إعجاز القرآن في تشريعاته السماوية السامية


إن من أعظم ما يلفت انتباه الإنسان اليوم ويستدعي اهتمامه هو حب المسلمين للقرآن وتقديسهم له ، وإيمانهم القوي أنه من عند الله .
1- فما وجه الإعجاز في القرآن ؟ 
2- وما الذي يجعل الناس يقبلونه بهذه السهولة ؟
3- وما سبب تزايد المؤمنين به عبر مرور الأزمان ، خاصة في زمننا هذا؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تتمثل في معرفة أوجه إعجاز القرآن ، وهي عديدة وكثيرة ، بل من أوجه إعجاز القرآن عدم قدرة البشر على الإحاطة بكل أوجه إعجاز القرآن .


لكننا سنركز على وجهٍ واحد هو من أقوى أوجه الإعجاز في القرآن وهو :

 

ما جاء القرآن به من أحكام شرعيةعظيمة


فقد تميزت شرائعه بأنها عادلة ، و يسيرة ، وشاملة ، ومتوازنة ، تكفل الحياة السعيدة المطمئنة التي ينشدها كل إنسان يعيش على هذه الأرض ، وهذا ما يفسر قبول الناس للقرآن وحبهم له ، وإيمانهم بأنه من عند الله الذي يعلم وحده ما يصلح حال الناس في كل زمان ومكان ، فأصبح القرآن بهذه الأوصاف عند المسلمين كتاباً فيه الرحمة ، وكتاباً فيه الهدى والنور لمن آمن به .

 

 

لقد جاء القرآن بشريعة فيها من المميزات ما يحلم به كل إنسان ويتمناه ، فمن هذه المميزات :

1- العدل والإنصاف


فقد أمر القرآن بالعدل ، ويتضح ذلك بأمره بالشهادة بالحق ولو على النفس أو الوالدين ، وأن لا يجامل في الشهادة أحداً ، فلا فرق بين حاكم ومحكوم ، وغني وفقير ، وقريب وبعيد ، وأسود وأبيض .
قال الله تعالى في القرآن : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء:135.

بل ومن جمال وكمال عدل القرآن أنه أمر أن لا يمتنع الإنسان من العدل كراهية خصومه .قال الله تعالى في القرآن :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } المائدة : 8 .


2- ومن الأحكام التي جعلت القرآن معجزا وجعلت له مكانة عند الناس أنه حرم الظلم .

 

قال الله تعالى في القرآن:(وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً) (الفرقان : 19 ) 
وقال الله تعالى في القرآن : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء : 227 ).
وقال الله تعالى في القرآن :(فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف : 65 )

بل جاء في القرآن تحريم أن يظلم الإنسانُ نفسه ! 
قال الله تعالى في القرآن :(وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً) (النساء : 110 ).
وقال الله تعالى في القرآن :(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس : 44 ).

بل جاء في القرآن أن الله لا يحب الظلم :


قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 57).

قال الله تعالى: ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف : 49 )
وقال الله تعالى في القرآن :(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ) (غافر : 31 ).

ومن هنا جاءت أحكام القرآن التشريعية معجزة؛ لأنها رفعت الظلم عن كافة طبقات المجتمع وخصوصا من يتجرأ على المرأة فيظلمها بهضم حقها كزوجة
قال تعالى في القرآن : {.. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ..}البقرة :228.وقد جاء القرآن بما فيه تكريم المرأة بحفظ حقوقها سواءً كانت بنتا أم أختا أم أما أم زوجة في أحكامِ النكاح والطلاق والرضاع والميراث ...الخ ؛ مما كان سبباً لإعجاب الكثير من النساء عبر التاريخ بإعجاز القرآن فأسلمن وآمنَّ بأن هذا القرآن معجز في أحكامه عندما تفهم وضع المرآة تماما فبوأها مكانتها الصحيحة .

3- ومما جعل الناس ينبهرون من أحكام القرآن ويحبونه أنه جاء بحفظ حقوق الناس:

فأحكام القرآن حققت للناس أمنهم على أنفسهم ودمائهم وأموالهم وممتلكاتهم وأهليهم ، وعقولهم ، وحرياتهم .

قال الله تعالى في القرآن: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً )(النساء : 29 ).

وقال الله تعالى في القرآن: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة : 188 ).

وقال الله تعالى في القرآن: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة : 256 )

وقال الله تعالى في القرآن: ( وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) (قـ : 45 )

ولو أن كل مجتمعات العالم طبقت هذا الأمر لانبهروا من استتباب  الأمان وقلة القتل والجريمة والسرقات والاعتداءات  ، وبعدها سيوقنون  أن هذا التشريع فعلا معجز أيما إعجاز.

وأن كل شرائع القرآن جاءت محققة لمصالح الناس وحمايتهم من كل الشرور والأضرار ، فمثلا :

- حرم القرآن الخمر التي تذهب عقل الإنسان فيضر نفسه ويضر غيره بالإضافة إلى أضراره الصحية الكثيرة .

- وحرم أكل لحم الخنزير الذي أثبت العلم الحديث ضرره الكبير على من تناوله ؛ فجسم الخنزير يحتوي على أكبر نسبة من ( حمض البوليك ) ويكمن الضرر في أنه  يتخلص فقط من ( 2% ) من الحمض خلال البول والكمية المتبقية تخزن في لحمه، بينما الإنسان يتخلص من (90%) من هذا الحمض خلال عملية التبول ؛ ولذلك يعاني من يتناول لحم الخنزير من آلام المفاصل والروماتيزم ، ويعيش في لحمه العديد من الطفيليات الخطرة مثل الديدان التي تسبب مرض ( الشعرية ، أو الترخينية ) وهذه الديدان تحدث أمراضاً خطرة في المكان الذي تستقر فيه ، فإذا وصلت للمخ سببت الجنون والشلل ، وإذا وصلت للعين سببت العمى ، وإذا وصلت للقلب سببت الذبحة القلبية ، ويعيش في لحمه ميكروبات تسبب مرض الالتهاب السحائي المخي الذي يؤدي للموت ، والذي ينجو من الموت يصاب بصمم وخلل في التوازن . كما أن يرقات الدودة الشريطية تتميز بالحركة والتنقل في أعضاء جسم المصاب ، بخلاف الديدان التي تصيب الإنسان من الأبقار مثلا فيرقاتها لا تملك هذه القدرات المخيفة ، وغير ذلك من الأضرار الكثيرة ..

 

4- ومن الأمور التي جذبت الناس إلى هذا القرآن وحببتهم فيه وجود السهولة واليسر في فهم القرآن وتطبيقه :

 

قال الله تعالى في القرآن :(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر : 17 )

وقال الله تعالى في القرآن :(مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6 ).

 

فأحكام القرآن إعجازية لأنها لا تكلف الإنسان من العبادات إلا ما يطيقه ويستطيع القيام به ، قال الله تعالى في القرآن :(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة : 286 )، وفوق هذا فإن من يسر الشريعة التي جاء بها القرآن ما يعرف ( بالرخصة ) وهي التيسير والتسهيل على العبد عند وجود الحرج والصعوبة في أداء الواجب الشرعي لعذر ، قال الله في القرآن : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }.

فمثلا يجب على المسلم الصلاة قائماً لكنه إذا لم يستطع أداها جالساً أو على جنبه ، وإذا كان الإنسان مسافراً جاز له قصر الصلاة وجمعها تيسيراً عليه ، وأيضاً يجوز للمسافر الفطر في رمضان وتأخير صيامه إلى حين رجوعه لبلده تيسيراً عليه .

فضلا على أن أحكام القرآن لا تؤاخذ الإنسان ولا تحاسبه على الخطأ والنسيان والإكراه في أقواله وأفعاله ‘ قال الله تعالى في القرآن : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }(البقرة : 286 ).

 

5- ومن الأمور التي جعلت القرآن معجزاً ، إعجازه الأخلاقي والسلوكي :

 

فما أكثر أوامره وتوجيهاته التي تحث على الرحمة والمحبة والتخلق بأحسن الأخلاق بين الناس بعضهم بعضا ومساعدة بعضهم بعضا، فالغني يرحم الفقير فيخصص له جزءاً من ماله فرضا ( يسميها زكاة ) ،ونفلا ( يسميها صدقة )، وللوالدين حق على أبنائهم ، وللجار حق الجوار بالحسنى ، وللرحم حق الصلة بالمعروف ...الخ

بل حتى أسير الحرب نجد أحكام القرآن امتدحت المؤمنين عندما يطعمون الأسير ويكرمونه .

يقول الله في القرآن : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا }.

•       ومن أمثلة إعجاز القرآن الأخلاقي ما قاله الله تعالى في القرآن:

 

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا}سورة الإسراء .

 

 6- ومن المزايا التي جعلت القرآن معجزا في شرائعه أنه ألغى الموازين العنصرية الجاهلية:

 

كالتفريق بين البشر بسبب اللون ، أو النسب والجاه ،أو الدولة ، فجاء القرآن ليخبر الناس أنه لا فرق بين أسود وأبيض وعربي وعجمي وغني وفقير إلا بميزان التقوى ؛ لذلك جعل الحياة سعيدة في نظر الجميع ؛ فالإنسان كريم بما يحمله من صدق مع الله وبما يحمله من حسن معاملة وأخلاق ، فهو كريم بما يحمله من معان سامية يستمدها من دينه والتي لها الأثر البالغ في حياته وحياة الناس من حوله ، يشترك في ذلك الجميع الغني والفقير ، والأبيض والأسود .

قال الله في القرآن : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13.

 

 

7- ومن أعظم أوجه الإعجاز في أحكام القرآن أنه جمع بين أعظم مصلحتين تتمناها البشرية قاطبة ، وهما ( الشمولية والتوازن ):


أولا : أنه جمع بين شمولية مطالب الدنيا وبين شمولية مطالب الآخرة :
فأوامر القرآن تحث الإنسان أن يعمر الأرض ويحرثها ويصلحها ويتقنها فيكون إيجابيا في هذا الجانب ، وهو في نفس الوقت يعمل في الدنيا وتفكيره في الآخرة مما يدفعه للصدق والأمانة في عمله ومعاملته للآخرين ، وذكره لليوم الآخر يجعله يعبد ربه ويذكره على كل أحيانه ويستعد للآخرة .
قال الله عز وجل : { وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) }.

ثانيا : أن أوامر القرآن جمعت بين شمولية مطالب الروح وبين شمولية مطالب البدن. 
فأوامر القرآن فيها الحث على إعطاء البدن حقوقه كحق الأكل والنوم والاستمتاع بالزوجة والراحة ، وفي نفس الوقت تجد القرآن رفع من قيمة الروح بأوامره السماوية السامية النقية الصافية التي تحثه على النظر لهذا الكون والتفكر فيه فتحثه على ذكر وتذكر من برأ روحه ، وتحثه أوامر القرآن على التخلق بأفضل الأخلاق من صدق وعدل وتوسط وبر وصلة وأمانة وكرم فينتشي فرحا بهذه الدعوة ، وتفتح له أوامر القرآن أبواب التوبة على مصراعيها فينشرح صدره وتبكي عينه فرحا ، وتعده أوامر القرآن بجنة عرضها السماوات والأرض فيها كل أنواعِ نعيمِ الروح فيزداد غبطة وسرورا وانشراحا وراحة .
فسبحان الذي أودع كتابه كل هذا الإعجاز في أحكامه التشريعية .

 

8- ومن إعجاز القرآن تصديق بعضها بعضا:

فمعانيه متسقة ، وأحكامه مؤتلفة ، وكل سورة تؤيد الأخرى 
ولو كان القرآن من غير الله – تعالى - لاختلفت أحكامه ، وتناقضت معانيه ، وأبان بعضه عن فساد بعض . 
قال تعالى :{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }[ سورة النساء الآية : 82].
وعلى سبيل المثال نجد كل تشريعات لقرآن تدعو إلى أركان الإيمان الستة ، وكل تشريعات القرآن تدعو إلى أركان الإسلام الخمسة .. .وهكذا

 

9- ومن الأمور التي جعلت القرآن معجزا ما حوته أحكامه من حسم لمادة الفساد بإيجاد العقوبات الحازمة ضد المجرمين:


الذين يقتلون ويسرقون وينشرون الفساد ، فأمـِـن الناس بتلك الأحكام الرادعة ، وسعدوا بعيشهم .
بل وزادت طمأنينة قلوبهم عندما شهد الواقع والإحصاءات باستفحال الجريمة في مجتمعات تهاونت في إيجاد العقوبات الصارمة ضد المجرمين فهم بنظرتهم القاصرة قدموا الرحمة بالمجرم على المصلحة العامة فلم تكن لهم نظرة بعيدة واسعة شاملة لشناعة الجريمة ذاتها وامتداد آثارها وتحريضها للصالح ليكون مجرما في مجتمعه بعدما رأى المجرمَ آمنا من عقوبة حازمة . 
أما أحكام القرآن فشنعت مثلا أعظم التشنيع على من يقتل الأنفس البريئة . 
يقول الله في القرآن : (... أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ...) (المائدة:32) .
فمن ينظر لأحكام القرآن الجزائية يرى إعجازا لما احتوته من عدل وحكمة ورحمة ومصلحة كبرى تحلم بها كل المجتمعات .

 

10- ومن إعجاز أحكام القرآن التشريعية دعوته للتوسط في الأمور فلا إفراط ولا تفريط:


ودونكَ مثالٌ من واقعنا المعاصر :
ففي ظل وجود مجتمعات تطرفت حتى سلبت حق الأغنياء في أموالهم ، جاءت مجتمعات متطرفة على النقيض تماما ، فسلبت الفقراء حقهم من أموال الأغنياء ، وحدثت العقوبتان للمجتمعين كليهما ، فقد كثرت في الطرف الأول سرقات الفقراء لأنهم أحسوا بالاضطهاد ، وكثرت في الطرف الثاني ثورات الأغنياء لأنهم أحسوا بالاضطهاد .

بينما جاء القرآن بحكم وسط بين الطرفين فضمن للغني حقه المالي حتى لا يثور ، وفي نفس الوقت ضمن للفقير حق الزكاة من الغني حتى لا يسرق ، فارتاح الفريقان..فيا له من تشريع معجز لا يمكن أن يكون إلا من إله حكيم ..قال سبحانه : ( ...وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ) سورة البقرة (143).


 

ختاما ً ...


إن عظمة القرآن وإعجازه لها أوجه عديدة ، تجدها على لسان كل مسلم ومسلمة مهما كان تخصصه واهتمامه ، فصاحب السياسة يحدثك عن عظمة القرآن في السياسة ، وصاحب الاقتصاد يحدثك عن عظمة القرآن في الاقتصاد ، وصاحب العلوم الاجتماعية والنفسية يحدثك عن عظمة القرآن في الاجتماع والنفس ، وصاحب العلوم الطبيعية والطبية كذلك ، و...و...و..

وعلى الرغم من كثرة أوجه الإعجاز التشريعية التي لا تنضب إلا أن قبول المسلمين للقرآن ليس لما احتواه من أحكام حكيمة فحسب وليس لأن أحكامه موافقة للعقل والفطرة والواقع والمصلحة فحسب ، ولكنهم قبلوا بأحكام القرآن لأنه كلام رب العالمين الذي يحكم بما يريد وهم عباده.
فكيف إذا أضفنا إلى هذا الرضى تلك المميزات والخصائص في أحكام القرآن التشريعية والتي جعلته كتابا أجمعت كل القلوب المسلمة على اتخاذه شريعة حياة ودستوراً رضيه الكبير والصغير الذكر والأنثى الحاكم والمحكوم وهذا الرضى كان رضى المحب لا رضى المكره ؛ لأنه شريف المصدر عالي المنزلة فهو رباني المصدر ليس بشري المصدر ، إنه كلام رب العالمين رب كل شيء ومليكه اللطيف بخلقه والخبير بما يحقق مصالحهم .

وإنه لجدير بنا بعد ذكر أبرز أوجه الإعجاز التشريعي في القرآن أن نذكر بالأمر الذي أنزل القرآن من أجله ، وهو هداية الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، من خلال البراهين التي يعرضها للدلالة على وجود الله ، ومن خلال إثبات وحدانية الله تعالى وربوبيته ، ومن خلال الصفات التي جاء بها لله تعالى ، ومن خلال بيان حق الله على عباده ، ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب .
قال الله في القرآن العظيم : 
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ 
وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً }
[ سورة النساء الآية: 170 ].
وقال تعالى : {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ } سورة النمل92.

وبالتالي فمثل هذا الكتاب العظيم لا يمكن لأحد من البشر أن يأتي بمثله ، بل لو اجتمع الناس كلهم فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض معينا .
لأنه كلام الله الذي اختار محمداً من بين سائر الناس نبياً ورسولاً فأنزله عليه ، وكلفه بتبليغه للعالمين ، ووعد من أطاعه بجنة النعيم ، وتوعد من عصاه بنار الجحيم .

ولأنه ( بضدها تعرف الأشياء ) فانظر حال البشر وهم يبحثون عن العدل ، ويسعون لتحصيل مصالحهم ، فمثلا شرعوا القوانين ، وكتبوا الدساتير ، ولكن السؤال الذي حيرهم::
من له الحق في وضع هذا الدستور ؟ الحاكم أم الشعب ؟
فكان الجواب المرضي للطرفين ، هو انتخاب البالغين من الشعب لأناس يمثلونهم في المجلس التشريعي ليشرعوا لهم ، فجرت عملية الانتخاب ، ولكن هل كل المستحقين لدخوله شاركوا فيه ؟
أم أن نسبة منهم ، قاطعت عملية الانتخاب ؟! 
ومع ذلك تشارك المجموعة التي رضيت العملية الانتخابية رغم مقاطعة البعض ، وتجرى الانتخابات ، ويفوز أحد الأحزاب بأغلبية المنتخبين وبفارق بسيط مع أقرب منافس له ؟
ويصبح التشريع موافقا لمصالح هذا الحزب الفائز لأنه ذو أغلبية في مقاعد المجلس التشريعي ، على حساب الأحزاب الخاسرة أولا !
وعلى حساب النسبة التي لم تدخل العملية الانتخابية ثانيا !!
فهل يصح أن نصف دستور هذا البلد بأنه عادل ومنصف ومحقق لمصالح الجميع ؟!
الجواب نتركه لك أيها القارئ بعدما تجتهد في عملية إحصائية لعدد المرات التي يغير فيها الدستور خلال عدد من السنوات !

إن الشريعة الربانية التي جاء بها القرآن لتتوج بخاصية تزين ما ذكر من خصائص ومميزات وهي خاصية الشريعة الربانية التي لا تتغير فجميع المجتمع المسلم رضيها بكل أطيافه الحاكمة والمنفذة والشعبية .

وهذا يقودنا إلى أن البشر جميعا لا يستطيعون عمل تشريع لحياتهم بدون هدي إلهي ، لذا حكم الله بنفسه على البشر بأوامره التي أنزلها في القرآن الذي هو آخر كتبه والذي يحوي أوجهًا إعجازية في أحكامه التشريعية الكاملة ، والكفيلة بإسعاد الناس في كل زمان ومكان . 


والآن لنسأل أنفسنا : ما هي أوجه إعجاز القرآن الأخرى ؟
هذا ما سنعرض جوابه مفصلا في موضوع قادم بإذن الله .





ترجمة المقال