إعجاز القرآن التشريعي في حق الفرد والمجتمع


الإعجاز التشريعي في حق الفرد والمجتمع

 

الفرد في ظل الشريعة الإلهية يستمتع بما يكفل له الحياة السوية النظيفة المتوازنة ، ابتداءً من التكريم الإلهي في قوله – جل شأنه - :{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [الإسراء: 70].

 

فلا يُتجسس عليه ، ولا يؤخذ بالظِّنة، ولا يؤخذ بجريرة غيره ، ولا يقتحم عليه مسكنه ، ولا تنتهك حرماته، وهو بريء حتى تثبت إدانته ، ولا يضرب ، ولا يعذّب ، ولا تقيد حريّته بغير موجب ، ولا بُدَّ عند اتهامه من قرائن تؤكد الاتهام ، ولكن لا تؤخذ منه الاعترافات قسراً ولا بالإغراء ، ويحاكم – حين يحاكم – بمقتضى الشريعة الربانية لا على هوى من يحاكمه.

 

وله نشاطه المشروع : يعمل ويتكسب كسباً حلالاً ، ويمتلك ، ويبيع ويشتري ، ويرث ويورث ، ويهب ويتصدق من ماله كما يشاء ، لا قيد في شيء من ذلك إلا ما تقتضيه الشريعة .

 

وأمَّا ما يسمى اليوم ( الحقوق السياسية ) فهي في الإسلام واجبات .. فالنّصح للحاكم والمحكوم واجب شرعاً : ( الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ([1])

 

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، وهو من صفات المفلحين ، ومن لوازم الإيمان، قال الله تعالى:{ ولتكن منكم أُمّةٌ يَدعون إلى الخَيرِ ويأمُرون بالمعروف ويَنهونَ عنِ المنكر وأولئك هم المفلحون } [ آل عمران : 104 ] ، وفي الحديث عند مسلم بسنده:( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )) ([2])

 

وللفرد المسلم حقه في بيت المال إذا احتاج، قال الله تعالى : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 60].

 

وهكذا تكون الحياة الكريمة الطيبة مكفولة للفرد المسلم من كل جوانبها ، وفي ما يحتاجه ما دام في ظل حكم الإسلام وشريعته .

 

ومع هذا كله فليس متروكاً لهواه يفعل ما يشاء في ظل ( الحرية الشخصية )! كما هو الحال في النظم اللبرالية ، التي تجعل من الحرية الشخصية ما يتناقض والفطرة السوية ، فالتنكر لله الذي نعمه لا تحصى بالإلحاد والكفر حرية عقدية !!

 

وانتهاك الأعراض وخلط الأنساب وتضييع حقوق الذرية والنساء والرجال بـــــ الزنا والشذوذ والفاحشة ؛ حرية شخصية !!

وتطاول الغني الظالم – في الغالب - على الفقير الضعيف، أو الفقير الظالم على الفقير الضعيف بـــ الربا وأكل أموال الناس بالباطل حرية فردية !!

والظلم والاستبداد والبطش حرية شخصية تقتضيها المصلحة والسياسة !! ([3])

 

بينما نجد الشريعة الربانية وفي توازن بديع ، تعطي الفرد حقوقه ، وتكفل كرامته ، مع مراعاة حق الجماعة وكيانها ، فلها حق تقويم الفرد – أيّاً كان موقعه – حين يتجاوز حدوده المشروعة ، فيتعدى على حرمات الله ، ويتخطى حدوده ، أو يعيث في الأرض فساداً ، أو يؤذي غيره ، أو يقترف حَدًّا من الحدود الشرعية في حق الله – سبحانه – أو حقوق عبيده ، فليس له حجة في أن يتذرع بالحرية الفردية التي ضُمِنَتْ له في الحكم الإسلام وشريعته .

 

ولا يحق للفرد الخروج عن العرف ، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وتزيين المنكر بالقول أو العمل ، وتزيين الخروج على أوامر الله ، والدعوة إلى الفساد من أي نوع فكرياً  كان أو اجتماعياً أو أخلاقياً أو اقتصادياً أو سياسياً .. فمن حق الجماعة أن تحمي نفسها من ذلك الشر كله ، وحقها في ذلك مقدس كحق الفرد .

فلا غلوّ في حق الفرد ، ولا شطط في حق الجماعة ، بل الجميع في ميزان العدل والقسط { لَقَد أَرسَلنا رُسُلنا بِالبَينات وأَنزلنا مَعَهُم الكِتاب والمِيزانَ لِيَقوم الناسُ بالقسط } [ الحديد : 25 ] ([4]).

 

 

v  الكاتب: د.أحمد بن محمد القرشي.

 


[1]رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الدين النصيحة ، برقم ( 55 ) ( نووي 2 / 396 – 397 ) .

[2]كتاب الإيمان ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ، برقم ( 49 ) ( نووي 2 / 380 – 381 ) .

[3]لا يأتون بمثله ( ص 185 – 186 ) بزيادات وتصرف ، وانظر / شبهات حول الإسلام ( ص 178 – 183 ) كلاهما للشيخ / محمد قطب .

[4]المرجع السابق ( ص 187 – 188 ) ، وانظر / مباحث في علوم القرآن ( ص 278 – 279 ) للقطان .