معجزة الحجاب لأولي الألباب


   معجزة الحجاب لأولي الألباب

الحجاب لغة: هو الساتر أو العازل أو الغطاء. وله عدة معان في الشريعة الإسلامية. فهو أولاً يعنى تلك الملابس التي تستر بدن المرأة وتغطي رأسها أيضًا، كما يعني كذلك وجود فصل بين الجنسين أي عدم الاختلاط ، وثالثًا عدم إبداء الزينة لغير المحارم.
والحجاب هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها منذ أن خلق - سبحانه - آدم وزوجه حواء - عليهما السلام - ودليل ذلك قوله تعالى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه: 112](1). 

ومن هذا يتَّضح أن "الستر" وتغطية العورات فطرة إنسانية أصيلة خلق الله - تعالى - آدم وحواء وذريتهما عليها، وأن التعري 
وفضح العورات من عمل الشيطان.
وسوف يشعر البعض بالعجب والدهشة عندما نقول أن الحجاب بمعنى الستر والغطاء والعازل أو الحماية موجود في عالم النبات والحيوان أيضًا.
فكل أنواع الزهور تحيط بها الأوراق من كل جانب ، وبعضها تحيط به أشواك كثيفة لحمايتها. وكل أنواع الحبوب لها غلاف أو سنابل تحميها.. بل أرشدنا القرآن الكريم إلى أن خير وسيلة لحماية الحبوب من التلف والفساد هي الإبقاء عليها داخل سنابلها طوال فترة التخزين {فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ} [يوسف: 47] (2).
 وكل الثمار والفواكه لها قشرة أو جلدة خارجية لحمايتها أيضًا من التلف بفعل عوامل البيئة مثل الموز والبطيخ والمانجو والبلح وغيرها.
وفى عالم الحيوان نلاحظ أن اللؤلؤ الثمين يحتمي بأصداف قوية من بطش الأسماك والكائنات البحرية الضخمة المفترسة . وتغطي السلحفاة جسدها بدرقة صلبة يستحيل على الحيوانات المفترسة كسرها أو اختراقها لالتهام السلحفاة الضعيفة. وتكسو جسم "القنفذ" غابة من الأشواك كفيلة بصد كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء عليه. وتلتف الطيور برداء كثيف من الريش لحماية أجسادها الضعيفة من حرارة الشمس وبرد الشتاء.
وهكذا نرى بوضوح أن الحجاب ليس موجودًا فقط في عالم البشر، بل هو موجود منذ بدء الخليقة في كل الكائنات الحية الأخرى. وقد خلق الله بحكمته عظام الجمجمة التي تحيط بالمخ من كل جانب لحمايته، كما يحجب القلب ويحميه بسلسلة من عظام القفص الصدري.
وفى عالم الكواكب نلاحظ مثلاً أن "أُمُنَّا" الأرض يحيط بها غلاف جوي محكم "لحجبها" وحمايتها من الإشعاعات الكونية المدمرة التي تصدرها الشمس وغيرها من النجوم الهائلة. وتشير أحدث الأبحاث العلمية إلى وجود طبقة عازلة أيضًا حول العديد من الكواكب الأخرى لذات الغرض.
وبذات المنطق يمكننا أن نُفَسِّر منطق الإسلام في فرض الحجاب على بنات حواء. فالمرأة في الإسلام مثل الزهرة الرقيقة أو الجوهرة الغالية التي يجب الحفاظ عليها وحمايتها من الذئاب الجائعة وأعين المتلصِّصين الذين يحاولون التهام الأجساد الناعمة ولو بنظرات فاجرة إلى ما حرَّم الله الإطلاع عليه لغير الأزواج وذوي القرابة المباشرة.
ثم ماذا يفعل الأثرياء الذين يمتلكون ثروات طائلة من المجوهرات والتُّحَف النادرة والأموال؟

 بل ماذا يفعل الإنسان العادي للحفاظ على أوراقه ووثائقه الهامة ومستندات ملكيته؟  

ألا يلجأ كل هؤلاء إلى الحفاظ على هذه الأشياء الغالية داخل خزائن مُحكمة لحمايتها من الضياع أو السرقة!

ولم يكن الإسلام هو أول من أمر النساء بالحجاب. إذ أن هناك نصوصًا في التوراة والإنجيل – رغم تحريفهما – صريحة وقاطعة الدلالة على أن الحجاب بل النقاب كان في السابقين على بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ويعترف أعداء الحجاب الإسلامي بأن الحجاب كان موجودًا في كل الأمم القديمة مثل الفرس, واليونان والأشوريين وقدماء المصريين.
ومن الأدلة على فرض الحجاب في الديانة اليهودية ما جاء في سفر التكوين: "ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت من الجمل، وقالت للعبد: مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا فقال العبد: هو سيدي ، فأخذت البرقع وتغطَّت".
 
وجاء في الإنجيل: "وكل امرأة تصلي أو تتنبأ وليس على رأسها غطاء تجلب العار على رأسها ، وإن كشف الغطاء كحلق الشعر تمامًا، فإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فليقص شعرها" (كورنثوس 11: 5، 6) وهذا نصٌّ قاطع الدلالة على فرضية الحجاب على نساء النصارى أيضًا.
ولا يمكن لليهود أو النصارى إنكار أن السيدة مريم - عليها السلام - كانت ترتدي حجابًا إسلاميًّا كاملاً شاملاً مغطِّيًا لكل الجسد ، كما طَبَّقَت الحجاب كذلك بمعناه الآخر وهو تجنب الاختلاط بالرجال من غير المحارم . ولم تبدِ زينتها لأحد مُطلقًا، وهذا تطبيقٌ للحجاب بمعناه الثالث. ولا يعيب الإسلام أنه أقرَّ الآداب والأخلاق التي جاءت بها الأديان السابقة، فقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتمم مكارم الأخلاق.
 
بل إن الأمر الإلهي الوارد في القرآن لنساء النبي ونساء المؤمنين بارتداء الملابس الساترة لكل المفاتن ، هو في حد ذاته دليل قاطع على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو دليل في ذات الوقت على كذب وتناقض أقوال وافتراءات المستشرقين وتلاميذهم في كل مكان وزمان.
ولتفصيل ذلك نقول:
إن أعداء الإسلام يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رجلاً شهوانيًّا يحب النساء ، كما أنَّهم ينكرون نبوَّته بطبيعة الحال.

 ونسأل هؤلاء: ما الذي يحبه الرجل الشهواني ويهواه؟

 أليس مثل هذا الصنف من الرجال هو الذي يتطلَّع إلى مفاتن أجساد النساء، ويهمه دائمًا أن تكون كل تلك الأجساد الفاتنة مكشوفة لعينيه، كما يعجبه أيضًا أن تتفنن النساء في ارتداء أحدث الأزياء الخليعة المبتكرة الجاذبة لأعين هؤلاء الرجال من أصحاب الأهواء والشهوات كما يحدث في الغرب على أوسع نطاق ممكن!!
هل يأمر الرجل الشهواني النساء بستر أجسادهن ، وعدم كشف المفاتن لغير الزوج والمحارم!! لو كان - عليه السلام - كما تزعمون لأمر النساء بالتعري والتهتُّك كما تفعلون أنتم، لكنه أمرهن بالستر والعفاف وهذا وحده كاف لنسف كل افتراءاتكم وإثبات صدقه وطهارته ونبوته.
وهل يأمر الرجل الشهواني أتباعه بحفظ وصيانة الفروج إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم!
وهل يهتم الرجل الشهواني بغض الأبصار!


وهل يحظر عليهم وعليهن الاختلاء والاختلاط بالأجانب من الرجال والأجنبيات من النساء!!
وهل مثل هذا الشهواني يأمر الرجل بتجنب مضاجعة الزوجة إذا كانت حائضًا أو نفساء وتجنب الإتيان في الدُبُر!!

لو لم يكن نبيًّا لكان الأفضل له أن يترك الحبل على الغارب لأتباعه ، كما يفعل من لا خَلاَق لهم من الزعماء السياسيين وطُلاَّب الرئاسة والدنيا الذين يتركون لأنصارهم حرية ممارسة الجنس وفعل كل الشهوات بلا ضوابط أو حدود أو قيود، كسبًا للولاء وحرصًا على جذب مزيد من الأتباع والأنصار. لكنه - عليه السلام - فعل العكس تمامًا، وفُرِض العفة والحشمة وكبح جماح الشهوات على الجميع كما يعلم كل من درس السيرة العَطِرة. وكذلك طَبَّق - صلى الله عليه وسلم - العقوبات الشرعية التي أمر الله بها – الرجم والجلد – على كل مَن ارتكب الفاحشة من الرجال أو النساء.

وهذا أيضًا يثبت أنه نبي حقًّا أرسله ربه بالحق والعدل وتحريم الفواحش والمنكرات، ولو كان رجلاً شهوانيًّا يحرص فقط على الملذَّات والرئاسة وغيرها من متاع الدنيا لما جاء بشيء من تلك الأوامر والنواهي التي تكفل حياة طاهرة شريفة.


                                                                 فاكهة مصونة

سألت سيدة أوروبية شابًّا سودانيًّا مسلمًا: لماذا يفرض دينكم على النساء هذه الملابس التي تغطي كل جسمها؟!

 ورد عليها الشاب الذكي بسؤال آخر: سيدتي.. لو ذهبت إلى أحد المحالِّ لشراء بعض الفاكهة، ووجدت هناك نوعين من ذات الفاكهة أحدهما مُغَلَّف ومُغَطًّى لتبقى نظيفة بعيدة عن الأتربة والذباب، والنوع الآخر مكشوف يعلوه التراب والذباب، فأي النوعين ترتاح نفسك إلى شرائه فأجابت السيدة غير المسلمة بسرعة: 
أشتري النوع النظيف المغطى طبعًا.. 

ابتسم الشاب قائلاً: هكذا هي نظرة الإسلام إلى المرأة يا سيدتي.. إنها فاكهة يجب أن تُغَطَّى لتبقى سليمة نظيفة من غبار الفتن وأعين المتطفلين الذين هم كالذباب أو أشد خطرًا.. وإزاء هذا الجواب العبقري ابتسمت السيدة الأوروبية إعجابًا، وأقرَّت بأنها قد فهمت للمرة الأولى حكمة الإسلام في الحجاب بهذا التشبيه الجميل البسيط.

 وهذا الأسلوب الذي استخدمه هذا الشابُّ العاقل هو بالضبط ما نحتاجه بشدَّة هذه الأيام، فنحن نملك بضاعة ثمينة نفيسة تحتاج فقط إلى من يحسن عرضها ويجيد شرح مزاياها ليقبل عليها الآخرون عن رضا واقتناع ويقين.

وتزعم دول الغرب وجمعيَّات حقوق الإنسان هنا وهناك أنها ترعى الحقوق والحرِّيَّات لكل البشر... فإذا قابلت امرأة في باريس أو لندن مثلاً ترتدي ما يُظْهِر معظم جسدها، فإنك لا تستطيع أن تقول لها كلمة واحدة استنكارًا لهذا ، والرد الجاهز عليك:
 إنها حُرَّة في بلد حُرٍّ ترتدي ما تشاء!! وأية محاولة للتدخل بهذا الصدد هي خرق لحريتها الشخصية وعدوان على حقوقها!!

 ونسأل هؤلاء: أليست للمرأة المسلمة حرية شخصية أيضًا في ارتداء ما تشاء من حجاب أو نقاب!! 

أم أن الحرية لكم وحدكم وليس لمسلم أو مسلمة فيها نصيب؟!
الحقيقة المرة هي أن الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير هو نهج القوم في كل ما يخص قضايا الإسلام والمسلمين!! 

ونشير أيضًا إلى أن الضجة المفتعلة التي أحدثها حجاب تلميذة صغيرة في فرنسا – وذات الأمر حدث في انجلترا – تثبت أن تلك الدول التي ترفع شعار الحرية لا نجد لها مبرراً فيما ترفعه من شعارات وما تمارسه من مواقف تقيد حرية الحجاب الإسلامي.

أية دولة هشَّة تلك التي تقوم فيها الدنيا ولا تقعد بسبب غطاء رأس تلميذة صغيرة! هل غطاء رأس طفلة يهدد الأمن القومي الفرنسي أو الانجليزى!! إنه فقط العجز عن وقف المد الإسلامي المبارك، واعتناق الملايين هناك سنويًّا للإسلام، فلا يجد القوم متنفَّسًا لرعبهم من الدين الحق إلا بإثارة مثل تلك الزوبعة بين الحين والآخر حول الحجاب والمحجبات.

وماذا عن قتل مسلمة مصرية في ألمانيا – د. مروة الشربينى – لمجرد أنها رفضت خلع الحجاب!! أية حرية تلك التي يزعمون!!

                                                          نوابغ ومحجبات

وهناك من يزعم أن الحجاب يعوق المرأة عن العمل والإبداع.. والردُّ الفوري أن هذه مغالطة تنسفها وقائع التاريخ، كما تنفيها حقائق الحياة في عصرنا.

 فلم يمنع الحجاب أمهات المؤمنين من تعليم كبار الصحابة حتى من الرجال، ولم يمنع الحجاب السيدة عائشة مثلاً من التفقُّه في الإسلام والشعر والطب واللغة، ويكفي أنها رَوَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ألفى حديث.

 ولم يمنع الحجاب أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنها - من القيام بما يعجز عنه عشرات الرجال من تغطية لهجرة أبيها وصاحبه وإمدادهما بالطعام حتى إنها قطعت جزءًا من "نطاقها" - كما هو معروف - لتغطي به الطعام. 

وكذلك لم يمنعها الحجاب من مجابهة الطاغية الحجاج الثقفي يوم قتل ابنها عبد الله بن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق.. وصفعته بشدة وصرامة بكلمات عجز آلاف الرجال عن مواجهته بمثلها، وأخبرته بحديث شريف عن قومه ثقيف أنه يخرج منهم كَذَّاب ومُبير أي: طاغية دموي سفاح(3).. ولم يتجرَّأ الحجاج على المساس بها، وخرج من عندها يجر أذيال الخيبة والعار.

ولم يمنع الحجاب نُسيبة بنت كعب الأنصارية - رضي الله عنها - من القتال في غزوة أحد، وكانت من الذين شكَّلوا درعًا بشريًّا حول النبي - عليه السلام - لحمايته من هجوم المشركين بسبب مخالفة الرماة لأوامر النبي بعدم التحرُّك من مواقعهم. وثبتت نسيبة كأشد الأبطال بأسًا وجسارة وصرعت وحدها عددًا من المشركين، كما تلقَّت طعنات خطيرة وهي تفتدي النبي - عليه السلام - بنفسها، وأثنى عليها - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أن مقامها في القتال لحمايته والدفاع عنه كان خيرًا من مقام رجال كثيرين(4).

ولم يمنع الحجاب الخنساء - رضي الله عنها - من نظم شعر لم يأتِ بمثله كثير من الرجال، وظلَّ إبداعها تترنَّم به الأجيال 
تلو الأجيال حتى اليوم.

الكاتب: حمدي شفيق

 .....................................................................................................................................................................................................................


الهوامش :
1-    انظر تفسير الآية الكريمة عند ابن كثير والنسفى والقرطبى والطبرى والشوكانى والسعدى والرازى وغيرهم.
2-    انظر تفسير الآية الكريمة في المراجع المشار إليها.
3-    الحديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة عن أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنهما - وأخرجه أحمد 2/ 26، وأخرجه الترمذي 2220 و3944 من حديث ابن عمر - رضي الله عن الجميع – والمعنى: أن قبيلة ثقيف التي منها الحجاج قد خرج منها 
كذَّاب ادَّعى النبوة وهو المختار بن أبى عبيد الثقفي ، كما خرج منها سفَّاح قتل آلاف الصالحين وهو الحجاج بن يوسف الثقفي.
4-    انظر ترجمتها - رضي الله عنها - في الطبقات الكبرى لابن سعد الجزء الثامن، وكذلك تهذيب التهذيب وسير أعلام النبلاء وغيرها، والقصة وردت في تفاصيل غزوة أُحُد في سيرة ابن هشام وعند ابن كثير وغيرهما.
5-      انظر تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب في فتح القدير للإمام الشوكانى والجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبى وتفسير الطبرى والنسفى وتفسير القرآن العظيم لابن كثير وغيرها من أمهات كتب التفسير.