الصحابة .. صدقهم و عدالتهم


   خلق الله تعالى  الإنس والجن لعبادته ، واختار سبحانه من بين الإنس أناسا خصهم برسالاته؛  فأنزل عليهم الوحي، وأمرهم بتبليغ شرعه للناس ، { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }[النساء:165 ]، واختار من بين هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام محمد بن عبد الله خاتماً لهم ، فاصطفاه وخصه بأعظم الكتب  ( القرآن ) ، وبأكمل الشرائع وأيسرها ( الإسلام ) ، وحكم سبحانه بخسارة من جاء بغير الإسلام ديناً ، { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85.

 

وأكد هذا الحكم نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – بقوله : (( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ، ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار )) رواه مسلم ، حديث رقم 153 .

 

ولأجل هذه المهمة الجليلة والعظيمة قدر الله تعالى أموراً تدل على حكمته سبحانه منها :

 

1-  تكفل سبحانه بحفظ القرآن الكريم من التبديل والتغيير ، والزيادة والنقصان ،  { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9.

2-  اختار من الناس من هو جدير بصحبة رسوله - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -  ليحملوا أعباء هذه الرسالة الخاتمة إلى جميع البشر ؛ فهو دين لكل الناس عربهم وعجمهم ، أسودهم وأبيضهم ،  { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }سبأ28. قال ابن مسعود رضي الله عنه  : " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمدٍ – صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه ([1]) ".

 

وهاك أخي القارئ هذا الوصف العجيب لأصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – من زوج فاطمة الزهراء – رضي الله عنها - ، وأبي السبطين سيِّدَي شباب أهل الجنة  – رضي الله عنهما – علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث يروي عنه أبو أراكة  قال : صليت مع علي رضي الله عنه صلاة الفجر ، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة ، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيدَ رُمح صلى ركعتين ثم قلّب يده ، فقال : والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  فما أرى اليوم شيئاً يشبههم !! لقد كانوا يصبحون صُفراً شعثاً غبراً بين أعينهم كأمثال رُكب المعزى ، قد باتوا سُجداً وقياماً ، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم ، والله لكأن القوم باتوا غافلين ([2]).

 

لقد بدأت حياة خاتم الأنبياء والمرسلين – عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم – في مكة بدعوة الناس للإسلام فآمن به قلة من أهل مكة ، صدقوه وآمنوا برسالته ، وأثبتوا صدق إيمانهم في صفحات أيام تلك المرحلة؛ فكان لا يمر يوم إلا ويزداد فيه التضييق عليهم ، ويبتكر المشركون لوناً جديدا في التعذيب والتنكيل بهم ، ويغيبون عن حياة الناس بالتشويه الماكر الذي يتعرضون له مع نبيهم – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – ومع كل هذا صبروا واحتسبوا بل قاموا بدور دعوي فريد أسفر عن إسلام أعداد جديدة من أهل مكة ، فظهر صدق إيمان المهاجرين ، الذين توجوا ثباتهم بالتضحية بأموالهم وبيوتهم ، وتركوا الأهل والأقارب والعشيرة ، وهاجروا إلى الحبشة ، ثم بعدها إلى المدينة !

فما الذي دفعهم لكل هذا ؟!

أهو خوف قوة وبطش نبي الإسلام، الذي كان لا يملك لنفسه ولا لهم حولاً ولا قوة ؟!

أم رجاء ما عنده من أموال وخيرات دنيوية، ومناصب وأوسمة يعد بقسمتها على أتباعه ؟!

الجواب هو : لا هذا ولا ذاك ؛ بل كان صدق الإيمان سر ثباتهم وقوتهم . 

   إن النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر لم يكن له مبرر الظهور في الفترة المكية ، فلم يكن هناك قوة تهاب فيظهر ناسٌ إسلامهم خوفاً منها ، ولم يكن هناك مقابل مادي ومتاع دنيوي يغري بإظهار الإسلام ؛ لذلك لم يكن في أصحاب محمد منافق في الفترة المكية من دعوة الإسلام .

 

والسؤال المهم الآن : هل المهاجرون الذين هذه أخبارهم عدول ؟! وماذا نصنع بالجزء من الدين الذي حملوه إلينا ؟ هل نرده ونرفضه حتى نثبت عدالتهم ؟!

إن الجواب لا يرتاب فيه مؤمن بأن القرآن كلام الله تعالى والذي جاء فيه الثناء عليهم بسبقهم للإسلام ، وتفضيلهم على سائر الأصحاب ::{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }([3])  . وقال تعالى مادحاً لهم : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }([4]) ، وأيضاً فالمؤمنون بمحمدٍ نبيا يقرون بعدالتهم ، فقد زكاهم بقوله: (( إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا)) ([5]).

فالشهادة بالجنة لا تكون إلا لعدول صادقي الإيمان !

فالذي لا يقبل تزكية رب العالمين للمهاجرين ، ولا يعتقد عدالتهم ؟ فبمن سيقبل ؟!

وبماذا سيجيب المؤمنين برده مثل هذه الآيات الكريمة ؟!

  

   وبعد استقرار نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – في المدينة  ومعه أصحابه الكرام ، نزلوا ضيوفاً عند إخوانهم الأنصار الذين أكرموهم أحسن الإكرام . وهؤلاء الأنصار الذين استقبلوا إخوانهم المهاجرين كتبوا تاريخهم بمداد من ذهب !

 

فما الحوافز والوعود الدنيوية التي يحملها لهم رجل مطارد من قومه مهدد بالقتل هو ومن معه ؟!

 

بل إن مبايعتهم له تمت في سرية تامة وخوف شديد من العواقب ، وهاك صورتين من بيعة العقبة:

 الصورة الأولى :

تظهر ثقة العباس بن عبدالمطلب عم النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – بصدق الأنصار حيث حضر البيعة وذكرهم بمكانة ابن أخيه وحقه عليهم فقال للأنصار : يا معشر الخزرج – وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار : الخزرج ، خزرجها وأوسها – إن محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن رأيهم مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة من بلده ، وأنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت . فتكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال : (( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم )) ([6]). 

فهل يمكن للعباس أن يسلم ابن أخيه لمن لا يثق بصدق إيمانهم ، وبمن يشك في عدالتهم ؟!

أما الصورة الثانية :

فهي تقرر ضخامة الأمر الذي سيقدم عليه الأنصار ونتائج مبايعتهم للنبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - قال أسعد بن زرارة : وهو أصغر السبعين : رويداً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل ، إلاّ ونحن نعلم أنه رسول الله ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم تصبرون على ذلك وأجركم على الله ،وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله . فقالوا : يا أسعد أمط عنا يدك ، فو الله لا ندع هذه البيعة ، ولا نستقيلها أبدا ))([7]) .

إن مفارقتهم للقبائل وخاصة اليهودية التي كانت تسكن معهم المدينة تعرضهم لخطر الإبادة والاستئصال !

لذلك لم تكن مبررات ظهور النفاق موجودة في المراحل الأولى من الحياة المدنية ، يشهد لذلك  هذه الحادثة التي تصور لك ظروف المسلمين في تلك المرحلة ، قيل للنبي  صلى الله عليه وسلم  :لو أتيت عبد الله بن أبي ، فانطلق إليه النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وركب حمارا ، فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سبخة ، فلما أتاه النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : إليك عني ، والله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار- قيل إنه عبد الله بن رواحة ([8]) رضي الله عنه -  : والله لحمار رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، أطيب ريحا منك  . فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه ، فغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال ([9]).

ولما أذن الله لنبيه بالتمكين في الأرض من خلال :

1-    دخول أشراف الأنصار في الإسلام وجمهورهم .

2-    ظهور عز الإسلام بعد انتصار النبي صلى الله عليه وسلم في بدر .

 

احتاج بعض أهل المدينة إلى إظهار الإسلام نفاقاً لمصلحة دنياهم ، فقال ابن أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه .فبايعوا الرسول  صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا ([10]). فكانت بداية النفاق في المدينة ، ثم ازداد عدد الصحابة بعد فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً حتى وصلوا عشرات الآلاف في حجة الوداع .

 

  • وبناءً على ما سبق ذكره يتضح الآتي :

1-  أن الصحبة فيها خصوص وعموم، وعمومها يندرج فيه كل من لقي النبي - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -  مؤمنًا به، ولهذا يقال‏ عن بعضهم :‏ صحبته سنة، وشهرًا، وساعة، ونحو ذلك‏ ، ويتفاضل الصحابة بينهم فإن عبد الرحمن بن عوف هو وأمثاله من السابقين الأولين من الذين أنفقوا قبل الفتح ـ فتح الحديبية ـ أعلى مرتبة من خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية وأنفقوا وقاتلوا ؛ فهم دون أولئك، قال تعالي‏:‏ ‏{‏ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 10‏] ؛ فالذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة بما استحقوا به التفضيل على من بعدهم، حتى قال لخالد‏:‏ ‏(‏لا تسبوا أصحابي‏)‏، فإنهم صحبوه قبل أن يصحبه خالد وأمثاله ‏، ومثال آخر أكثر توضيحاً لهذا التفاضل هو ما تميز به أبو بكر الصديق – رضي الله عنه - على جميع الصحابة رضي الله عنهم ، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :( إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر) ([11]) ، وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل أبي بكر الصديق : ‏ ( إن الله بعثني إليكم فقلتم :كذبت، وقال أبو بكر : صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟! )‏ ([12]). فهنا خصه باسم الصحبة، كما خصه به القرآن في قوله تعالي‏:‏ ‏{‏ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏ ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه بين النبي – صلى الله عليه وسلم فضله بقوله : ‏( جعل اللّه الحقَّ على لسان عمر وقلبه ) ([13]) ، و قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ( والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ) ([14])‏‏.‏ ولا استعمل عمر قط، بل ولا أبو بكر على المسلمين‏:‏ منافقًا، ولا استعملا من أقاربهما ([15]).

 

ولقد أقر الصحابة بهذا التفاضل بينهم فقد روى الإمام أحمد في مسنده  في مسند علي – رضي الله عنه - أن وهب السوائي قال:خطبنا علي - رضي الله عنه - فقال: " من خير هذه الأمة بعد نبيها ؟ فقلت: أنت يا أمير المؤمنين . قال: لا ! خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر ، ثم عمر رضي الله عنه ، وما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه "[مسند الإمام أحمد (1/104 رقم: 834)]، ومع هذا التفاضل بينهم فإنهم جميعاً عدول صادقون .

 

2-    أن المهاجرين لم يكن فيهم أحد متهم بالنفاق .

 

3-    أن الأنصار إلى ما بعد غزوة بدر لم يكن أحد منهم متهماً بالنفاق .

 

4-  أن النفاق ظهر بعد غزوة بدر من بعض أهل المدينة، فلما أسلم أشرافهم وجمهورهم، احتاج الباقون أن يظهروا الإسلام نفاقًا؛ لعز الإسلام وظهوره في قومهم‏ .‏

 

5-  أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن أسلم بعد الفتح ظهرت عدالتهم واستقر صدقهم من خلال الآتي :

 

أ‌-   تزكية الله تعالى لهم ، :{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (([16]) .

 

ب‌-  تزكية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بقوله : (( لا تسبوا أصحابي ، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه )) ([17]) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ([18]).

 

ت‌-   أن السابقين للإسلام من المهاجرين والأنصار شهدوا لمن بعدهم بالصدق والعدالة.

 

ث‌-  أن مجتمع الأصحاب كان مجتمعاً يقظاً يشعر بكيد المنافقين ، ويرصد حركاتهم ، ويواجههم في كثير من المواقف ، عملا بقول الله تعالى : { هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ }المنافقون4 . يساعدهم في ذلك الوصف الدقيق للمنافقين في القرآن ؛ لدرجة أن المنافقين كانوا يحذرون من أوصاف القرآن لهم :{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ }التوبة64. فمما جاء من أوصافهم في القرآن : {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ }محمد30 ، وزاد القرآن وصفهم وضوحاً : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء142. ومع هذا وذاك جاء القرآن ليكشفهم في كثير من المواقف والأحداث ، ذاكراً أوصافهم دون أسمائهم؛ لأن صفات المنافقين تتكرر في الجنس البشري في كل الأزمان ، فيحذر المؤمنون الاتصاف بها ، وأيضاً يحذروا كيد من اتصف بها .

 

وقد جعل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – حب الأنصار علامة الإيمان ، وبغض الأنصار علامة النفاق ، وأخبر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين ، فكان عمر وغيره من الصحابة لا يصلون على من لا يصلي عليه حذيفة .

 

وأكتفي للتدليل على معرفة الصحابة لصفات المنافقين وتصريحهم بمعرفة بعضهم بقصتين :

الأولى : حدثت بعد انسحاب عبد الله بن أبي بن سلول من جيش المسلمين الخارج لمواجهة جيش المشركين في أحد ، فقد كان عبدالله بن أبي بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر ، شرفا له في نفسه وفي قومه ، وكان فيهم شريفا ، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس ، قام فقال ‏‏:‏‏ أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم ، أكرمكم الله وأعزكم به ، فانصروه وعزروه ، واسمعوا له وأطيعوا ، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ، ورجع بالناس ، قام يفعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا ‏‏:‏‏ اجلس ، أي عدو الله ، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت ، فخرج يتخطى رقاب الناس ، وهو يقول ‏‏:‏‏ والله لكأنما قلت بجرا إن قمت أشدد أمره ([19])‏‏.‏‏ ‏

 

الثانية : قصة صلاة النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – في بيت عتبان بن مالك رضي الله عنه استجابة لطلب عتبان صلاة رسول الله في بيته ليتخذ مكانه مصلى له ؛ حيث ضعف بصره ، فأخذ الأصحاب الذين حضروا معه يتحدثون بينهم في أمر المنافقين ، قال الإمام النووي معلقاً على حديثهم عند شرحه للحديث في صحيح مسلم :وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة وما يلقون منهم ([20]).

 

ج‌-  أن عليا وآل البيت - رضي الله عنهم وأرضاهم - لم يثبت عنهم اتهام  عموم الصحابة في صدقهم وعدالتهم  ، بل عاشوا معهم  متحابين متآخين .

 

ح‌-   أن محبة آل البيت وتقديرهم هي مما حمله لنا الصحابة – رضي الله عنهم – فهل يكون جزاؤهم ممن يزعم صدق محبته لآل البيت أن ينكر عدالتهم ، ويتهمهم بالنفاق ؟!

 

خ‌-  كيف يكتب لمن هو ساقط العدالة  التوفيق ؟! وكيف تجتمع قلوب الكثيرين منهم على شريعة واحدة حملوها نقية أثناء دعوة نبيهم ، واستمروا على ذلك بعد موته ؟! ولماذا لم يتركوها بعد موته ؟

 

ولعلنا نسأل : 

هل كان للخلاف الذي حدث بين الصحابة – رضي الله عنهم – أثره في التشكيك في عدالتهم ، ووصفهم بالنفاق ؟

والجواب : 

هو أن العلماء قالوا بعصمة الأنبياء – عليهم السلام – وما عداهم من الصديقين والشهداء والصالحين فليسوا بمعصومين بل يقع منهم الخطأ ، فيغفره الله بالتوبة الصادقة والاستغفار ، والحسنات التالية للذنب ، والبلاء الذي يصيبهم في الدنيا ، ويزيد الصحابة بما قدموه من جهاد ونصرة للإسلام . هذا في حال العمد أما ما كان عن اجتهاد معتقدا أنه على حق فللمصيب منهم أجران : أجر الاجتهاد ، وأجر الإصابة ، وللمخطئ أجر الاجتهاد فقط . وهذا ما يقال فيما وقع بين الصحابة من فتن ، علماً بأن كثيراً من الصحابة اعتزلوا تلك الفتن .

فهل من العدل القول : بأن كل مخطئ آثم ؟! وتطبيقه في حق ما وقع بين الصحابة – من فتن ، وجعل ذلك مبرراً للحكم عليهم بعدم العدالة واتهامهم بالنفاق والكفر ؟!

لقد شهد القرآن بأن اقتتال المؤمنين لا يخرجهم عن الإيمان بقوله تعالي‏:‏ ‏{ ‏وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 9، 10‏]‏، فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي [مؤمنين إخوة ] بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم [ مؤمنين‏ ].وقال صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن رضي الله عنه : ( ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) ([21])، فسمى الطائفتين مسلمين ([22]).

‏فليس كل ما كان بغيا وظلمًا أو عدوانًا يخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم، فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون‏؟‏‏!‏ 

 

  • وختاماً :

فإن أهل السنة يعتقدون عدالة الصحابة ، ولا يجيزون جرحهم ، ولا يدعون العصمة لهم ، وأن عدالتهم تكمن في قوة إيمانهم الذي يمنعهم من الجرأة على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

فإلى كل من يقدح في عدالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ، ويتهمهم بالنفاق ، ويحكم بكفرهم نقول الآتي :

 

- ألا تقنع بتزكية الله تعالى لهم ؟!

- ألا ترضى بتزكية النبي – صلى الله عليه وسلم - لهم ، ووصايته بهم ؟!

- ألا يؤثر فيك ثناء علي – رضي الله عنه - عليهم ، وحبه لهم ؟!

- أريدك أن تفكر بتجرد من كل ما سمعته من طعن فيهم – رضي الله عنهم – ثم تأمل في :

1-    أن المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر لن يروي من دين يبغضه ولا يحبه شيئا ويعلمه للناس.

2-   أن الله تعالى تكفل بحفظ دينه ، فهل يوكل نقل دينه إلى المنافقين؟! حاشا لله ، وكل العقلاء يعرفون أن مثل هذا الفعل لا يليق بعاقل فكيف بالله تعالى ؟!

3-   هب أن بعض المنافقين روى شيئا من الأحاديث فإن ما رووه إما أن يوافق القرآن والروايات الأخرى وإما أن يخالفها، فإن وافقها فلا يشك في صحته ، وإن خالفها جزمنا ببطلانه.

 

والسؤال العظيم الذي نختم به هو :

 

أننا نؤمن بأن الرسول – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - حق ، وأن القرآن حق ، و الذي بلغنا القرآن وحمل لنا سنة النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - هم أصحابه – رضي الله عنهم – فهل تريدون أن تجرحوا شهودنا ؟ وبالتالي تبطلوا الكتاب والسنة ؟!

 

- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

 

{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }[الفتح : 29].

 





ترجمة المقال