أول امرأة تدخل في الإسلام


   العرب أمة تتفاخر بمكارم الأخلاق ؛ فالصادق والكريم والشجاع والحكيم والرحيم والعفيف والواصل للرحم يبلغ عندهم أرفع الدرجات ، وينال منهم التقدير والاحترام ، وهذا ما حصل من خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية التاجرة ذات الشرف والجمال بين نساء مكة ، فقد سمعت بأمانة محمد بن عبدالله الهاشمي وصدقه وحسن خلقه ، فبعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج تاجراً في مالها إلى الشام ، فوافق وخرج متاجراً بمالها إلى الشام ومعه غلام لخديجة يدعى ميسرة.

 

رأى ميسرة من سمات محمد الشخصية من حكمته وتعقله ومن حسن أخلاقه وجودة إدارته لتجارته ما أدهشه ، وزاد إعجابه به ما لاحظه من عناية الراهب نسطور([1])بشخص محمد  حين استراحوا قريباً من صومعته ، وإخباره ميسرة أنه يرى فيه علامات النبي الذي أخبر بصفاته عيسى عليه السلام في الإنجيل.

وبعد عودتهم من الشام حكى ميسرة لخديجة ما رآه من محمد في تلك السفرة من كريم أخلاقه ، وعبر لها عن إعجابه بشخصية محمد التي لاقت التقدير والاحترام من كل من تعامل معه ولاقاه ، وأخبرها بقصة الراهب نسطور؛ فازداد إعجاب خديجة بمحمد فرغبت فيه ورأت أنه الزوج الكفء لها ، وهي المرأة الأرملة التي يتمنى أهل الشرف والرفعة في مكة الزواج منها ؛ فسربت لمحمد صديقتها نفيسة بنت منية وأرسلتها إليه فقالت له: ما يمنعك أن تزوج ؟ فقال: ما في يدي شيء. فقالت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة. قال: ومن؟ قالت: خديجة. فأجاب([2]) ، وذهب مع عمه لخطبتها من عمها ، وتم الزواج المبارك. وكانت نعم الزوجة لزوجها وولدت له أولاده كلهم إلا إبراهيم ؛ فولدت له القاسم ، وبه كان يكنى ، وبناته الأربع: زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة.

 

وكان محمد قد حبب إليه الخلوة ؛ فكان يصعد على جبل النور ويختلي في غار حراء ، فجاءه الملك جبريل عليه السلام فقال: اقرأ. قال: (ما أنا بقارئ)؛ فأخذه الملك فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله ، وتكرر ذلك ثلاثا ، ثم قال الملك :{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ }؛ فرجع محمد إلى خديجة وهو يرجف قلبه ؛ فقال :(زملوني زملوني )[ يعني غطوني]؛ فزملته حتى ذهب عنه الروع ؛ فأخبر خديجة بقصته وقال : (لقد خشيت على نفسي) ([3]).

 

وهنا ظهر أثر تميزها برجاحة العقل والحكمة والبصيرة وثبات النفس ، رغم أنها هي أيضاً تخشى عليه من أن يكون ما رآه من الجان أو الشيطان، فقالت مطمئنة له: " كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ[أي: تنفق على الضعيف واليتيم وذي العيال]، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ[أي: تكسب غيرك المال المعدوم أي تعطيه إياه تبرعا]، وَتَقْرِي الضَّيْفَ[ يعني تكرم الضيف]، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ[ أي: تعين على الحوادث التي تكون في الخير]"([4]).

 

لاحظ كيف أعملت عقلها وحركت فكرها للنظر في النتيجة التي يمكن أن يصل إليها رجل تميز بتلك الخصال الحميدة ؛ فأقسمت " كلا والله ما يخزيك الله أبدا" لا يمكن أن تجتمع في إنسان هذه الأخلاق الكريمة ويخزيه الله .

 

وهذا الأمر كان مشتهراً عند العرب : أن من عُرف عنه الصدق والكرم والعفة والعدل ومكارم الأخلاق فإنهم يتوقعون له العاقبة الحسنة، والذكر الجميل، والمنزلة الرفيعة، والقبول عند الناس.

 

وهذه الصفات تعد من أقوى الأدلة العقلية التي استخدمتها خديجة في معرفة صدق ما يدعيه زوجها محمد ، ومع ذلك انتقلت إلى دليل آخر للتأكد من حقيقة حاله وهو الدليل النقلي الذي يعتمد على ما جاء في بشارات الكتب السماوية ؛ فهي من أحرص الناس على التأكد من حقيقة أمر زوجها قبل أن يعرف الناس خبره ، ويشتهر بينهم أمره ، فجمعت في بحثها عن الحقيقة بين الدليل العقلي والدليل النقلي.

 

فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، وهذا يعني أنه يعرف الأديان السماوية السابقة، وكان شيخاً كبيراً قد عمي ، فقالت له خديجة: يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى . فقال ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى [ يعني بكلمة الناموس الملك جبريل عليه السلام]؛ يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ).قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا([5]).

وبالدليل العقلي الذي توصلت إليه بسلامة عقلها وحسن بصيرتها، وبالدليل النقلي الذي تحققت منه من خلال ورقة بن نوفل تأكد لدى خديجة رضي الله عنها وتيقنت أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي مرسل من ربه؛ فكانت أول من آمن به على الإطلاق، وكانت أول إنسان يدخل الإسلام.

 

أما ورقة بن نوفل فكان الدليل النقلي هو المعتمد له والمؤثر في تصديقه وإيمانه ؛ فقد طابق بين ما يجده في التوراة والإنجيل من صفات نبي آخر الزمان أنه عربي من ذرية إسماعيل ويخرج من جبال فاران ، وهي جبال مكة ، وأن الملك الذي رآه هو الذي رآه الأنبياء من قبله ، فطابق بينها وبين ما عرفه من صفات محمد وأحواله فوجدها متفقة تماماً فصدق به، وتعهد بنصرته.

 

لقد عاشت خديجة رضي الله عنها حياة عظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت نعم المعين له في إبلاغ دعوته ؛ فكان لا يسمع شيئا يكرهه من الرد عليه إلا ويجد زوجته خديجة تثبته وتهون عليه أمر معارضيه وأعدائه، وتزيل عنه كل نصب ، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير.

عاشت خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداثاً صعبة وهي صابرة محتسبة، ومن ذلك حصار الشعب ، والذي توفيت بعده ، ودفنت في منطقة الحجون ، وكان عمرها قد تجاوز الستين عاماً، ونزل رسول الله في قبرها حين دفنها.

 

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عاش حافظاً للعهد وفياً لزوجه الطاهرة خديجة ، كثير الثناء عليها، يصل صويحباتها بالهدية، الأمر الذي دفع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تصرح بغيرتها منها، ففي صحيح البخاري([6]) عن عائشة رضي الله عنها قالت: " مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ، وَمَا رَأَيْتُهَا ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ . فَيَقُولُ:( إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ) ".

وقد نالت خديجة الفضل العظيم جزاء صدقها ومساندتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي صحيح مسلم([7]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ ، وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ".

 

حقاً إنها سيرة عطرة مؤثرة ؛ يتوق مطلعها للجنة ورؤية تلك المرأة العظيمة التي سلم الله عليها ، وسلم عليها جبريل رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

 

 


[1]- الطبقات الكبرى لابن سعد (1/130). 

[2]- الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر نقلا عن الواقدي (7/602). 

[3]- صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي ، حديث 3. 

[4]- صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي ، حديث 3. 

[5]- صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي ، حديث 3. 

[6]- صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها وفضلها ، حيث 3534. 

[7]- صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها حديث 4460.