تعدد الزوجات في الإسلام


تعدد الزوجات في الإسلام
مشروعيته – ضوابطه – الحكمة منه

  
  الزواج في الإسلام علاقة نبيلة، وشريفة مقدسة، وقد أوصى به القرآن والسنة بشكل قوي وخاصة للشباب.

إن أي علاقة جنسية خارج نطاق الزواج محرمة في الإسلام، وتعتبر زناً وجريمة يعاقب عليها فاعلها، وهي علاقة اجتماعية مشينة وممقوتة في المجتمع المسلم، وفي الجانب الآخر توجد حرية للزواج بأكثر من زوجة، وهناك حرية في الانفصال إذا لم يكن هناك توافق، ولايجبر على العيش مع شريكه، فيمكن للرجل أن يطلق وللمرأة طلب الطلاق من قاض في المحكمة؛ ليعيشا حياة أخرى باختيارهما.

و تعدد الزوجات في الإسلام ، أو إباحة الإسلام للرجل الزواج بأكثر من واحدة ..مسـألة ينظر إليها المسلمون بعين القبول والرضى لأنها تشريع رباني من الله الحكيم في ما يشرعه لخلقه ، الخبير بما يصلح لهم ، وبما يصلح حياتهم ، فالله - سبحانه - أعلم بخلقه ، وأعرف بفطرتهم ، وأخبر بتكوينهم النفسي والعصبي ؛ لذلك كان تشريعه أكمل التشريع وأرحمه ، قال تعالى : "  {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } سورة الملك آية 14 ؛ لذلك كان لشرائع الإسلام في نفوس المؤمنين به وزنها وأثرها ؛ تعظيماً وإجلالاً لله - تعالى - الذي شرعها !

أما موقف غير المسلمين من هذه المسألة فيتراوح بين جهال بهذا التشريع ( مضمونه ، وضوابطه ، والحكمة والمصلحة منه ) ، وبين معاندٍ أعماه الحسد ، وحاقدٍ جرأه الكبر على اتخاذ هذه المسألة ( التعدد ) منبراً يتطاول من عليه على الإسلام بكامله ! مصوراً ذلك في مشهد بشع تعيشه المرأة في الإسلام تحت ظل تشريع ( التعدد) ؛ وبذلك لا يصلح لأن يكون منهج حياة في زمن العلم والتقدم والرقي والعولمة والحرية !


ولبيان الحق في مسألة ( تعدد الزوجات ) ، أو إباحة الإسلام للرجل الزواج بأكثر من واحدة ، نعرضها من جانبين :

الأول : مشروعية التعدد ، وضوابطه ؟

الثاني : ما الحكمة من إباحة التعدد ، وما المصلحة فيه ؟

لقد جاء الإسلام وتحت الرجل عشرة نسوة أو أكثر أو أقل - بدون حد أو قيد - فقد أخرج مالك في موطئه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: (( اختر منهن أربعا وفارق سائرهن )) ([1]).

وأخرج ابن ماجة عن الحارث بن قيس قال: " أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( اختر منهن أربعا )) ([2]).

فكان تشريع التعدد ( حداً ) لا يتجاوزه المسلم - هو أربع – قال الله تعالى : { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ }. [ النساء : 3 ]، وهذا التشريع يتميز بميزتين :

1- إباحة الزواج بأكثر من واحدة ، وحده بأربع كحد أعلى .

2- أنه تشريع مرتبط بضابط مهم ، وشرط واضح ، وهو ( القدرة على العدل ) وإلا فيكتفي المسلم بواحدة . 

ففي تفسير الإمام القرطبي لهذه الآية الكريمة نجد :" وقوله تعالى { فواحدة } منع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة. وذلك دليل على وجوب ذلك ( أي العدل ) . وقرئت بالرفع، أي فواحدة فيها كفاية أو كافية. وقال الكسائي: فواحدة تقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي فانكحوا واحدة"([3]).

وجاء في تفسير الإمام ابن كثير ما نصه : " وقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}, أي فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن , فليقتصر على واحدة " ([4]).

وفي تفسير الإمام الشوكاني  ما نصه : " وقوله تعالى : { فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة } المعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم ونحوه فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. 

وجاء في تفسير البغوي قوله : " { فإن خفتم } ، خشيتم، وقيل: علمتم، { أن لا تعدلوا }، بين الأزواج الأربع،{ فواحدة } أي: فانكحوا واحدةً "([5]).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره : " إنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم ، ووثق بالقيام بحقوقهن . فإن خاف شيئاً من هذا ، فليقتصر على واحدة "([6]).

ووجوب العدل هو ما كان يفتي به علماء المسلمين قديماً وحديثاً  ، ومن ذلك ما نجده في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم في كتاب النكاح عندما جاءه سؤال من الهند عن :

حكم من تزوج بزوجة ثانية مع وجود زوجته الأولى ؟ 

فأجاب : أن للرجل أن يتزوج بزوجة ثانية مع وجود زوجته الأولى ..ولكن يجب عليه العدل بينهن ، ولا يميل مع إحداهن بشيء من القسم والنفقة والكسوة ونحو ذلك من الواجبات ، بل عليه أن يخصص لكل أحد منهن يوماً وليلة يبيت معها ، ويأوي إليها ، ويكون عندها كما يكون عند الزوجة الثانية "([7]).

وهذه الفتوى على ما فيها من بيان لحكم التعدد مع وجوب العدل ، فإنها بينت معنى ( العدل ) .
والعدل الذي يشترطه الإسلام هو : العدل في المعاملة ، والنفقة ، والمبيت والمعاشرة ، فلا يؤثر واحدة بشيء مما سبق دون الأخرى ، وهو ما أكد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : (( إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما ، جاء يوم القيامة وشقه ساقط )) ([8]) ....أما العدل في مشاعر القلب وأحاسيس النفس والحب القلبي الذي لا يظهر تأثيره في العدل في المعاملة والنفقة والعشرة فليست مطلوبة لأنها خارجة عن إرادة الإنسان ولا يملك التحكم فيها ..يبين ذلك حياة أعظم نموذج للعدل عرفته البشرية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي عاش العدل واقعاً حياً بين نسائه - رضي الله عنهن - ومع ذلك كان يحب عائشة أكثر من غيرها - مع عدله بين نسائه - وكان يقول : " اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك "([9]) ، وهذا العدل المستحيل الذي لا يستطيعه الرجل هو العدل المعنوي في المحبة والميل القلبي، وهو المقصود في قوله تعالى :{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ }[ النساء : 129 ] .

هذا هو الجانب الأول من المسألة : وهو أن الإسلام سبق بتشريع التعدد فقد جاء في الشرائع السماوية التي سبقته، كما يفهم ذلك من حديث البخاري في قصة سليمان عليه السلام وطوافه على أكثر من مائة امرأة في ليلة ، فلم ينشئ التعدد وإنما حدده بأربع كحد أعلى ، وأباحه بشرط العدل .


أما الجانب الثاني من المسألة وهو : ما الحكمة منه ، أو لماذا شرعه الإسلام ؟ 

فيتضح عندما نتذكر " بأن الإسلام نظام للإنسان . نظام واقعي إيجابي . يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ، ويتوافق مع واقعه وضروراته ، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع ، وشتى الأزمان ، وشتى الأحوال .

إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء ; ولا على التظرف المائع ; ولا على المثالية الفارغة ; ولا على الأمنيات الحالمة ، التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته ، ثم تتبخر في الهواء !

وهو نظام يرعى خلق الإنسان ، ونظافة المجتمع ، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي ، من شأنه انحلال الخلق ، وتلويث المجتمع ، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع . بل يتوخى دائما أن ينشىء واقعاً يساعد على صيانة الخلق ، ونظافة المجتمع ، مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع "([10]).

" فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي ، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات ، فماذا نرى ؟ 

نرى أولا : أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة - تاريخية وحاضرة - تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج ..والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يُعرف تاريخياً أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد .وهو يدور دائما في حدودها" ([11]).

" فالإحصائيات التي جرت وتجري في بلاد العالم المختلفة تدل دلالة واضحة على أن عدد الإناث أكثر من عدد الذكور ، وذلك نتيجة لكثرة ولادة البنات ؛ ولأن موت الرجال - بمشيئة الله تعالى وقدرته - أكثر من موت النساء ، فالرجال هم وقود المعارك العسكرية ، وتلتهم الحروب عدداً كبيراً منهم. هذا بالإضافة إلى تعرض الرجال للحوادث بشكل أكثر من النساء ، فهم يخرجون للكسب وطلب الرزق وينتقلون من أجل ذلك من مكان لآخر ، ويبذلون كل ما في  وسعهم من جهد للحصول على لقمة العيش ، الأمر الذي يجعلهم أكثر قابلية للمرض والموت ؛ هذا في الوقت الذي يكون فيه النساء في بيوتهن "([12]).

" ومما يضاعف المشكلة ويزيد الفرق أن بعض الرجال لا يتزوجون بسبب ظروف اقتصادية تتمثل في عدم قدرتهم على توفير النفقة اللازمة لفتح بيت وتكوين أسرة .

كما أن بعضهم يؤخر الزواج إلى سن متأخرة نسبيا ؛ من أجل تحسين مستواه المادي ؛ ليتمكن من الإنفاق على المرأة التي سيرتبط بها والأولاد الذين سيرزق بهم . وهذا على العكس من الفتيات اللاتي يكن مستعدات للزواج في سن مبكرة "([13]).

" فكيف نعالج هذا الواقع الذي يقع ويتكرر وقوعه بنسب مختلفة . هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار ؟!

نعالجه بهز الكتفين ؟! أو نتركه يعالج نفسه بنفسه ؟حسب الظروف والمصادفات ؟!

إن هز الكتفين لا يحل مشكلة !كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد !

، يحترم نفسه ، ويحترم الجنس البشري !

ولا بد إذن من نظام ، ولا بد إذن من إجراء ..

وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :

1- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج ..ثم تبقى واحدة أو أكثر - حسب درجة الاختلال الواقعة - بدون زواج ، تقضي حياتها - أو حياتهن - لا تعرف الرجال!

2- أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجاً شرعياً نظيفاً. ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال . فيعرفن الرجل خديناً أو خليلاً في الحرام والظلام !

3- أن يتزوج الرجال الصالحون - كلهم أو بعضهم - أكثر من واحدة . وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل ، زوجة شريفة ، في وضح النور لا خدينة ولا خليلة في الحرام والظلام !

الاحتمال الأول ..ضد الفطرة ، وضد الطاقة ، بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال . ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب . فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان . وألفُ عملٍ ، وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية .. سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة ، ومطالب الروح والعقل 
، من السكن والأنس بالعشير ...والرجل يجد العمل ويجد الكسب ; ولكن هذا لا يكفيه ، فيروح يسعى للحصول على الزوجة ، والمرأة كالرجل - في هذا - فهما من نفس واحدة !

والاحتمال الثاني ..ضد اتجاه الإسلام النظيف ; وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف ; وضد كرامة المرأة الإنسانية . 

والاحتمال الثالث ..هو الذي يختاره الإسلام .يختاره شريعة حكيمة . لمواجهة مثل هذا الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ; ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء . يختاره متمشياً مع واقعيته الإيجابية ، في مواجهة الإنسان كما هو - بفطرته وظروف حياته - ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر ، ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح ، والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة .ولكن في يسر ولين وواقعية !" ([14])

" وإذا كان نظام تعدد الزوجات يفرض على الزوجة الأولى لظرف من الظروف زوجة أخرى ، فإنه لا يحرمها من أن تكون سيدة منزلها والمتصرفة في شئونه ، فالإسلام يجعل لكل امرأة متزوجة الحق في أن تكون لها دار مستقلة ، ولا يجعل لإحدى الزوجات سيطرة على الزوجات  الأخريات"([15]) . 

" ويرى بعض الفقهاء أن للمرأة الحق في أن تشترط وقت زواجها أن لا يتزوج عليها ، فإذا تم الزواج ، ولم يلتزم الزوج فيما بعد بهذا الشرط  كان للمرأة الحق في طلب الطلاق ، وإذا فات الزوجة أن تشترط هذا الشرط في عقد الزواج فإن لها الحق في طلب الطلاق إذا قصر زوجها في حق من حقوقها أو ألحق بها أذى "([16]).

ولا نختلف هنا على أن اشتراك امرأة مع امرأة أخرى أو أكثر في زوج واحد لا يريحها ولا يمنحها السعادة التي تنشدها في حياتها ، ولكن الضرر الذي يلحق بالمرأة عند اشتراكها مع غيرها في زوج واحد أقل كثيراً من الضرر الذي يلحق بها إذا بقيت بدون زواج "([17])... فالتي تنزعج من زواج زوجها بثانية وتكره ذلك ، قد تتمناه غداً وترضى به في حالة طلاقها منه أو موته عنها !

" ثم نرى ..ثانيا ..في المجتمعات الإنسانية . قديماً وحديثاً . وبالأمس واليوم والغد .إلى آخر الزمان .واقعا في حياة الناس ، لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله ...نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها . بينما هي تقف في المرأة في الأربعين وعند البعض الآخر في الخامسة والأربعين، والغالبية في الخمسين من العمر ، أو حواليها . فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة . وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما ، امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال ، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار . فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال . ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع - الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال - لا على سبيل الإلزام الفردي ، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري ، ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء ..وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائماً في التشريع الإلهي . لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له ، ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة ، ولا تنظر من جميع الزوايا ، ولا تراعي جميع الاحتمالات .


ومن الحالات الواقعية المرتبطة - بالحقيقة السالفة - ما نراه أحياناً من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية ، مع رغبة الزوجة عنها - لعائق من السن أو من المرض - مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال ، فكيف نواجه مثل هذه الحالات ؟

نواجهها بهز الكتفين ; وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار؟! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف ؟!

إن هز الكتفين - كما قلنا- لا يحل مشكلة . والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية ، ومشكلاتها الحقيقية ..

وعندئذ نجد أنفسنا - مرة أخرى  - أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :

1- أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان !ونقول له :عيب يا رجل ! إن هذا لا يليق ، ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها!

2- أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء !

3- أن نبيح لهذا الرجل التعدد ونتوقى طلاق الزوجة الأولى ..

الاحتمال الأول ..ضد الفطرة ، وفوق الطاقة ، وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي .وثمرته القريبة - إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان - هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت ، ومعاناة جحيم هذه الحياة ..وهذا ما يكرهه الإسلام ، الذي يجعل من البيت سكناً ، ومن الزوجة أنساً ولباساً .

والاحتمال الثاني ..ضد اتجاه الإسلام الخلقي ، وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية ، ورفعها وتطهيرها وتزكيتها ،كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان !

والاحتمال الثالث ..هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية ، ويلبي منهج الإسلام الخلقي ، ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية ، ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما ، وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية .

وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة ، مع رغبة الزوج الفطرية في النسل . حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما :

1- أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل .

2- أو أن يتزوج بأخرى ، ويبقي على عشرته مع الزوجة الأولى .

وقد يهذر قوم من المتحذلقين - ومن المتحذلقات - بإيثار الطريق الأول . ولكن تسعاً وتسعين زوجة - على الأقل - من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق ! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور - فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغباً في الزواج - وكثيراً ما تجد الزوجة العاقر أنساً واسترواحاً في الأطفال الصغار ، تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها ، فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أياً 
كان ابتئاسها لحرمانها الخاص" ([18]).

"وقد يكون لدى الرجل رغبة قوية في الإكثار من النسل، وأولاد زوجته الأولى قليلون، فيتزوج الرجل عند ذلك بأخرى من أجل تحقيق هذه الرغبة النبيلة التي دعاه إليها الرسول – صلى الله عليه وسلم - في قوله : (( تزوجوا الودود الولود ؛ إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة )) ([19]). 

أو يكون الرجل كثير الأسفار بحكم عمله ، وتطول مدة إقامته في غير بلده ، ولا يستطيع أن يأخذ زوجته معه كلما دعته الضرورة إلى السفر ، وبطبيعة الحال سيكون في غربته بين أمرين من أجل إشباع حاجته الفطرية (الجنس) : 

أولهما :  أن يفتش عن امرأة يعاشرها بطريقة غير مشروعة .

وثانيهما : أن يتزوج بثانية ،  ويقيم معها إقامة مشروعة ، وهو قادر على ذلك صحياً ومادياً. وبالتأكيد فإن الأمر الثاني هو الحل الأفضل والأمثل لحل مشكلته ؛ لأن في الأمر الأول إشاعة للفاحشة وانتشار الفساد([20]).

كما أن نظام تعدد الزوجات يعالج بعض المشكلات الإنسانية ، ويسهم في حلها إسهاماً ومنها : 

أ- امرأة توفي زوجها وعندها أطفال ، ففي هذه الحالة الإسلام يحث الرجل على الزواج منها لسببين هامين ، أولهما : إعفاف المرأة وصون كرامتها في بيت تجد فيه الراحة والاطمئنان ، وكل ما تحتاج إليه من متطلبات الحياة. وثانيهما : كفالة أطفالها الأيتام ورعايتهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك : (( كافل اليتيم له أو لغيره ، أنا وهو كهاتين في الجنة )) . وأشار مالك بالسبابة والوسطى([21]).

ب- امرأة تولد وجمالها بسيط أو يكون بها عاهة ، وهي بطبيعة الحال ليس لها دخل في خلقها ، فهل يجوز لنا أن نحرمها من متعة الحياة الزوجية وإنجاب الأطفال ؟ والجواب لا يجوز لنا ذلك ، والإسلام يشحذ همم المؤمنين ويشجعهم على الزواج بأمثال هذه المرأة ، وإدخال الفرحة والسرور إلى قلبها.

ج- امرأة بقيت لظروف معينة بدون زوج ، حتى وصلت سن اليأس وهي راغبة في الزواج ، فالأفضل لها طبعاً أن تتزوج رجلاً متزوجاً بأخرى فيملأ عليها حياتها، ويؤنس وحدتها بدلاً من أن تظل بقية حياتها عزباء"  ([22]).

" وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية ، التي لا تصغي للحذلقة ، ولا تستجيب للهذر ، ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم ..
وجدنا مظاهر الحكمة الربانية ، في سن هذا التشريع ، مقيداً بذلك القيد ( العدل) : 

{ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } 

فتشريع التعدد يلبي واقع الفطرة ، وواقع الحياة ; ويحمي المجتمع من الجنوح - تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة - إلى الانحلال أو الملال ..والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال ، ويحمي الزوجة من الجور والظلم ; ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل .

إنه إذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذا التشريع باتخاذه  فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحاً للذة الحيوانية ، دون مراعاة للعدل ، ودون قيام بأمانة رعاية الأسرة ! .. فليس ذلك شأن الإسلام .. فهم لم يدركوا روحه النظيف الكريم . 

وبهذا يتبين لنا أن الحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي ، سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما ، في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير ، عن طريق الإدراك البشري المحدود !" ([23]) 

وختاماً : 

قال غوستاف لوبون  : " إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن ؛ يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه ،  ويزيد الأسر ارتباطاً ، ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تجدهما في أوربا " ([24]). 

ويقول برنارد شو : " إن أوربا ستضطر إلى الرجوع إلى الإسلام قبل نهاية القرن العشرين شاءت أم أبت "([25]).

وتقول كاتبة بريطانية في صحيفة ( لندن ثروة ) : "  لقد كثرت الشاردات من بناتنا وعم البلاء ودل الباحثون عن أسباب ذلك ، وإذا كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحبا ، وماذا عسى يفيدهن بشيء حزني ووجعي وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعا ؛ إذ لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة  . 
ولله در العالم ( توس ) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكافل للشفاء : وهو الإباحة للرجل التزوج بأكثر من واحدة ، وبهذه الوساطة يزول البلاء لا محالة ، وتصبح بناتنا ربات بيوت ؛ فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبى على الاكتفاء بامرأة واحدة ؛ فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد ، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال ، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة ! 

أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعالة وعارا في المجتمع الإنساني ، فلو كان تعدد الزوجات مباحاً ؛ لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان ، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن ؛ فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار؛ ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل وعليه ما ليس عليها ، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين ) ([26]).


ومسك الختام .. أنه اتضح لنا بعد عرض قضية تعدد الزوجات في الإسلام عظمة تشريعات الإسلام وأنها كرمت المرأة ورفعت من قدرها ومكانتها ؛ حيث جاءت بشرائع ( عادلة ) تتناسب مع كل ظروف حياتها ومتغيرات مراحلها العمرية ، بل وتقلبات مشاعرها ونفسيتها ! 

فشرائع الإسلام مع كمالها ورحمتها ، ويسرها وسهولتها ، تسعد الإنســان في كل زمان ومكان ، وتجعله يعيش حياة طيبة هنيئة ؛ وذلك كله لأنها من الله العليم الحكيم ، واللطيف الخبير .





ترجمة المقال