من وصايا القرآن الكريم: الوصايا العشر


من وصايا القرآن الكريم: الوصايا العشر

 

قال الله تعالى في سورة الأنعام :

 

{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}

 

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكل من يدعو إلى الله : { قُلْ } لكل الناس. { تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال.

 

  • · الوصايا العشر هي :

 

الوصية الأولى: { أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.

 

أي: لا قليلا ولا كثيرا.وحقيقة الشرك بالله: أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يُعظم كما يعظم الله، أو يُصرف له نوعا من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ترك العبدُ الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.

فمن زعم أن لله شريكا فقد استنقص ملك الله وعزة الله وقهر الله، وأما من لم يشرك بالله فقد آمن بأن هو الله الواحد القهار الملك العزيز قال الله سبحانه: { قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)} [سبأ: 27]

 

 

الوصية الثانية: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }.

 

بدأ بآكد الحقوق بعد حقه – سبحانه وتعالى- وهو حق الوالدين؛ فأمر بالإحسان إليهما بالأقوال الكريمة الحسنة، والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق. فهنيئا لمن بر والديه ، وليحذر من عق والديه.

 

 

 

الوصية الثالثة:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ }.

 

من ذكور وإناث { مِنْ إِمْلاقٍ } أي: بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال، وهم أولادهم، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم، من باب أولى وأحرى.

{ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق.

 

 

الوصية الرابعة:{ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ }.

 

وهي:الذنوب العظام المستفحشة، { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي. والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها.

 

 

الوصية الخامسة:{ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ }.

 

وهي: النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق. { إِلا بِالْحَقِّ } كالزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.

 

{ ذَلِكُمْ } المذكور { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به.

 

 

الوصية السادسة: { وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ }.

 

بأكل، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب. { إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها. فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، { حَتَّى يَبْلُغَ } اليتيم { أَشُدَّه } أي: حتى يبلغ ويرشد، ويعرف التصرف، فإذا بلغ أشده، أُعطي حينئذ مالُه، وتصرف فيه على نظره.

 

 

الوصية السابعة:{ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ }.

 

أي: بالعدل والوفاء التام، فإذا اجتهدتم في ذلك، فـ { لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: بقدر ما تسعه، ولا تضيق عنه. فمَن حرَص على الإيفاء في الكيل والوزن، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه، ولم يعلمه، فإن الله عفو غفور .

 

 

وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك.

 

 

الوصية الثامنة:{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى }.

 

قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال { فَاعْدِلُوا } في قولكم، بمراعاة الصدق في من تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم.

وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين، في لحظه ولفظه.

 

 

الوصية التاسعة:{ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا }.

 

وهذا يشمل العهد الذي عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها، ويشمل العهد الذي يقع التعاقد به بين الخلق. فالجميع يجب الوفاء به، ويحرم نقضه والإخلال به.

 

 

{ ذَلِكُمْ } الأحكام المذكورة { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما بينه لكم من الأحكام،وتقومون بوصية الله لكم حق القيام، وتعرفون ما فيها، من الحكم والأحكام.

 

 

ولما بين كثيرا من الأوامر الكبار، والشرائع المهمة، أشار إليها وإلى ما هو أعم منها فقال في الوصية العاشرة: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا َفاتَّبِعُوهُ}.

 

أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر.

{ فَاتَّبِعُوهُ } لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح. { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس هناك إلا طرق توصل إلى الجحيم.

{ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم علما وعملا صرتم من المتقين، وعباد الله المفلحين، ووحد الصراط وأضافه إليه لأنه سبيل واحد موصل إليه، والله هو المعين للسالكين على سلوكه. ([1])

 

 

وفي الختام هذه خلاصة للوصايا العشر ، لنبدأ من الآن العمل بها سويا في الدنيا إن شاء الله ، ثم نقطف ثمارها سويا في الجنة.

 

 

الوصايا العشر هي :

 

1- { أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }.

أن لا تشركوا معه شيئًا من مخلوقاته في عبادته، بل اصرفوا جميع أنواع العبادة له وحده، كالخوف والرجاء والدعاء، وغير ذلك.

2- { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} .

وأن تحسنوا إلى الوالدين بالبر، والدعاء، ونحو ذلك من الإحسان.

3- {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}.

ولا تقتلوا أولادكم مِن أجل فقر نزل بكم; فإن الله يرزقكم وإياهم.

4- {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}.

ولا تقربوا ما كان ظاهرًا من كبير الآثام، وما كان خفيًّا.

5- {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}.

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وذلك في حال القصاص من القاتل، أو الزنى بعد الإحصان، أو الردة عن الإسلام.

6- {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}.

ولا تقربوا أيها الأوصياء مال اليتيم إلا بالحال التي تصلح بها أمواله ويَنْتَفِع بها، حتى يصل إلى سن البلوغ ويكون راشدًا، فإذا بلغ ذلك فسلموا إليه ماله.

7- {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}.

وأوفوا الكيل والوزن بالعدل الذي يكون به تمام الوفاء.

8- {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}.

وإذا قلتم فتحرَّوا في قولكم العدل دون ميل عن الحق في خبر أو شهادة أو حكم أو شفاعة، ولو كان الذي تعلق به القول ذا قرابة منكم، فلا تميلوا معه بغير حق.

9- {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا}.

وأوفوا بما عهد الله به إليكم من الالتزام بشريعته.

10- {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.

ومما وصاكم الله به أن هذا الإسلام هو طريق الله تعالى المستقيم فاسلكوه، ولا تسلكوا سبل الضلال، فتفرقكم، وتبعدكم عن سبيل الله المستقيم. ذلكم التوجه نحو الطريق المستقيم هو الذي وصَّاكم الله به; لتتقوا عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. ([2])

 

إعداد: متعب الحارثي. 

 


[1]انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ( المتوفى سنة 1376هـ) .

[2]انظر: التفسير الميسر لمجموعة من العلماء، من إصدار مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.