إسلام الحسن بن أيوب من أجلاء علماء النصارى


ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في كتابه ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/88-189) قصة إسلام الحسن بن أيوب ( توفي سنة 378هـ) ، والذي كان من أجلاء علماء النصارى ، ...... ، وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم .

 

وتبدأ القصة : بأن الحسن كتب بعد إسلامه رسالة إلى أخيه علي بن أيوب، يذكر فيها سبب إسلامه، ويذكر الأدلة على صحة دين الإسلام، فقال في رسالته إلى أخيه :

 

" إن ابتداء أمري في الشك الذي دخلني فيما كنت عليه، والاستبشاع بالقول به من أكثرمن عشرين سنة؛ لما كنت أقف عليه في المقالة من فساد التوحيد لله عز و جل بما أدخل فيه من القول بالثلاثة الأقانيم وغيرها، مما تضمنته شريعة النصارى، ووضع الاحتجاجات التي لا تزكو ولا تثبت في تقرير ذلك، وكنت إذا تبحرته وأجلت الفكر فيه بان لي عواره ونفرت نفسي من قبوله، وإذا فكرت في دين الإسلام الذي من الله علي به، وجدت أصوله ثابتة وفروعه مستقيمة وشرائعه جميلة .

 

وأصل ذلك ما لا يختلف فيه أحد ممن عرف الله عز و جل منكم ومن غيركم، وهو الإيمان بالله، الحي القيوم السميع البصير الواحد الفرد الملك القدوس الجواد العدل، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإله موسى وعيسى وسائر النبيين والخلق أجمعين، الذي لا ابتداء له ولا انتهاء، ولا ضد ولا ند، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، الذي خلق الأشياء كلها لا من شيء ولا على مثال، بل كيف شاء، وبأن قال لها كوني فكانت على ما قدر وأراد، وهو العليم القدير الرؤوف الرحيم، الذي لا يشبهه شيء، وهو الغالب فلا يغلب والجواد فلا يبخل، لا يفوته مطلوب ولا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وكل مذكور أو موهوم هو منه وكل ذلك به وكل له قانتون.

 

 

ثم نؤمن بأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ونؤمن بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نفرق بين أحد منهم، ونؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وسائر الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، ذلك بما كسبت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد ".

 

وقال الحسن : " وكان يحملني إلف ديني وطول المدة والعهد عليه، والاجتماع مع الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، والأقارب والإخوان والجيران وأهل المودات على التسويف بالعزم، والتلبث على إبرام الأمر، ويعرض مع ذلك الفكر في إمعان النظر، والازدياد في البصيرة، فلم أدع كتاباً من كتب أنبياء التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء والقرآن إلا نظرت فيه وتصفحته، ولا شيئاً من مقالات النصرانية إلا تأملته، فلما لم أجد للحق مدفعاً، ولا للشك فيه موضعاً، ولا للأناة والتلبث وجهاً؛ خرجت مهاجراً إلى الله عز و جل بنفسي هارباً بديني، عن نعمة، وأهل مستقر، ومحل وعز، ومتصرف في عمل؛ فأظهرت ما أظهرته عن نية صحيحة، وسريرة صادقة، ويقين ثابت، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وإياه تعالى نسأل أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب" .

 

وقال الحسن :" ولما نظرت في مقالات النصارى، وجدت صنفاً منهم يعرفون بالأريوسية:

يجردون توحيد الله، ويعترفون بعبودية المسيح عليه السلام، ولا يقولون فيه شيئاً مما يقوله النصارى من ربوبية ولا بنوة خاصة ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرون بما جاء به تلاميذه والحاملون عنه؛ فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد، ودفع ما جاء به من الكتاب والسنة " .

 

 

ثم وجدت منهم صنفا يعرفون باليعقوبية: يقولون إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعيتين، إحداهما: طبيعة الناسوت والأخرى طبيعة اللاهوت، وأن هاتين الطبيعتين تركبتا كما تركبت النفس مع البدن، فصارتا إنساناً واحداً، وجوهراً واحداً وشخصاً واحداً، وأن هذه الطبيعة الواحدة والشخص الواحد هو المسيح، وهو إله كله وإنسان كله، وهو شخص واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين ، وقالوا: إن مريم ولدت الله - تعالى الله عما يقولون- وإن الله مات وتألم وصلب متجسداً ودفن، وقام من بين الأموات وصعد إلى السماء ! فجاءوا من القول بما لو عرض على السماء لانفطرت، أو على الأرض لانشقت، أو على الجبال لانهدت؛ فلم يكن لمحاجة هؤلاء وجه إذ كان كفرهم بما صرحوا به أوضح من أن يقع فيه الشك، وكان غيرهم من النصارى كالمالكانية والنسطورية يشهدون بذلك عليهم ".

 

 

ثم نظرت في قول الملكانية وهم الروم، وهم أكثر النصارى، فوجدتهم قالوا: إن الابن الأزلي الذي هو الله الكلمة، تجسد من مريم تجسداً كاملاً كسائر أجساد الناس، وركب في ذلك الجسد نفساً كاملة بالعقل والمعرفة والعلم كسائر أنفس الناس، وأنه صار إنساناً بالنفس والجسد اللذين هما من جوهر الناس، وإلهاً بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناسوت، مثل إبراهيم وداود، وهو شخص واحد لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللاهوت كما لم يزل يصح له جوهر الناسوت الذي لبسه من مريم، وهو شخص واحد لم يزد عدده وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة؛ فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة مثل مشيئة إبراهيم وداود، وقالوا: إن مريم ولدت إلها، وأن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت مات، وقالوا: إن الله لم يمت، والذي ولدت مريم قد مات بجوهر ناسوته، فهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله مشيئة اللاهوت ومشيئة الناسوت، وهو شخص واحد، لا نقول شخصان لئلا يلزمنا القول بأربعة أقانيم .

 

فهؤلاء أتوا من ذلك بمثل ما أتت به اليعقوبية؛ في ولادة مريم الله تعالى الله عما يقول الظالمون، وقالوا: إن المسيح وهو اسم لا تشك جماعة النصارى أنه واقع على اللاهوت والناسوت مات، وأن الله لم يمت!

فكيف يكون ميتاً لم يمت، وقائماً قاعداً في حال واحدة ،وهل بين المقالتين فرق إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع ؟!

 

 

ثم نظرت في قول النسطورية، فوجدتهم قالوا: إن المسيح شخصان وطبيعتان لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت التي للمسيح غير طبيعة ناسوته، وأن طبيعة اللاهوت لما توحدت بالناسوت بشخصها الكلمة التي صارت الطبيعتان بجهة واحدة وإرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصانا ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان؛ فكان المسيح بتلك إلها وإنساناً؛ فهو إله بجوهر اللاهوت الذي لا يزيد ولا ينقص، وهو إنسان بجوهر الناسوت القابل للزيادة والنقصان !

وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط منذ توحدت بناسوته.

 

فوجدنا اليعقوبية قد صرحوا بأن مريم ولدت الله - تعالى عما يصفه المبطلون  ويقوله العادلون - وأنه تألم وصلب ومات، وقام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى، وهذا الكفر الذي تشهد به عليهم سائر ملل النصارى وغيرهم، ووجدنا الملكانية قد حادوا عن هذا التصريح إلى ما هو دونه في الظاهر؛ فقالوا إن المسيح شخص واحد و طبيعتان ،فلكل واحدة من الطبيعتين مشيئة، فله بلاهوته مشيئة مثل الأب والروح، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم وداود، وأوهموا الواقف على قولهم أنهم بما اخترعوه من هذا الاختيار قد فرقوا بين اللاهوت والناسوت، ثم عادوا إلى قول اليعقوبية؛ فقالوا: إن مريم ولدت إلهاً، وأن المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت عند جماعتهم لا يشكون في ذلك مات بالجسد، وأن الله لم يمت، والذي قد ولدته مريم قد مات بجوهر ناسوته، فكيف يكون ميت لم يمت، وهل بين المقالتين إلا ما اختلفوا فيه من الطبائع فرق ؟!

وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مريم ولدت الله، وأن الذي ولدته مريم وهو المسيح الاسم الجامع للجوهرين للاهوت والناسوت قد مات، فهل وقعت الولادة والموت وسائر الأفعال التي تحكي النصارى أنها فعلت بالمسيح إلا عليهما؟!

فكيف يصح لذي عقل عبادة مولود من امرأة بشرية قد مات، ونالته العلل والآفات؟! ([1])

 

ثم وجدنا النصارى المعروفين بالنسطورية قد خالفوا اليعقوبية والملكانية؛ في قولهم بشخصين لهما مشيئة واحدة، وأن الطبيعتين اتحدتا فصارتا بجهة واحدة، ثم عادوا إلى شبيه قولهم في أن مريم ولدت المسيح، فإذا كانت ولدت المسيح فقد لزمهم ووجب عليهم الإقرار بأنها ولدت هذا اللاهوت والناسوت المتحدين، وقد رجع المعنى إلى قول اليعقوبية، إلا أنهم اختاروا لذلك ألفاظا زوقوها وقدروا بها التمويه على السامع، ولم يصرحوا بالقول كتصريح اليعقوبية؛ لأن المتحد بالشيء هو الممازج له والمجتمع معه حتى صار مازجه، وهو شيئاً واحدا، ثم أكدوا القول بإقرارهم أن الناسوت منذ اتحد باللاهوت لم يفارقه، فما لم يفارق الشيء هل هو إلا يجري مجراه في سائر متفرقاته، من ضر ونفع وخير وشر وحاجة وغنى ؟!

 

قال:" وأما قولهم: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، فهذه أغلوطة؛ وإلا فكيف يولد ولد متحد بشيء آخر مجامع له دون ذلك الشيء؟! وكيف يكون ذاك وهم يقولون إنه لم يفارقه قط؟! وهل يصح هذا عند أهل النظر؟!

أو ليس الحكم عند كل ناظر ومن كل ذي عقل يوجب أن تكون الولادة واقعة على اللاهوت والناسوت معا، بمعنى الاتحاد، وبمعنى الاسم الجامع للاهوت والناسوت، وهو المسيح، وكذلك الحمل بهما جميعا، وأن يكون البطن قد حواهما .

 

قال:" فإن لجوا في الباطل ودافعوا عن قبيح هذه المقالة، ومالوا إلى تحسينها بالتمويهات المشككة لمن قصرت معرفته، فنحن نقيم عليهم شاهداً من أنفسهم لا يمكنهم دفعه، وذلك أن شريعة إيمانهم التي ألفها لهم رؤساؤهم من البطاركة والمطارنة والأساقفة والأحبار في دينهم، وذوي العلم منهم بحضرة الملك عند اجتماعهم من آفاق الأرض بمدينة قسطنطينية، وكانوا ثلاثمئة وثمانية عشر رجلاً، يصفون أنهم نطقوا بها بروح القدس، وهي التي لم تختلف جماعتهم عند اختلافهم في المقالات فيها، ولا يتم لهم قربان إلا بها، على هذا النسق الذي نبينه:

 

" نؤمن بالله الأب مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه، الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء ، الذي من أجلنا معشر البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وحبل به وولد من مريم البتول، وتألم وصلب أيام قيطوس بن بيلاطوس، ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه روح ومجيئه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية سليخية جاثليقية، وبقيامة أبداننا، وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين ".

 

قال الحسن:" فهذه الشريعة يجتمع على الإيمان بها، وبذل المهج فيها، وإخراج الأنفس دونها جماهيرهم من الملكانية واليعقوبية والنسطورية، وقد اعترفوا فيها جميعا بأن الرب المسيح الذي هذه صفته على ما اقتصصناه منها الإله الحق من الإله الحق، نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وحبل به وولد من مريم البتول، وتألم وصلب ،قال فهل في هذا الإقرار شبهة أو علقة يتعلق بها العنت المدافع عن الحجة؛ فتدبروا هذا القول يا معشر النصارى، فإنه لا يمكن أحد منكم أن يخرج عنه، ولا أن يدفع ما صرح به؛ فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله؛ فمريم على قولكم ولدت الله -سبحانه وتعالى عما يقولون- وإن قلتم أنه إنسان؛ فمريم ولدت إنسانا، وفي ذلك أجمع بطلان شريعة إيمانكم؛ فاختاروا أي القولين شئتم؛ فإن فيه نقض الدين". 

 

قال الحسن : " وقد يجب على ذوي العقول أن تزجرهم عقولهم عن عبادة إله ولدته مريم، وهي امرأة آدمية، ثم مكث على الأرض ثلاثين سنة تجري عليه أحكام الآدميين: من غذاء وتربية وصحة وسقم وخوف وأمن وتعلم وتعليم، لا يتهيأ لكم أن تدعوا أنه كان منه في تلك المدة من أسباب اللاهوتية شيء، ولا له من أحوال الآدميين كلها من حاجتهم وضروراتهم وهمومهم ومحنهم وتصرفاتهم مخرج، ثم أحدث بعد هذه المدة الطويلة ما أحدثه من إظهار أمر الله تعالى، والنبوات والآيات الباهرة المعجزة بقوة الله تعالى، وقد كان من غيره من الأنبياء مثلها، وما هو أعلى منها، فكانت مدته في ذلك أقل من ثلاث سنين، ثم انقضى أمره بما يصفون أنه انقضى به، وينسبونه إليه من حبس وضرب وقذف وصلب وقتل، فهل تقبل العقول ما يقولون من أن إلها نال عباده منه مثل ما تذكرون أنه نيل منه ؟!

فإن تأولتم أن ذلك حل بالجسم، وليس بالقياس يحتمل ذلك؛ لِما شرحناه من معنى اتحاد اللاهوت به، أفليس قد وقع بجسم توحدت اللاهوتية به وحلت الروح فيه، وقد أنجبه الله على ما تزعمون وتصفون لخلاص الخلق، وفوض إليه القضاء بين العباد في اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون للحساب، وقد وجدناكم تؤثرون أخبارا في قوم عرضوا التوابيت فيها شهداء لكم، بأن الأيدي التي بسطت إليها جفت، أو هل نال أحدا من الجزع والهلع والغم والقلق والتضرع إلى الله في إزالة ما حل به مثل ما يحكى في الإنجيل أنه ناله، ووجدنا الكتب تنبىء بأنه نيل من جورجيس( أحد من كان على دين المسيح) من العذاب الشديد: بالقتل، والحرق، والنشر بالمناشير، ما لم يسمع بمثله في أحد من الخلق، ونال خلقاً كثيراً من تلامذته أيضا عذاب شديد!

وقيل لما كان الملوك المحاربون لهم يسومونهم إياه من الرجوع عن أديانهم إلى الكفر الذي كان أولئك الملوك عليه، فصبروا على ذلك واحتسبوا أنفسهم، فلم يهربوا من الموت، وقد كان يمكنهم الهرب من بلد إلى بلد والاستتار، وإخفاء أشخاصهم، وما أظهروا في حال من تلك الأحوال جزعا ولا هلعا، وهم بعض الآدميين التابعين له؛ لأنه خفف عنهم ما كانوا ينالون به بتأييد الله عز و جل إياهم .

 

قال:" ثم نقول قولاً آخر، قد نستدل على صحة هذه الشريعة من سقمها بأربعة أوجه لا يقع في شيء منها شك ولا طعن ولا زيادة ولا نقصان، وهي أصل أمر المسيح عندكم :

 

فأولها: البشرى التي أتى بها جبريل عليه السلام .

والثانية: قول يحيى بن زكريا، الذي شهد له المسيح بأنه لم تقم النساء عن مثله .

والثالثة: النداء المسموع من السماء .

والرابعة: قول المسيح عن نفسه، حين سأله يحيى عن شأنه .

 

والذي قال جبريل على ما ثبت في إنجيلكم لمريم حين بشرها:" السلام عليك أيتها الممتلئة نعما، ربنا معك أيتها المباركة في النساء، فلما رأته مريم ذعرت منه؛ فقال: لا ترهبي يا مريم؛ فقد فزت بنعمة من ربك، فها أنت تحبلين وتلدين ابنا، وتسميه يسوع ويكون كبيرا، ويسمى ابن الله العلي، ويعطيه الله الرب كرسي أبيه  داود، ويكون ملكا على آل يعقوب إلى الأبد، فقالت مريم: أنى يكون لي ذلك ولم يمسسني رجل، قال له الملك: إن روح القدس يأتيك، أو قال يحل فيك، وقوة العلي تحبلك؛ من أجل ذلك يكون الذي يولد منك قديسا، ويسمى ابن الله العلي".

قال الحسن : " فلم نر الملك قال لها إن الذي تلدين هو خالقك وهو الرب كما سميتموه، بل أزال الشك في ذلك بأن قال: إن الله الرب يعطيه كرسي أبيه داود ، ويصطفيه ويكرمه، وأن داود النبي أبوه، وأنه يسمى ابن الله.

وما قال أيضا أنه يكون ملكاً على الأرض، وإنما جعل له الملك على بني إسرائيل فقط، وقد علمتم أن من يسمى بابن الله كثير لا يحصون؛ فمن ذلك إقراركم بأنكم جميعا أبناء الله بالمحبة، وقول المسيح :" أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" في غير موضع من الإنجيل، ثم تسمية الله يعقوب وغيره بنيه خصوصا، فالسبيل في المسيح إذا لم تلحقوه في هذا الاسم بالجمهور أن يجري في هذه التسمية مجرى الجماعة الذين اختصوا بها من الأنبياء والأبرار، ونسبة الملك إياه إلى أبيه داود تحقق أن أباه داود، وأن التسمية الأولى على جهة الاصطفاء والمحبة، وأن حلول الروح عليه على الجهة التي قالها متى التلميذ للشعب عن المسيح في الإنجيل" لستم أنتم متكلمين، بل روح الله تأتيكم تتكلم فيكم "  فأخبر أن الروح تحل في القوم أجمعين وتتكلم فيهم.

وقال الملك في بشارته لمريم بالمسيح عليه السلام" إنه يكون ملكاً على آل يعقوب، فخص آل يعقوب بتملكه عليهم دون غيرهم من الناس، ولم يقل إنه يكون إلها للخلائق.

ومعنى قول جبريل عليه السلام لمريم " ربنا معك" مثل معنى قول الله عز و جل لموسى وغيره من الأنبياء" إني معكم " فقد قال ليوشع بن نون" إني أكون معك كما كنت مع موسى عبدي" فقول النصارى كلهم في مجاري لغتهم ومعاني ألفاظهم أن الله عز و جل وروح القدس مع كل خطيب وراهب وفاضل في دينه على هذه السبيل .

 

 

قال الحسن : " وأما النداء الذي سمعه يحيى بن زكريا من السماء في المسيح، وشهادة يحيى له، فإن متى قال في إنجيله" إن المسيح عليه السلام لما خرج من الأردن تفتحت له السماء فنظر يحيى إلى روح القدس قد نزلت على المسيح كهيئة حمامة وسمع نداء من السماء إن هذا ابني الحبيب الذي اصطفيته " فقد علمنا وعلمتم أن المصطفى مفعول، والمفعول مخلوق، وليس يستنكف المسيح عليه السلام من الاعتراف بذلك في كل كلامه، وما زال يقول" إلهي وإلهكم وأبي وأبيكم" وكلما يصح به أنه: عبد، مرسل، مربوب، مبعوث، مأمور، يؤدي ما سمع، ويفعل ما حد له.

 

 

ثم قال الحسن : " وقد وجدنا المسيح عليه السلام احتاج إلى تكميل أمره بمعمودية يحيى له، فصار إليه لذلك وسأله إياه، فليس مرتبة المقصود بدون مرتبة القاصد الراغب، وقال لوقا التلميذ في إنجيله" إن يحيى المعمداني أرسل إلى المسيح بعد أن عمده وسأله: أنت ذلك الذي تجيء، أو نتوقع غيرك؟ فكان جواب المسيح لرسله:" أن ارجعوا فأخبروه بما ترون من عميان يبصرون، وزمن ينهضون، وصم يسمعون، فطوبى لمن لم يغتر بي، أو يذل في أمري ".

 

قال الحسن : فوجدنا يحيى مع محله وجلالة قدره عند الله عز و جل، ثم ما شهد به المسيح له من أنه ما قامت النساء عن مثله، قد شك فيه؛ فاحتاج إلى أن يسأله عن شأنه ، ثم لم يكن من جواب المسيح له بشيء مما تصفون من الربوبية، ولا قال إني خالقك وخالق كل شيء، كما في شريعة إيمانكم، بل حذر الغلط في أمره والاغترار، ولا كان من قوله أكثر مما ذكر أنه أظهر بنبوته من هذه الآيات، التي سبق إلى مثلها أكثر الأنبياء ، ولا رأينا يحيى زاد في وضعه إياه لما قرظه وأعلا ذكره مع تشككه في أمره، وحاجته إلى مسألته عن حاله على أن قال:" هو أقوى مني، وأني لا أستحق أن أحل معقد خفه" ولم يقل إنه خالقي، وقد يقول الرجل الخير فيمن هو دونه، مثل الذي قال يحيى فيه تواضعاً لله وخشوعا، كما قال المسيح في يحيى:" إنه ما قامت النساء عن مثله".

 

قال الحسن : " أفتركتم ما أتت به الرسل والنبوات في المسيح، وهو أصلكم الذي وقع عليه بناؤكم، وجعلتم لأنفسكم شريعة غيرها؟!

ومثل الذين عقدوا هذه الشريعة لكم مثل من آمن بنبوة رجل ينتفي من النبوة؛ لأن المسيح عليه السلام يقول إنه مربوب مبعوث، ويقول جبريل إنه مكرم مصطفى، وأن أباه داود، وأن الله جعله ملكاً على آل يعقوب، وينادي مناد من السماء بمثل ذلك، ويشهد يحيى بن زكريا على مثله، وتقولون بل هو خالق أزلي إلا أنه يستر نفسه!

ويقول المسيح وغيره ممن سمينا أنه معطى، وأن الله معطيه، وتقولون بل رازق النعم وواهبها!

ويقول إن الله أرسله، وتقولون بل هو الذي نزل لخلاصنا!

وتعتقدون سبب نزوله من السماء أنه أراد أن يخلصكم، ويحتمل الخطيئة، ويربط الشيطان، فقد وجدنا الخلاص لم يقع، والخطيئة قائمة لم تزل، والشيطان أعتى ما كان يربط، بل سلطه الله عليه على ما تقولون؛ فحصره في الجبل أربعين يوماً يمتحنه، وقال له في بعض أحواله معه: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا ؟ فقال له المسيح مجيبا له:" إنه مكتوب أن حياة الإنسان لا تكون بالخبز، بل بكل كلمة تخرج من الله"،  ثم ساقه الشيطان إلى مدينة بيت المقدس وأقامه على قرنة الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فارم بنفسك من هاهنا، فإنه مكتوب إن الملائكة توكل بك لئلا تعثر رجلك بالحجر. قال يسوع:" ومكتوب أيضا لا تجرب الرب إلهك" ثم ساقه إلى جبل عال وأراه جميع مملكات الدنيا وزخارفها، وقال له: إن خررت على وجهك ساجدا لي جعلت هذا الذي ترى كله لك. قال له المسيح:" اغرب أيها الشيطان؛ فإنه مكتوب اسجد للرب إلهك، ولا تعبد شيئا سواه"، ثم بعث الله عز و جل ملكا اقتلع العدو من مكانه، ورمى به في البحر وأطلق السبيل للمسيح .

أفلا يعلم من كان في عقله أدنى مسكة أن هذا الفعل لا يكون من شيطان إلى إله؟! ولو كان إلها لأزاله عن نفسه قبل أن يأتيه الملك من عند ربه، ولما قال" أمرنا أن لا نجرب الله" " وأن نسجد للرب، ولا نعبد شيئا سواه" وكيف لم يربط الشيطان عن نفسه قبل أن يربط عن أمته!

فهذه أمور إذا تأملها المتأمل قبحت جدا، وكثر اختلافها واشتد تناقضها واضطرابها.

 

 

 

وقال الحسن :" ومما يعجب منه أنكم تعتقدون أن الابن الأزلي اتحد بالمسيح فصارا بجهة واحدة، ولم يفارقه قط منذ اتحد به، ومكث على ذلك في بطن أمه تسعة أشهر، ثم أقام مولودا، وتغذى باللبن، ومربوبا صبيا مغذى بالأغذية إلى أن بلغ ثلاثين سنة، لا يظهر منه شيء من آلة الربوبية، ولا أمر يوجب هذا المحل، ولا كان بينه وبين نظرائه من الآدميين فرق، ولا سطع منه نور، ولا ظهرت له سكينة، ولا حفته الملائكة بالتهليل ، ولا ألم به الشعث بعد ذلك فوق ما كان من الأنبياء قبله، فقد كلم الله موسى من العوسجة كيف شاء فأشرق ما حولها نورا، وكلمه من طور سيناء فاضطربت في الجبل النيران، والتبس وجهه النور الساطع حتى كان يتبرقع إذا جلس مع بني إسرائيل بعد ذلك؛ لأنهم كانوا لا يستطيعون النظر إليه، ثم سأل موسى ربه عز و جل لما قرب منه فقال" رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا" فلما أفاق من صعقته استغفر ربه فتاب عليه، وتجلى مجد الله لجماعة من الأنبياء فرأوا حول مجده ربوات الملائكة، وقال داود :" يا رب إنك حيث عبرت ببلاد سنين تزلزلت الأرض منك وانفطرت من هيبتك" ، وقال أيضا كالمخاطب للبحر والجبال والمتعجب منها:" ما لك أيها البحر هاربا، وأنت يا نهر الأردن لم وليت راجعا، وما لك أيتها الجبال تنفرين كالأبابيل، وما لكن أيتها الشوامخ والهضبات تنزو نزو الشياء"، ثم قال كالمجيب عنهم:"  من قدام الرب تزلزلت البقاع "، قال فإن كان المسيح هو الأزلي الخالق، أو كان متحداً به، فكيف لم ترجف بين يديه الجبال، ولم تتصرف عن مشيئته الأنهار والبحار؟! أو كيف لم تظهر منه آيات باهرات أجل من آيات الأنبياء قبله، مثل المشي على متون الهواء والاضطجاع على أكتاف الرياح، والاستغناء عن المآكل والمشارب، وإحراق من قرب منه من الشياطين والجن، كما أحرق إيليا من قرب منه من جند أحاب الملك، ويمنع الآدميين من نفسه وما فعلوا على زعمكم بجسمه؛ ليعلم الناس أنه خالقهم، أو أنه هيكل الخالق ؟!

 

قال الحسن : " ووجدناكم تقولون أن الابن إنما يسمى ابن الله وكلامه لأنه تولد من الأب وظهر منه، فلم نقف على معنى ذلك؛ لأن شريعة إيمانكم تقول إن الروح أيضا تخرج من الأب، فإن كان الأمر كما تقولون فالروح أيضا ابن؛ لأنها تخرج عن الله تعالى وإلا فما الفرق بينهما ؟

قال:" ولم نفهم أيضا قولكم أن الابن تجسد من روح القدس، وأن روح القدس ساقه إلى البر ليمتحنه الشيطان، فما كانت حاجة الابن إلى أن تكون الروح وهي في قولكم مثله تدبره وتغيره من حال إلى حال، أو ما علمتم أن الغير السابق المدبر فاعل والمسبوق المدبر مفعول به؛ فالابن إذن دون الروح وليس مثله؛ لأن الأزلي لا ينفك من الأزلي وهو مثله .

 

قال:" وإن كان المسيح من روح القدس كما قال جبريل الملك لأمه مريم، فلم سميتموه كلمة الله وابنه ولم تسموه روحه؟! فإنما قال لها الملك" إن الذي تلدين من روح القدس" والروح غير الابن، ولو كان المعنى واحداً لما قالت الشريعة إنه تجسد من روح القدس ، وإن روح القدس ساقه إلى البر، وإن روح القدس نزل عليه، ولم تثلثون به في إيمانكم فتقولون نؤمن بالأب والابن والروح القدس ".

 

قال :"ووجدناكم تقولون أيتها النسطورية: إن لله علما وحكمة هما الابن، وحياة هي الروح، قديمين، ولعلمه وحياته ذات كذات الله؛ وذلك أن علم الله له علم وحياة، ولحياته التي هي روحه علم وحياة، وأن الله الأب لما رأى استيلاء العدو على خلقه ونكول الأنبياء عن مناوأته أرسل إليه ابنه الفرد وحبيبه، وجعله فداء ووفاء للناس أجمعين، وأن ابنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، ثم ولد ونشأ وعاش ثلاثين سنة، يتقلب بين بني إسرائيل كواحد منهم، يصلي في كنائسهم ويستن بسننهم، لا يدعى دينا غير دينهم، ولا ينتحل رسالة ولا نبوة، حتى إذا انقضت تلك السنون أظهر الدعوة وجاء بالآيات الباهرة والبراهين المشهورة؛ فأنكرته اليهود وقتلته وصلبته، ثم صعد إلى السماء .

وصدقتم بشريعة الإيمان وكفرتم من خالفها، ثم لم تلبثوا أن خلعتموها وانسلختم منها وقلتم: إن المسيح جوهران وأقنومان، جوهر قديم وجوهر حديث، ولكل جوهر أقنوم على حياله، وإن الله جوهر قديم يقوم بمعنيين، فهو واحد يقوم بثلاثة معان، وثلاثة لها معنى واحد، كالشمس التي هي شيء واحد ولها ثلاثة معان القرص والحر والنور، فالمسيح هو الله، وهو مبعوث غير أنه ليس يعبد . فكان معنى قولكم هذا أن المسيح مولود لكنه ليس مفعولاً به، وهو مبعوث مرسل لكنكم تستحيون أن تسموه رسولا، إذ كنتم لا تفرقون بين الله وبينه في شيء من الأشياء، وأقبلتم على الملكانية واليعقوبية بالتكفير واللعن لقولهم إن الله والمسيح شيء واحد، ثم لم تلبثوا أن قدمتم المسيح على الله تبارك وتعالى، وبدأتم به في التمجيد ورفعتم إليه تهاليلكم ورغائبكم في أوقات القرابين خاصة، وهي أجل صلواتكم وأفضل محافلكم عندكم، فإنه يقوم الإمام منكم على المذبح من مذابحكم وأهله مرعوبون فتتوقعون نزول روح القدس بزعمكم من السماء بدعائه فيفتح دعاءه ويقول:" ليتم علينا وعليكم نعمة يسوع المسيح ومحبة الله الأب ومشاركة روح القدس إلى دهر الداهرين"، ثم يختم صلاته بمثل ذلك، فهذا تصريح بالشرك، وتصغير لعظمة الله وعزته أن جعلتم النعم والمواهب لمن هو دونه؛ وهو معطى ومخول من عند الله على قولكم، وجعلتم لله بعد المسيح محبة ولروحه مشاركة ".

 

قال : ووجدناكم قد عبتم على اليعقوبية قولهم إن مريم ولدت الله - عز الله وجل عن ذلك- وفي شريعة الإيمان التي بيناها المجتمع عليها" أن المسيح إله حق، وأنه ولد من مريم" فما معنى المنافرة، وما الفرق؟! وما تنكرون من قولهم إن المقتول المصلوب هو الله - عز الله وجل عن ذلك-  وشريعة إيمانكم تقول" نؤمن بالرب المسيح الذي من خبره وحاله الذي ولد من مريم وتألم وصلب على عهد الملك بيلاطس النبطي ودفن وقام في اليوم الثالث" أليس هذا إقرارا بمثل قولهم؛ فتدبروا هذا القول يا أولي الألباب ، فإنكم إن قلتم إن المقتول المصلوب هو الله؛ فإن مريم عندكم ولدت الله ،  وإن قلتم إنه إنسان فإن مريم ولدت إنساناً وبطلت الشريعة؛ فأي القولين اخترتموه ففيه نقض دينكم .

ثم عبتم على الملكانية قولهم إنه ليس للمسيح إلا أقنوماً واحدا؛ لأنه صار مع الأزلي الخالق شيئاً واحداً لا فرق بينهما، وقلتم بأن له أقنومين لكل جوهر أقنوم على حياله، ثم لم تلبثوا أن رجعتم إلى مثل قولهم؛ فقلتم إن المسيح وإن كان مخلوقاً من مريم مبعوثا ، فإنه هيكل لابن الله الأزلي، ونحن لا نفرق بينهما، فإذا كان الأمر عندكم على هذا فما تنقمون على الملكية، وما معنى الافتراق وقد رجعتم في الاتحاد إلى مثل قولهم؟!

إن هذا الأمر تحار فيه الأفهام !

فإن كانت الشريعة بمعنى الأمانة عندكم حقا؛ فالقول ما قال يعقوب، وذلك أنا إذا ابتدأنا من الشريعة في ذكر المسيح، ثم نسقنا المعاني نسقاً واحداً وانحدرنا فيها إلى آخرها، وجدنا القوم الذين ألقوها لكم قد صححوا أن يسوع المسيح هو ابن الله، وهو بكر الخلائق كلها، وهو الذي ولد من مريم ليس بمصنوع، وهو إله حق من إله حق من جوهر أبيه، وهو الذي أتقن العوالم وخلق كل شيء على يده، وهو الذي نزل لخلاصكم فتجسد وحملته مريم وولدته وقتل وصلب، فمن أنكر قول اليعقوبية لزمه أن ينكر هذه الشريعة التي تشهد بصحة قولهم ويلعن من ألفها.

 

قال:" وإنما أخذت تلك الطائفة يعني الذين وضعوا الأمانة بكلمات، وذكروا أنهم وجدوها في الإنجيل مشكلات، تأولت فيها ما وقع بهواها وتركت ما في الإنجيل من الكلام البين الواضح الذي يشهد بعبودية المسيح، وشهادته بذلك على نفسه، وشهادة تلاميذه به عليه؛ فأخذت بالمشكل اليسير وجعلت له ما أحبت من التأويل، وألغت الواضح الكثير الذي لا يحتاج إلى تأويل.

 

قال:" فأما احتجاجكم بالشمس وأنها شيء واحد له ثلاثة معان، وتشبيهكم ما يقولونه في الثلاثة الأقانيم بها، فإن ذلك تمويه لا يصح؛ لأن نور الشمس لا يحد بحد الشمس وكذلك حرها لا يحد بحد الشمس، إذ كان حد الشمس جسماً مستديراً مضيئاً مسخنا دائراً في وسط الأفلاك دوراناً دائما، ولايتهيأ أن يحد نورها وحرها بمثل هذه الصفة، ولا يقال إن نورها أو حرها جسم مستدير مضيء مسخن دائم الدوران، ولو كان نورها وحرها شمساً حقا من شمس حق من جوهر الشمس، كما قالت الشريعة في المسيح إنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه لكان ما قلتم له مثلا تاما، والأمر مخالف لذلك فلا يشبهه ولا يقع القياس عليه، والحجة منكم فيه باطلة .

 

قال:" ووجدناكم تذكرون أن المسيح نزل من السماء فأبطل بنزوله الموت والآثام، فإن العجب ليطول من هذا القول! وأعجب منه من قبله ولم يتفكر فيه، وممن لم يستقبح أن يعتقد ديانة لله تبارك وتعالى على مثل هذا القول المحال البائن عما تشهد به العقول، وتنبىء به المشاهدة، ويدعو الناس إليها! فما هو ببعيد من عقد ما هو أمحل وأبطل منها؛ لأنه إن كانت الخطيئة بطلت بمجيئه فالذين قتلوه إذا ليسوا خاطئين، ولا مأثومين؛ لأن لا خاطىء بعد مجيئه ولا خطيئة ؟

وكذلك أيضا الذين قتلوا حواريه وأحرقوا أسفاره غير خاطئين، وكذلك من نراه من جماعتكم منذ ذلك الدهر إلى هذا الوقت يقتل ويسرق ويزني ويلوط ويسكر ويكذب ، ويركب كل ما نهى عنه من الكبائر وغيرها غير خاطئين ولا مأثومين!

فمن جحد ذلك فليرجع إلى التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان وهو أن: " يا ربنا الذي غلب بوجعه الموت الطاغي "، وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من الفصح: " إن فخرنا بالصليب الذي بطل به سلطان الموت وصرنا إلى الأمن والنجاة بسببه "، وفي بعض التسابيح: " بصلوات ربنا يسوع المسيح بطل الموت وانطفأت فتن الشيطان ودرست آثارها " فأي خطيئة بطلت، وأي فتنة للشيطان انطفأت، أو أي أمر كان الناس عليه قبل مجيئه من المحارم والآثام تغير عن حاله ؟!

 

قال الحسن : " فإذا كان التمويه يقع فيما يلحقه كل أحد بالمعرفة والبيان، فهو فيما أشكل من الأمور وفعل بالتأويلات التي تأولها أولئك المتأولون أوقع ،  وإذا كنتم قد قبلتم هذا المحال الظاهر الذي لا خفاء به عن الصبيان، فأنتم لما هو أعظم منه من المحال أقبل، وهذا إنجيلكم يكذب هذا القول حيث يقول المسيح فيه: " ما أكثر من يقول لي يوم القيامة يا سيدنا أليس باسمك أخرجنا الشيطان، فأقول اغربوا عني أيها الفجرة الغاوون فما عرفتكم قط"؛ فهذا خلاف قول علمائكم ما قالوا، ووضعهم لكم ما وضعوا، ومثله قوله:" إني جامع الناس يوم القيامة عن ميمنتي وميسرتي وقائل لأهل الميسرة إني جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني وكنت غريبا فلم تأووني ومحبوسا فلم تزوروني ومريضا فلم تعودوني فاذهبوا إلى النار المعدة لكم من قبل تأسيس الدنيا وأقول لأهل الميمنة فعلتم بي هذه الأشياء فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم من قبل تأسيس الدنيا" ؛ فهل أدخل أولئك النار إلا خطاياهم التي ركبوها، وهل صار هؤلاء إلى النعيم إلا بأعمالهم الجميلة التي قدموها بتوفيق الله إياهم، فمن قال إن الخطيئة قد بطلت فقد بهت، وقد خالف قول المسيح، وكان هو من الكاذبين .

 

 

وقال الحسن : " و يا أيها القوم الذين هم أولوا الألباب والمعرفة حيث ينسبونه إلى الربوبية وينحلونه اللاهوتية، ويجعلونه خالق الخلق أجمعين وإلههم، بماذا ساغ ذلك لكم، وما الحجة فيه عندكم؟ هل قالت كتب النبوات فيه ذلك؟ أو هل قاله عن نفسه؟ أو قاله أحد عن تلامذته والناقلين عنه؟ الذين هم عماد دينكم وأساسه، ومن أخذتم الشرائع والسنن عنه، ومن كتب الإنجيل وبينه قد أفصح في كل الإنجيل من كلامه ومخاطبته ووصاياه بما لا يحصى كثرة بأنه عبد مثلكم، ومربوب معكم، ومرسل من عند ربه وربكم، ومبدي ما أمر به فيكم، وحكى مثل ذلك من أمره حواريوه وتلامذته ووصفوه لمن سأل عنه، وفي كلامهم بأنه رجل جاء من عند الله عز و جل، ونبي له قوة وفضل، فتأولتم في ذلك أنه أخرج كلامه على معنى الناسوت، ولو كان كما تقولون لأفصح عن نفسه بأنه إله كما أفصح بأنه عبد، ولكنه ما ذكره ولا ادعاه، ولا دعا إليه، ولا ادعته له كتب الأنبياء قبله، ولا كتب تلامذته ولا حكي عنهم، ولا أوجبه كلام جبريل الذي أداه إلى مريم، ولا قول يحيى بن زكريا. 

 

قال:" فإن قلتم إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمرا، وكثر القليل، فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل من هذه الأمور فعلا فنجعله رباً وإلها، وإلا فما الفرق؟!

فمن ذلك: أن كتاب سفر الملوك يخبر أن إلياس أحيا ابن الأرملة، وأن اليسع أحيا ابن الإسرائيلية، وأن حزقيال أحيا بشراً كثيرا، ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلها .

 

وأما إبراء الأكمه، فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وهذا موسى طرح العصا فصارت حيةً لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملاً لكل واحدة منها عينان تبصر بهما، ولم يكن واحد منهم بذلك إلها.

 

وأما إبراء الأبرص، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن رجلاً من عظماء الروم برص فرحل من بلده قاصداً اليسع عليه السلام؛ ليبرئه من برصه، فأخبر الكتاب بأن الرجل وقف بباب اليسع أياماً لا يؤذن له، فقيل لليسع إن ببابك رجلاً يقال له نعمان وهو أجل عظماء الروم به برص، وقد قصدك لتبرئه من مرضه، فإن أذنت له دخل إليك، فلم يأذن له، وقال لرجل من أصحابه اخرج إلى هذا الرجل فقل له ينغمس في الأردن سبع مرات، فأبلغ الرسول لنعمان ما أمره به اليسع، ففعل ذلك فذهب عنه البرص، ورجع قافلاً إلى بلده، فأتبعه خادم ليسع فأوهمه أن اليسع وجه به إليه يطلب منه مالا، فسر الرجل بذلك ودفع إلى الخادم مالاً وجوهراً ورجع فأخفى ذلك وستره،  ثم دخل إلى اليسع فلما مثل بين يديه قال له:" تبعت نعمان وأوهمته عني كذا وكذا، وأخذت منه كذا وأخفيته في موضع كذا، إذ فعلت الذي فعلت به؛ فليصر برصه عليك وعلى نسلك" فبرص ذلك الخادم على المكان.  قال: فهذا اليسع قد أبرأ أبرصاً وأبرص صحيحا، وهو أعظم مما فعل المسيح عليه السلام، فلم يكن في فعله ذلك إلها .

 

قال:" وأما قولكم أنه مشى على الماء، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس عليه السلام صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته فضرب بها الأردن فاستيبس له الماء حتى مشى عليه هو واليسع، ثم صعد إلى السماء على فرس من نور واليسع يراه، ودفع عمامته إلى اليسع فلما رجع اليسع إلى الأردن ضرب بها الماء فاستيبس له حتى مشى عليه راجعا، ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلها، ولا كان إلياس بصعوده إلى السماء إلها. 

 

قال:" وأما قولكم أنه صير الماء خمرا، فهذا كتاب سفر الملوك يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية؛ فأضافته وأحسنت إليه، فلما أراد الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله! إن على زوجي ديناً قد فدحه، فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا فافعل. فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم. ففعلت، ثم أمرها فملأت الآنية كلها ماء فقال: اتركيه ليلتك هذه. ومضى من عندها، فأصبحت المرأة وقد صار ذلك الماء كله زيتا، فباعوه فقضوا دينهم! وتحويل الماء زيتا أبدع من تحويله خمرا، ولم يكن اليسع بذلك إلها.

 

 

وأما قولكم المسيح عليه السلام كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس نزل بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد ،ومات الخلق ضراً وهزلا، وكان الناس في ضيق، فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ فقالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة، أردت أن أخبزه لطفل لي، وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط. فقال لها: أحضريه فلا عليك. فأتته به فبارك عليه؛ فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر تأكل هي وأهلها وجيرانها منه، حتى فرج الله عن الناس، فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح؛ لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد ولم يكن إلياس بفعله هذا إلها .

 

قال:" فإن قلتم إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدرة لله عز و جل؛ إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم، فقد صدقتم ، ونقول لكم أيضا كذلك المسيح، ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعاجيب، إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه، فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟! وما الحجة في ذلك ؟!

 

قال:" وإن قلتم أن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية تضرعت إلى الله، ودعته وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية، قيل لكم وكذلك سبيل المسيح سبيل سائر الأنبياء، قد كان يد