الحكمة من تطبيق الحدود في الإسلام


   اتفق العقلاء على أن العقوبات لن توقف الجريمة أو تخفف منها إذا كانت غير صارمة بالمجرم ، كما ينادي بذلك البعض ؛ لأن هذه النداءات ستكون على حساب الضحايا الأبرياء ؛ ولذا فإن الإسلام جاء بشريعة الحدود (العقوبات) والتي نَصِفُها بأنها رادعة من أجل تحقيق الأمن للإنسان ، وحماية المجتمع من الفساد ؛ فالمجتمع الذي تشيع فيه الجرائم مجتمع مهدد بالدمار و الهلاك ، حيث فقد مقومات المجتمع الأساسية .
 
ومن مزايا الإسلام الشمولية ؛ فهو لا يأخذ الأمر من جانب العقوبة وحدها، ولا يبدأ العلاج بتطبيق العقوبة.. إنما العقوبة آخر شيء يلجأ إليه الإسلام..
فالمنهج الرباني يهدف إلى منع أسباب الجريمة أولاً؛ لكي لا تحدث ابتداء.
 
فجاءت شرائع الإسلام  لتنشئ مجتمعاً مؤمناً بالله يخافه ، ويرجو رحمته ، ويحسن عمله ؛ لأن كل فرد فيه يعتقد أنه سيلقى ربه ويحاسبه على عمله في الدنيا ؛ فخوف الشرطة والمحكمة لا يكفي لدرء الجرائم ، وإنما لابد أن يكون هناك وازع في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم ؛ لأن الرشاوى ، والمحسوبيات ، وخدمات المحامين البارعين ، وشهود الزور ، كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أو محكمة إنسانية ، مما يجعل المجرم لا يرهب عقابا ، أي عقاب ، لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون.
 
بينما نجد الشرع الإلهي يستوفي كل هذه الأمور ، فعقيدة (الآخرة) ، التي يحملها الشرع الإلهي هي خير رادع عن ارتكاب الجرائم ، وهي تكفي لتبقي إحساسا بالجريمة واللوم يعتمل في قرارة ضمير الإنسان لو أدلى بشهادة كاذبة أمام القاضي ..هذا أولاً.
 
وثانياً : الإسلام يقوي الصلة الحية بين العبد وربه.. من خلال أداء العبادات التي تزكي نفسه ، وتهذب أخلاقه .. وهذه الصلة القوية بالله تولّد في القلب الحياء من الله، والحب الذي يؤدي إلى الطاعة، والخوف الذي يؤدي إلى الامتناع عما يغضب الله .
 
ثالثاً: الإسلام يقوي أواصر التواد والتراحم في المجتمع، ويعمل على ترسيخ "الأخوة" بين المؤمنين ، ويدعو المسلم إلى تحية أخيه المسلم عندما يلقاه قائلاً : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..ويصافحه... ويتبسم في وجهه.. وأن يتكلم معه بأحسن الألفاظ...وأن يرحم الصغير..ويوقر الكبير..
 
رابعا : الإسلام رحمة للناس ؛ فنجده جعل للفقراء والمحتاجين الذين لا يستطيعون التكسب حقاً في مال الأغنياء؛ فأمر الأغنياء بدفع الزكاة ؛ والزكاة مقدار مالي لا يرهق الغني ، يدفعه لمساعدة الفقراء والمحتاجين ؛ وهذا الأمر يحمي الفقير من الحسد والحقد وكراهية الأغنياء ، ويمنعه من الوقوع في الجريمة..بل إن النبي محمدا ًصلى الله عليه وسلم جعل إعانة الإنسان الذي لا يجيد عمله صدقة.
 
خامسا : الإسلام يهتم بالأسرة ، ويعتني بتقوية الروابط بين أفرادها ؛ لأنها المحضن الذي يتربى فيه الطفل صغيراً، لينشأ على أخلاقيات الإسلام .
 
سادسا : الإسلام يؤدب الإنسان بآداب تنعكس إيجاباً على حياته العامة مع الناس..فجعل من آداب الخروج من المنزل أن يقول : اللهم إني أعوذ بك أن أزِلَّ أو أُزل أو أضِلَّ أو أَظلِمَ أو أُظلَم  أو أَجهل أو يُجهلَ عليّ ..
 
فإذا كان ذلك كله ؛ فلماذا يسرق السارق، أو يعتدي على الآخرين بالقتل ، أو الجرح ؟!
 
سابعا :  الإسلام توسط بين الأطراف المتناقضة مما دفع الناس للإيمان به ، فالإسلام لا ينظر من جانب الرحمة والعطف فحسب ، ولا ينظر من جانب القوة وصرامة العقوبة فحسب ، بل ينظر للجانبين ويوازن بينهما موازنة عجيبة  .
 
ثامنا : الإسلام يحرم أسباب العداوة والبغضاء بين الناس؛ فحرم الاستهزاء، والسخرية ، والغيبة، والنميمة، والتكبر، والكذب.. ونهاه عن السب والشتم و التحقير.. وأوجد عقوبات رادعة ترعب المجرم المعتدي وتكون وسيلة لصده عن التفكير في ارتكاب الجريمة ، وفي نفس الوقت تلك العقوبة الصارمة تطمئن المظلوم وتفرحه بأخذ حقه .
 
   ومن ذلك عقوبة ( القصاص ) .
 
فإن للقصاص حكماً كثيرة ، منها:
 
1- زجر النفوس عن العدوان.
 
2- شفاء غيظ المجني عليه أو ورثته.
 
3- حفظ النفوس و الأطراف.
 
4- طهرة للقاتل.
 
5- عدل بين القاتل و المقتول.
 
6- حياة للنوع الإنساني.
 
وقد أجمل هذه الفوائد وغيرها بعبارة موجزة في قوله سبحانه : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة : 179 )؛ فلولا القِصَاص لفسد العالم و أهلك الناس بعضهم بعضاً .
 
يشهد لذلك ..عمل مقارنة بين نسبة الجرائم التي تقع في الدول التي تطبق القصاص ، والدول التي لا تعمل بهذا التشريع الرباني ..
إن نسبة الجريمة عموما والقتل خصوصاً في زيادة مخيفة في العالم؛ والسبب في ذلك أنهم لم يعملوا بشريعة الإسلام.
  
لقد جاء تشريع القصاص في الإسلام ليحقق مبدأ المساواة ..المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة ؛ فالنفس بالنفس والعين بالعين . والأنف بالأنف . والأذن بالأذن . والسن بالسن . والجروح قصاص . .
 
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ
 
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة : 45 )
 
 فالناس أمام حكم الله سواء، مهما اختلفت أنسابهم وأجناسهم ومقاماتهم وطبقاتهم ..فلا تمييز، ولا طبقية ، ولا حاكم ، ولا محكوم ..فالجميع سواء أمام حكم الله وشرعه .
 
وهذه الصورة السامية من العدالة العظمى ..هي المستوى الحقيقي لكرامة الإنسان..وضمان حقه في ( الحياة ) آمناً على نفسه ودمه وماله وعرضه ..فينطلق يعمل وينتج ؛ فإذا الأمة كلها في حياة .
    
وقد قرر الإسلام هذه العدالة العظمى قبل أكثر من 1430عاماً، في الوقت الذي لم تُفِقْ فيه القوانين الوضعية إلى بعض مستوى هذه العدالة من ناحية نظرية إلا منذ زمنٍ يسير، وهي دونه من الناحية التطبيقية العملية .
 
ومع هذا كله جعل الإسلام فرصة للتسامح ؛ وذلك بحثه أهل القتيل أن يعفوا عن قاتل وليهم ؛ ووعدهم بالأجر العظيم ، وشرع لهم ( الدية : وهي مقدار محدد من المال ) إن هم رضوا بالعفو .. وحث مجتمع القاتل وأقاربه أن يتعاونوا في أداء هذه ( الدية ) لأهل القتيل ..  أما إذا أصر أهل القتيل على القصاص ؛ فما على الحاكم إلا تطبيق الحكم الشرعي على القاتل.
 
إن المسلمين يؤمنون بالله رباً ؛ لذلك ..قبلوا أحكام ( العقوبة ) ..ورضوا بها .. فتجد الجاني ..يعترف بنفسه ، ويقبل بالحكم ..ويستعد لتنفيذه ..فتجده يكثر من الاستغفار ..ويطلب من الله العفو ..لأنه يؤمن أن عقوبة الله للجاني في الآخرة متحققة ولا مفر منها .. فهو على يقين أن تنفيذها في الدنيا ..سبب للعفو في الآخرة.
 
ومن جهة أخرى ..كل من يشاهد تنفيذ العقوبة ويسمع بها أو يقرأ عنها من المسلمين ..فإنهم يطلبون المغفرة للجاني ..ويتوسلون إلى الله بأن يعفو عنه ..ويستغفرون له...ويغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه ويدفنونه في مقابر المسلمين .
 
والمسلمون ..يهتمون بأسرة الجاني ..ويعتنون بها ..ولا يؤذون مشاعرهم ..لأن الإسلام دين حياة ...ودين رحمة.
 
لذلك استحق الذين لا يحكمون بما أنزل الله وصف الظلم ..فقد قال الله عنهم في آخر آية القصاص التي في سورة المائدة : (... وَمَن لَّمْ
 
يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة : 45 ) .
 
     إعداد : متعب الحارثي .