|
نبي الإسلام
|
|
الكاتب الشيخ عبد الله الغامدي
|
|
الأربعاء, 12 أغسطس 2009 14:12 |
 Share
|
محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
|
الحمد لله أنار بصائر أقوام فقلوبهم بمحبة الله ورسوله عامرة ، وجوارحهم بالسنة عاملة .. وعلى آثار من سلف من صالح الأمة سائرة ، وبالحكمة والموعظة الحسنة داعية ، قد راقبوا خالقهم سراً وعلانية ، وتزوّروا يوم لا تخفى منهم خافية فهنيئاً لهم ما امتدحوا به (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ونجوا بأنفسهم أن يكونوا ممن قال الله فيهم (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
والصلاة والسلام على من شرح الله صدره ووضع عنه وزره ورفع له في العالمين ذكره القائل :" إنما مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء ، فأطاعه طائفة من قومه ، فأدلجوا ، فانطلقوا على مهلهم ، فنجوا ، وكذبت طائفة منهم ، فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به الحق " . وفي رواية " كلُ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قالوا :ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى " صلى الله عليه وعلى رسل الله وأنبيائه جميعاً , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد ..
فلزوم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي الجُنَّةُ لمن تدرعها , والشرعة المعينة لمن تشرعها , نورها صاف , وظلها ضاف , وبيانها واف , وبرهانها شاف . ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) .. فهي إلى رضوان سبيل وللفوز بالجنة دليل هو القائل متبرئً صلى الله عليه وسلم:" من رغب عن سنتي فليس مني" .
ولئن شنّع على أصحاب الموالد ، وخُطئ من غلو في تعظيم المصطفى صلى الله عليه وسلم أو كفروا إن توسلوا به واستغاثوا بجنابه فقالوا في حقه:
ولذ في كل ما ترتجي فإنه المأمن والمعقل وناده عن أزمة أنشبت أظفارها واستحكم المعضل عجل بإذهاب الذي اشتكى فإن توقفت فمن أسأل ؟؟
سواءً كانوا صوفية أو رافضة أو غيرهما؛ فهذا لا يعني بغض أهل السنة والجماعة لنبيهم وازدرائهم له؛ لأنهم لم يقيموا لمولده الاحتفالات , ولم يجلسوا في حلق لتلاوة الصلوات كلاّ وألف كلاّ ولكنهم _أي أهل السنة والجماعة _ وسط بين الغالي والجافي، والمفرط في محبتهم لحبيبهم صلى الله عليه وسلم؛ فليسوا في المقابل ممن جافا سنته وجانب هدية وأعرض عن حكمه ووالى أعداءه وأبغض أتباعه بل كما قال أبن القيم رحمه عند قوله تعالى .( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) . قال :لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي , فتأخر الخلق كلهم , وثبت إتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله وأخلاقه .
لذا قال صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" .
وللصحابة في حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم أشواق ومسرات ولخوف فراقه بكاء وزفرات قد سكن من قلوبهم سويداءها، وخالج من تلك النفوس شفافها ودماءها فهاهم الأنصار رضي الله عنهم يخرجون كل صباح إلى حرّة المدينة خارجها يرقبون مقدم الحبيب فيجلسون حتى تحرقهم الشمس فيرجعوا إلى منازلهم حتى إذا ما أذن الله بوفوده عليهم خرجوا في الطرقات وعلى الأسطح رجالاً ونساءً وخدماً وصبياناً يقولون : الله أكبر جاء رسول الله , جاء محمد صلى الله عليه وسلم . ثم تنازعوا أيهم ينزل عليه ويحل بداره , يقول البراء بن عازب رضي الله عنه فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيّ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي المقابل لما فتح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة قالت الأنصار :أما الرجل فأدركته رغبة في قربته ورأفة بعشيرته .ونزل بذلك على الحبيب صلى الله عليه وسلم الوحي فجمعهم صلى الله عليه وسلم دون غيرهم وقال: " يا معشر الأنصار وقالوا لبيك يا رسول الله قال قلتم "( أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ) وحاشاهم الكذب قالوا: قد كان ذلك . فقال صلى الله عليه وسلم :" كلاّ إني عبدالله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم ". فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : والله ما قلنا الذي قلنا إلاّ الضنّ بالله ورسوله .فقال عليه الصلاة والسلام :" إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " .
وكيف لا يرغبون في عوده معهم وأنسهم بمصاحبته وفي أحد لما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم ما وقع من كسر رباعيته وسقوطه في الحفرة وما دخل في وجنته من حلق المغفر فإذا به ينادي صلى الله عليه وسلم :" من للقوم ؟" فيقوم من الأنصار واحد تلو الآخر !!فيقتلون عن آخرهم !!وكانوا أحد عشر رجلاً !! ثم قام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أحد العشرة فأخذ يقي النبي بيده وجسده حتى قطعت أصابعه وشلت ذراعه!! رضي الله عنه وهو يقول: " يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف لا يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك. " أما أبو دجانة رضي الله عنه ذو العصابة الحمراء فقد جعل ظهره وقاء وفداء لحبيبه صلى الله عليه وسلم والنبل يصيبه وهو لا يتحرك .
وللأنصار رضي الله عنهم جولة وصولة ؛ فها هو سعد بن الربيع رضي الله عنه يبعث له النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد من يبحث عنه ، وكان المبعوث زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال :"إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له : يقول لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كيف تجدك ؟ " فانطلق زيد يطوف بين القتلى فوجده وبه سبعون ضربة !!وكان في آخر رمق له ، فأبلغه الرسالة ، فقال وجراحه تنزف :على رسول الله السلام وعليك السلام! قل له :أجدني أجد ريح الجنة!وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرق وفاضت نفسه رضي الله عنه .
اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار وسائر الأصحاب ومن أحبهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين والأحاديث عن معاني حب الصحابة لنبيهم عليه الصلاة والسلام لا تنتهي فقد كانوا لا يزوجون بناتهم حتى يعلم أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في إحداهن من حاجة.
إن هذا الحب المتناهي أورث تلك النفوس المتعطرة بنور الإيمان طاعة وتسليماً وقبولاً وانقياد لما يأمر به الحبيب صلى الله عليه وسلم على الفور لا على التراخي مبادرين دون تواني .. وهذا شاهد الحب ومصداقه ..
وما قصة تحريم الخمر ،وتحويل القبلة ،والأمر بالحجاب عن المتأمل ببعيد ولكن دونك صورٌ أخرى ومآثر مثلى نستلهم منها العبر ونجتبي الثمر ..
فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثاً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حللت فآذنيني " ، فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة .فقال لها صلى الله عليه وسلم: "أما معاوية فرجل ترب لا ما له ، وأما أبو جهم فرجل خراب للنساء ،ولكن أسامة بن زيد " فقالت بيدها هكذا " أسامة!أسامة!(متعجبة ) فقال لها صلى الله عليه وسلم :" طاعة الله وطاعة رسوله خير لك ". قالت فتزوجته فاغتبطت , وفي رواية مسلم قالت " سمعاً وطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ،فزو جنيه فكرمني الله بأبي زيد وشرفني الله ورفعني به " . ومع أن أسامة رضي الله عنه كان قصير القامة أسود البشرة أفطس الأنف وكان مولى إلا أنها رضيت به لتشريف الإسلام وأهله . وهو من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة ".
ثم تأمل صنيعهم عندما نزع النبي صلى الله عليه وسلم حذاءه في الصلاة لنجس كان فيه فنزعوا وهم في الصلاة نعالهم ..!!
ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك بعث إليهم المسلمون : إنا نريد كلام أميركم وملاقاته فدعونا نأته ونكلمه . فأبلغوه فأذن لهم ، فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن سفيان والحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأبو جندل رضي الله عنهم جميعاً . وكان أخيم الملك يومئذ ثلاثون رواقاً في عسكره وثلاثون سرادقاً كلها من ديباج _ حرير _ فلما انتهوا إليها أبو أن يدخلوا عليه فيها وقالوا :لا نستحل الحرير فابرز لنا . فبرز إلى فرش ممهدة وبلغ ذلك هرقل فقال : ألم أقل لكم ! هذا أول الذل أما الشام فلا شام وويل للروم من المولود المشئوم . وفي رواية أنه أمر لهم بفرش بسط من حرير فقالوا : لا نجلس على هذه . فجلس معهم حيث أحبوا . فيا سبحان الله لم تصرف مواجهة الأعداء أولئك النجباء عن امتثال نهي حبيبهم صلى الله عليه وسلم عن الحرير للرجال .. وصدق صلى الله عليه وسلم :"وجعل الذلة والصغار على من خلف أمري " . وفي المقابل كانوا رضي الله عنهم يشنعون على من يخالف هديه صلى الله عليه وسلم ويهجرونه .
فعن الأعرج قال سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول لرجل :أتسمعني أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تبيعوا الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إلا مثلاً بمثل ولا تبيعوا عاجلاً بآجل ثم أنت تفي بما تفي , والله لا يؤويني وإياك إلا لمسجد !)) . وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه كان في مجلس قومه وهو يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقبل على بعض يتحدثون ، فغضب ثم قال: أنظر إليهم , أحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقبل على بعض ، أما والله لأخرجن من بين أظهركم ولا أرجع إليكم أبدا. فسُئل أين تذهب ؟ قال أذهب فأجاهد في سبيل الله . ولذا قال بن وهب قال لي مالك بن أنس رحمه الله : لا تعارضوا السنة وسلموا له .
ولقد كان للتابعين رحمهم الله شأن في حبهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم وإجلاله بما يليق مقتفين بذلك أثر الأصحاب , سائرين على مناهجهم , فقد قال مالك بن أنس وقد سُئل عن أيوب السختياني : ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال : حج حجتين فكنت أرقبه ولا أسمع منه غير انه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه ،فلما رأيت منه ما رأيت كتبت عنه.
وهاهو مالك بن أنس نفسه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تغيّر لونه ويخني حتى يصعب ذلك على جلسائه , فقيل يوماً له في ذلك فقال :لو رأيتم ما رأيتم ما أنكرتم عليّ ما ترون .لقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيّد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه !!.
وكان مالك رحمه الله إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وتهيأ ولبس ثيابه وتبخر فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللمحبة مظاهر فمن مظاهرها :
- طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر . قال الأوزاعي رحمه الله : ندور مع السنة حيث دارت . وعن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أنه قال : من ألزم نفسه آداب السنة عمر الله قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه ، والتأدب بآدابه قولاً وفعلاً ونية وعقداً . و يقول العلامة العيني : وأعلم أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إرادة طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام .
- ومن علامات محبته : نصر سنته والذب عنها . قال القاضي عياض : ومن محبته نصرة سنته والذب عن شريعته ،وتمني حضور حياته ،فيبذل نفسه وماله وولده .
- ومن ذلك .. التأسي به واقتفاء أثره , فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقيل حيث يقيل صلى الله عليه وسلم حال السفر ،وكذا يقضي حاجته حيث قضاها !! فهذا يجعلنا نقتدي به صلى الله عليه وسلم مظهراً ومخبراً . قال الشافعي رحمه الله : أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد .
قال أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد:من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة فلا تعدّه في ديوان الرجال۔
|