العقوبات و الحدود و التعزيرات في الإسلام


   ما يتعلق بقضية الجريمة والعقوبات الشرعية سواءٌ كانت حدوداً شرعية مقدرة أو تعزيراً تراعى فيه مصلحة الأمة والفرد فلا تغلب واحدة على الأخرى؛ وذلك أنَّ ( العقوبات والحدود ما هي إلاّ إصلاح لحال الناس ، فمقصد الشَّارع من العقوبات من قصاص وحدود وتعزير ؛حفظ نظام الأمة ، وليس يُحفظ نظامها إلاّ بسدِّ ثلمات الهرج والفتن والاعتداء ، وأن ذلك لا يكون واقعاً موقعه إلاّ إذا تولته الشّريعة ونفَّذته الحكومة ، وإلاّ لم يزدد النَّاسُ بدفع الشرِّ إلاّ شرًّا ، كما أشار إليه قوله تعالى : { وَمَن قُتِلَ مَظلوماً فقد جعلنَا لِوَليّهِ سُلطاناً فلا يُسرِف في القَتْلِ } [ الإسراء : 33 ] ... ) ([1])

وعند تأمل أبواب الحدود يجد الباحث أن كُلَّ حَدٍّ وضع لحفظ أحد الضرورات الخمس :
 
ففي حَدِّ الردة حفظ الدين .

وفي حَدِّ الزنا حفظ الأنساب .

وفي حَدِّ الخمر حفظ العقل .

وفي حَدِّ القذف حفظ العرض .
 
وفي حَدِّ السرقة حفظ المال ، أليس هذا من الإعجاز ([2]).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قضية الحدود والعقوبات لا تقسو على الفرد لحساب الجماعة – وإن اعتقد بعض الناس ذلك بالنسبة للعقاب في الإسلام - ، ولا تُدَلِّلُ المجرم كذلك حتى تجعله مجنياً عليه في المجتمع كما تفعل النظم التي تأثرت بمباحث علم النفس التحليلي ، الذي يحسن أن نسمِّيه ( علم تبرير الجريمة ) لأن هذا ما يؤدي إليه بالفعل ! .
 
فالشريعة إنما تنظر إلى الجريمة والعقاب بعين الفرد وعين الجماعة معاً في ذات الوقت .
 
ومن الإعجاز في القرآن أنه لا يبدأ بفرض العقوبات الرادعة كما يظن الذين يقرؤون النصوص القرآنية بغير تدبر ، وبدون نظر إلى أخواتها من النصوص الأخرى ؛ التي تحذر الفرد من قرب المنكر ، وتحث على التدابير الواقية من الوقوع في الفاحشة أياًّ كانت ، فلا يُلْتَفَت إلى هذا كله ، وإنما يتم التركيز على النصوص المباشرة في العقوبات كقوله تعالى : { {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [المائدة: 38] ، ويجدون في تلك النصوص – أيضاً – {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].
 
وقوله : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 33].
 
و نحوها من الآيات، و ليس هذا التصرف من شأن من يتصف بالإنصاف و يريد الوصول إلى الحق و يبحث عن الحقيقة، بل الإنصاف أن ننظر إلى معالجة الإسلام لمشكلة الجرائم نظرة شاملة، لنعلم كيف تدرج الإسلام في القضاء على الجريمة، حيث لم يبدأ مباشرة في فرض العقوبات إنما يعمل الإسلام أولاً لمنع الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة ؛ بأن يكفل للفرد كل الضمانات المعقولة التي من شأنها أن تجعل الفرد السوي لا يفكر في الجريمة أصلاً ، ولا يجد مسوغاً لها .
فإذا ارتكبت الجريمة بعد ذلك ، فهو غير معذور . ثم إن العقوبة الرادعة التي تقررها الشريعة هي ذاتها وسيلة لأن تجعل الجاني يفكر مرات قبل أن يقدم على الجريمة ، فإذا أقدم بعد ذلك ، وليس له عذر ولا مسوغ معقول ، وفيه استهتار وعدم مبالاة ، فالإشفاق عليه ، وتخفيف العقوبة عنه ، يُعدَّان نشراً للجريمة في الواقع وتشجيعاً عليها ، ولا يعتبر علاجاً ناجعاً لحماية المجتمع من الجريمة .
 
وواقع الغرب الذي يعيشه الآن خير شاهد على الخلل الواقع بسبب الأخذ بنظريات ( علم النفس التحليلي ) و ( الدراسات الاجتماعية ) التي تنظر بعين الفرد ضد الجماعة ، ويشهد بصدق ما نقول ، فالجرائم هناك من الكثرة والشيوع بحيث تعد بالثانية ، لا باليوم ولا بالساعة ولا بالدقيقة ،فيقال : تحدث في كل ثانية كذا جريمة قتل ، وكذا جريمة سرقة ، وكذا جريمة اغتصاب ، وكذا .. وكذا ، من صنوف الجرائم ! ([3])
ومن ناحية أخرى فالإسلام ينظر في دوافع الجريمة عند الفرد فيعمل على تلافيها قبل وقوعها ، أو جعل مرتكبها غير معذور في ارتكابها فإن وجد أنه معذور فعلاً فالشريعة تدرأ الحدود بالشبهات . ([4])

فمثلا من دوافع جريمة السرقة : الجوع .. والإسلام يسعى – بوسائله المختلفة: كالزكاة، والصدقة، وإيتاء ذي القربى حقه، خاصة الوالدين، والإحسان لليتيم، والفقير، والمسكين، والمؤلفة قلوبهم، والغارمين، والسائلين، وفي الرقاب ، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والهدية، وتضييف الضيف، والإحسان للجار ونحو ذلك – ألاّ يكون في المجتمع جائع يضطره الجوع إلى السرقة ، فإن وجد فإنه يدرأ عنه الحد ، كما فعل عمر – رضي الله عنه – عام الرمادة ، حين جاع الناس فأوقف تطبيق حد السرقة لوجود الشبهة ، ولم يكن ذلك منه إبطالاً للشريعة كما يرجف المرجفون ، إنما كان هو التطبيق الواعي لشريعة الله . ([5])

يقول ابن القيم – رحمه الله – في هذا الشأن : ( وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ ، وهذا مَحْضُ القياس ، ومقتضى قواعد الشرع ؛ فإنَّ السَّنَةَ إذا كانت سنة مجاعة وشدة ؛ غلب على الناس الحاجة والضرورة ، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رَمَقه ، ويجب على صاحب المال بَذْلُ ذلك له ، إمّا بالثمن أو مجاناً ، على الخلاف في ذلك ؛ والصحيح وجوب بذله مجاناً ؛ لوجوب المساواة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج ، وهذه شبهة قوية تَدْرَأُ القطع عن المحتاج ، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء ... وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره ، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه ، فَدُرِئ ، نعم إذا بان أَنَّ السارق لا حاجة به وهو مستغنٍ عن السرقة قطع . ) ([6])

ومن زاوية أخرى نجد أن الشريعة الإسلامية نظرت إلى دوافع الزنا فوجدته ينبعث من فورة الشهوة التي تجري في البدن تحت مؤثرات كثيرة كالتبرج والاختلاط وغيرها ، مِمَّا يؤدي إلى شرور ومفاسد عظيمة ، كانتشار الأمراض الجنسية وضعف بنية الشباب ، وتشتيت الحياة العائلية ودوام فَقْرِ مُرْتَكِبِه ، ونُفْرَةِ الناس عنه ، مع ما فيه من ذهاب الورع ، وفساد المروءة ، وقلة الغيرة ، وتعرض صاحبه للعذاب في القبر ويوم القيامة . ([7])

لذلك أمرت شريعة الإسلام بغض البصر، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور: 30، 31].
 
ومنعت الشريعة الإسلامية خلوة الرجل بالمرأة والسفر بدون محرم، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ) ([8]) .
بل حتى في أماكن الصلاة حث على ألا يقترب الذكور من الإناث والإناث من الذكور، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا ) ([9]).
 
والإسلام يسعى – بوسائله المتعددة – لإتاحة المنطلق الطبيعي النظيف لفورة الغريزة بتيسير الزواج والحث عليه والتبكير فيه ، ويعمل لتوجيه طاقات الشباب إلى ميادين العمل والإنتاج والنشاط – سواء في العمل للدنيا أو للآخرة – وهذا فيه منافع كبيرة للشباب فلا يجدون الوقت الذي يخلون فيه مع أنفسهم ليفكروا في الزنا ودوافعه ، وفيه – أيضاً – تخفيف الحمل على الأعصاب .
 
وكذلك يعمل الإسلام على تربية الناس على مخافة الله – تعالى – والتوجه بالعبادة إليه ، وإبراز عبادة الصبر حتى يأتي الفرج من عند الله – تبارك وتعالى – {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] ([10])
 
وكذلك الجرائم الأخرى ، لكل منها دوافع ، والإسلام يسعى أولاً لِسَدِّ الذرائع ، حتى لا يكون لمرتكب الجريمة عذراً في ارتكابها ، فإذا ارتكبها وهو غير معذور أقيم عليه الحد ، وإن كانت له شبهة فالشبه تدرأ الحد ..
 
نظام دقيق .. يأخذ الأمر من جميع زواياه في آن واحد ؛ فلا يُنكل بالجاني لمجرد التنكيل ، ولا يُدَلِّلُهُ  كذلك فيشجعه على الاستهتار بأرواح الناس وممتلكاتهم وأعراضهم وأمنهم ومصالحهم .
 
وفي المجتمع الإسلامي الذي يطبق الشريعة تقل الجرائم بصورة ملحوظة ، ويسود الأمن والاستقرار والطمأنينة ، وتحف البركة حياة الناس تحقيقاً لوعد الله : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ..} [الأعراف: 96] . ([11])

 
.....................................................................................................................................................

 

[1]- مقاصد الشريعة الإسلامية ( ص 381 ) للطاهر ابن عاشور . بتصرف .

[2]- انظر / الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ( ص 8 ) للشيخ العلامة / بكر أبو زيد .

[3]- انظر / لا يأتون بمثله ( ص 188 – 189 ) .

[4]- ورد في هذا المعنى حديث ضعيف يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم (( ادرؤوا الحدود بالشبهات )) وقيل موقوف على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ومعناه صحيح . انظر / المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ( ص 74 – 75 ) للسخاوي ، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس ( 1 / 73 – 74 ) للعجلوني .

[5]- لا يأتون بمثله ( ص 189 – 190 ) بتصرف .

[6]- إعلام الموقعين عن رب العالمين ( 3 / 23 ) . ط محي الدين عبد الحميد .

[7]- انظر / روضة المحبين ( ص 366 – 369 ) ، والجواب الكافي ( 157 – 158 ) ، والحدود والتعزيرات ( ص 100 – 106 ) ، والتدابير الواقية من الزنا ( ص 51 – 79 ) د . فضل إلهي .

[8]- رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب : من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة .

[9]- رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب : تسوية الصفوف وإقامتها .

[10]- انظر / لا يأتون بمثله ( ص 190 ) .

[11]- المصدر نفسه ( ص 190 ) .





ترجمة المقال