعكس .

 

قال الشيخ رحمة الله: إنْ أظهَرنا بعضَ المقامات التي أقرَّ فيها مفسِّروكم أنّها كانت في سالف الزمان كذا ، والآن لا توجد في المتن العبري الذي هو معتَبَرٌ عندكم ، فماذا تقولون ؟

قال القسيس: لا يلزمُ منها نقصٌ في المتن .

 

قال الحكيم: لا شَك أنَّه يقع الخللُ في المقصود الأصلي إذا كانت اختلافاتُ العباراتِ كثيرةً مثلاً ، ولو فرضنا أن العبارات المختلفة توجد في عدة نُسَخ " كلستان " [ كلستان : كتاب ألفه سعدي الشيرازي ، المتوفى سنة 691هـ= 1292م . وكلستان كلمة فارسية تعني : حديقة الأزهار ]، ولا يثبت ترجيح بعض تلك العبارات على بعض ، فلا نقدر في هذه الصورة أن نقول جَزماً: إنّ عبارة السعدي هذه؛ فكيف إذا اختلفت مئاتٌ من النُّسخ ولا يكون لإحداهما ترجيحٌ على الأخرى؟!

فلا شك في إمكان وقوع التغيير في المقصود الأصلي ، والإنجيل عندنا عبارة عن قولِ المسيح علي السلام ، وهو صار مشْتَبَهاً .

 

قال القسيس: أجيبوني بالاختصار، أتُسلِّمون المتْنَ أم لا ؟ فإنْ سَلَّمتم تكون المباحثة في الأسبوع الآتي ؛ لأنا لا نستدلُّ في المباحثة الباقية إلا بالأدلَّة النقلية من هذا الكتاب ، ونعلَمُ أن العقلَ محكومُ الكتاب ، لا أنّ الكتابَ محكومُ العقل .

 

قال الشيخ رحمة الله : لما ثَبَتَ الزيادةُ والنقصانُ في هذه الكُتُبِ على اعترافكم أيضاً ، وثَبَتَ التحريفُ فيها ، صارت مشتَبَهةً عندنا بهذا السَّبب ، ولا نعتقدُ البَتَّةَ أنَّ الغَلَطَ لم يقع في المتْن ، فلا يصحّ لكم أن تُورِدوا دليلاً من هذه الكتب علينا في المباحثة الآتية في مسألَتَي التثليث والنبوة ؛ لأنه لا يكون حُجَّةً علينا .

 

قال القسيس فرنج: إنكم خرَّجْتُم هذه التحريفات والأغلاط من تفاسيرنا ؛ فهؤلاء المفسِّرون معتبرون عندَكم ، وهم كما كَتَبُوا هذه المقامات كتبوا أيضاً أنَّه لا يوجدُ الفساد في غير هذه المواضع .

 

وقال القسيس فندر أيضاً: سَلْه ؟!

 

قال الشيخ رحمة الله : نَقَلْنا أقوالَ هؤلاء العلماء إلزاماً ، لا مِنْ حيثُ أنَّهم معتبرون عندَنا ، وإنَّ جميع أقوالهم قابلَةٌ للاعتبار والالتفات .

 

والتفت إلى القسيس فندر، وقال: بل نَقلْتُم شيئاً عن البيضاوي و " الكشاف ".

 

قال القسيس: نعم .

 

قال الشيخ رحمة الله : إنَّ هذَين المفِّسرَين كما كَتَبا الأمورَ التي نقلتموها زاعمين أنها مفيدةٌ لمقصودِكم هكذا ، كتباهما وسائر المفسِّرين كافة أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ومنكره كافرٌ ، والقرآنَ كلامُ للهِ بلا شك ؛ فهل تُسَلِّمون أقوالهم هذه أيضاً ؟

 

قال القسيس: لا !.

 

قال الشيخ رحمة الله : فكذا لا نُسَلِّم القولَ الآخر لعلمائكم .

 

ثم قال القسيس: أجيبوني بالاختصار ، تُسَلِّمون المتنَ أم لا ؟!

 

قال الحكيم: إنَّ هذا السؤال محتاجٌ إلى التفصيل ؛ فمهما لم نَفرَغْ عن إظهار قولٍ لا نجيب .

 

قال القسيس: أجيبوني بالاختصار بلا أو نعم !

 

قال الشيخ رحمة الله : لا ( نُسَلِّم المتن ) ؛ لأن المتنَ الذي هو عبارة عن المقصود الأصلي عندكم صار مشْتَبهاً بسبب التحريف عندنا ، وقد اعترفتم ( في الجلسة الأولى في سبعة أو ثمانية مواضع ، وفي الجلستين بأربعين ألف اختلاف العبارة هي عندنا على التحريف )، وكان منصبُّنا في هذا الباب هذا القدر فقط ، أن نُثْبِتَ كونَ هذا الكتاب مشكوكاً ومحرفاً ، وظَهَرَ بفضل الله .

 

وإثباتُ عدم التحريف في المتن ، أي: المقصود الأصلي على ذِمَّتِكم ، ونحن حاضرون إلى شهرَين للمباحثة بلا عُذْر إلا أنَّ هذا الكتاب لا يكون حجّةً علينا ، والدليلُ المنقول عنه لا يكون كافياً لإلزامنا ؛ نعم ، إن كان عندكم دليل آخر في مسألتي التثليث والنبوة فأوردوه .

 

والتفت الفاضل فيض أحمد باشكاتب إلى القسيس فندر، وقال: العجبُ أن يقع التحريفُ في الكتاب ولا يقع نقصٌ ما !!

 

واختتمتِ المباحثةُ ( التقريرية ) على هذا وودَّع كلٌّ من الفريقين الفريقَ الآخر، ثم وقعَ التحريرُ على رجاء المباحثة التقريرية، لكنها لم تقع .

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،   

  • إعداد : متعب الحارثي

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،   

  • المراجع :

1- كتاب " وقائع المناظرة التي جرت بين الشيخ رحمة الله والقسيس فندر الإنكليزي"

كتب محاضر جلساتها باللغة الأردية : السيد عبد الله الهندي ، المترجم الثاني للدولة الإنجليزية في دار الحكومة – أكبر آباد – الهند. ترجمها إلى اللغة العربية: رفاعي الخولي  الكاتب .خرج الكتاب واعتنى به بسام عبد الوهاب الجابي . والكتاب من إصدار دار البشائر الإسلامية ببيروت، والجفان والجابي " نسخة إلكترونية ".

2- كتاب " إظهار الحق " تأليف الشيخ : رحمة الله الهندي" نسخة إلكترونية ".