الحكمة من نزول القرآن منجما


الحمد لله رب العالمين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم اهدنا وسددنا،،،،،،،

 

يقول الله عز وجل في سورة الفرقان :

{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)}

 

هذه شبهة أوردها الكفار؛ فقالوا : لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة بدلا من أن ينزل مفرقا سورة سورة وآية آية ؟

ربما يكون الذي حمل الكفار على هذا السؤال ظنهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتراه من عنده فيبقى يتفكر فيه فصلا فصلا ؛فيأتي به آية آية من عنده، وليس من عند الله ؟

 

وبغض النظر عن سبب إيرادهم لسؤالهم فالمهم أن الله قد أجابهم على سؤالهم بجواب مختصر:

 أن نزول القرآن مفرقا إنما كان لأجل تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم فترة بعد فترة.

لأن التثبيت بعد كل حين أقوى للإنسان من التثبيت مرة واحدة ثم يــُترك المنصوح من النصيحة والتوجيه.

 وهذا يشهد له الواقع ؛ فمثلا الإنسان لا ينتفع بوجبة غذائية كبيرة لمدة عام يتناولها دفعة واحدة ! بل ينتفع بالوجبة الغذائية إذا فرقها على حياته اليومية .

وكذلك النبات، ينتفع بالمطر إذا نزل على فترات متفرقة في العام؛ فهذا أفضل للنبات من نزول الماء الكثير مرة واحدة كل سنة أو كل قرن !.

 

وهذه عشر نقولات من كتب التفسير؛ تفيد ذلك المعنى:

 

1- تفسير الإمام الطبري "جامع البيان" [19 /225]:

 

- عن ابن عباس رضي الله عنهما :{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا }. قال: كان الله ينزل عليه الآية، فإذا علمها نبيّ الله نزلت آية أخرى؛ ليعلمه الكتاب عن ظهر قلب، ويثبت به فؤاده.

 

2- التفسير الميسر [6 /297]:

 

وقال الذين كفروا: هلا أنزل القرآن على محمد جملة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور! قال الله سبحانه وتعالى: كذلك أنزلناه مفرقًا؛ لنقوِّي به قلبك وتزداد به طمأنينة، فتعيه وتحمله، وبيَّنَّاه في تثبت ومُهْلَة.

 

3- قال عبدالرحمن السعدي في تفسيره" تيسير الكريم " [1/582]:

 

نزول القرآن عند حدوث السبب يكون له موقع عظيم، وتثبيت كثير؛ أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه.

 

4- زاد المسير لابن الجوزي [4 /474]:

 

{ لنُثَبِّتَ به فؤادكَ } أي : لنُقَوِّي به قلبَك فتزداد بصيرة ، وذلك أنه كان يأتيه الوحي في كل أمر وحادثة ؛ فكان أقوى لقلبه، وأنور لبصيرته، وأبعد لاستيحاشه .

 

5- تفسير النسفي [2 /444]:

 

لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول، وتتابع الرسول؛ لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب.

 

6- الوجيز للواحدي  [ص 604]:

 

{ كذلك } فرَّقنا تنزيله { لنثبت به فؤادك } لِنُقوِّيَ به قلبك ، وذلك أنَّه كلَّما نزل عليه وحيٌ جديدٌ ازداد هو قوَّة قلبٍ .

 

7- الماوردي في النكت والعيون [3 /200] :

لنثبت فؤادك باتصال الوحي ومداومة نزول القرآن ؛ فلا تصير بانقطاع الوحي مستوحشاً .

 

8- السمرقندي بحر العلوم [3 /244]:

 

{ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } يعني : ليحفظ ويقوى به قلبك ، ونفرحك؛ فكلما دخل قلبه الغم نزلت عليه آية وآيتان ، فيفرح بها ... كذلك أنزلناه لتحكم عند كل حادثة ، وعند كل واقعة لتقوي به قلبك في ذلك.

 

9- تفسير الجلالين [6 /398]:

 

"لِنُثَبِّت بِهِ فُؤَادك" نُقَوِّي قَلْبك.

 

10- تفسير الشعراوي [ص 6431]:

 

والحكمة من ذلك { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } [ الفرقان : 32 ] لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف تزلزل ؛ فكلما تعرضْتَ لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسليةً لك وتثبيتاً وَصِلةً بالسماء لا تنقطع . ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان التثبيت مرة واحدة ، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت ، ولا شكَّ أن الصلة بالسماء تُقوِّي المنهج وتُقوِّي الإيمان .               وغيرهم

 

وحتى بعد اكتمال القرآن؛ فالإنسان لا يزال يشعر بأهمية التدرج؛ فإنه مهما ختم المسلم من ختمة للقرآن ؛فإنه قد يغفل عن معنى لإحدى الآيات ، ثم إذا صادف في حياته مشكلة ما ، وقرأ تلك الآية إذا به يستشعر معناها وأنها تعالج مشكلته الكبيرة، وكأنه أول مرة يقرأُها ! فيكون تثبيت الآية لقلبه عظيما ، ويتفاجأ أن القرآن كان معه، لكنه هو من غفل عنه.

 

وقد حصل شيء من هذا للصحابة رضي الله عنهم بما فيهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب! رضي الله عنهم أجمعين؛ حيث أورد البخاري في صحيحه [4 /463] :

 

عَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ؛ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ؛ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ: أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا.

 

قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ؛ فَقَالَ: اجْلِسْ؛ فَأَبَى! فَقَالَ: اجْلِسْ؛ فَأَبَى! فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ؛ فَقَالَ:

 أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ... إِلَى: الشَّاكِرِينَ }

وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ؛ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا )). انتهى الحديث ..

 والجملة الأخيرة هي موضع الشاهد؛ فالصحابة رضي الله عنهم يعلمون الآية مسبقا لكنها لم تقع موقعها العظيم إلا عندما حصلت لهم تلك الحادثة؛ فعاشوا الآية، وانتبهوا أن القرآن معهم في حياتهم.

 

ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص أن يتعلم كل مسلم أحد الأدعية المهمة التي بها يعيش المسلم مع القرآن في حياته؛ ففي الحديث الذي رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:

عن ابن مسعود رضي الله عنه :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال:

اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل قضاؤك؛ أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛

إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا ".

قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات.

قال: أجل. ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن.

 

فما أحكم الله ؛ عندما أنزل القرآن مفرقا آية آية !   وسبحان الله الحكيم العليم اللطيف الرحيم ،وتعالى الله عما يشركون.

 

أما آية سورة الإسراء فيقول الله عز وجل فيها:

 

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106))

 

قال السعدي في تفسيره  [ص 468] :

أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا بين الهدى والضلال، والحق والباطل. { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه.

 

وفي تفسير أبي السعود [4 /230] :

{ وَقُرْءانًا } منصوب بمضمر يفسّره قوله تعالى : { فَرَقْنَاهُ } وقرىء بالتشديد دَلالةً على كثرة نجومِه { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ } على مَهل وتثبُّتٍ ؛ فإنه أيسرُ للحفظ وأعونُ على الفهم ، وقرىء بالفتح وهو لغة فيه { ونزلناه تَنْزِيلاً } حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة ويقع من الحوادث والواقعات .

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.